صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 95 من 150
وضع القراءة:

الفصل الخامس والستون

**
في الداخل كانت ريليان قد بدأت بالاغتسال وما إن سمعت صراخه، حتى وضعت يدها على فمها تكتم شهقةً خرجت رغماً عنها، اتسعت عيناها بصدمة، هل قال أمبر إن شيئًا قد حدث بينهما؟ لا....مستحيل.
لا يمكن! بدأت تستعيد كلماته الأخيرة قبل أن تفقد وعيها، أكان يقصد بذلك أنه اقترب منها؟ ارتجف جسدها كله وأصابها غثيانٌ عنيف.
أخذت تفرك جسدها بقوةٍ مؤلمة، وكأنها تريد أن تقتلع جلدها عن عظامها، وأن تمحو أي أثرٍ لذلك اليوم اللعين.
ثم وصلت إلى أذنها بقية كلمات سليم..
"يريد أن يجعلني أبتعد عنها..."
"قال إنها كانت بإرادتها..."
توقفت يدها فجأة، وأغمضت عينيها بقهرٍ موجع، إذًا لهذا السبب لم ينظر إليها، ولهذا السبب لم يصدقها، انهمرت دموعها بغزارة، وهي تهمس بصوتٍ منكسر:
- تبًا لك يا أمبر وتبًا لكل من يشبهك.
كانت قد رفضته وهي بعيدة عن الله، فكيف يتجرأ اليوم على تلويثها بهذه الكذبة الحقيرة بعدما اقتربت من ربها؟
هزت رأسها بعنف، محاولةً طرد تلك الأفكار التي كانت تخنقها، لكنها شعرت وكأن جلدها ينسلخ عنها، وكأنها لم تعد تحتمل أن تبقى داخل جسدها.
تهاوت أرضًا، وأطلقت صرخةً مزقت سكون المكان، قبل أن تنفجر بالبكاء، وهي تضم نفسها بذراعين مرتجفتين.
هرعت ابتهال إلى المرحاض ما إن سمعت صراخها تطرق الباب بسرعة وهي تخاطبها بلهجةٍ يغلب عليها الخوف:
- حبيبتي كفاكِ بكاءً أرجوكِ، أنهي اغتسالكِ واخرجي سليم هنا لن يتركك وحدك وايضًا انا وسارة بجانبك أرجوكِ لا تقلقيني عليكِ.
ثم التفتت إلى سارة التي بقيت جامدةً في مكانها، وكأن الصدمة سلبتها القدرة على الحركة، بينما كانت الدموع تنهمر بصمتٍ فوق وجنتيها، اقتربت منها ابتهال سريعًا، وأمسكت كتفيها تهزهما برفقٍ وقلق:
- سارة! ما بكِ أنتِ أيضًا؟
رفعت سارة رأسها بصعوبة، وقد اختنق صوتها بالعبرة، لتهمس بانكسارٍ مؤلم:
- لقد صرخ في وجهي يا أمي، أقسم أنني لم أقصد شيئًا، كنت فقط أريد أن أطمئن على ريليان.
تنهدت ابتهال بحرقة، ثم جذبتها إلى صدرها تضمها بحنانٍ أمومي، وكأنها تحاول أن تحتوي ارتجاف قلبها قبل جسدها، وهمست بصوتٍ تغلبه المرارة:
- اعذريه يا سارة... فما حدث ليس هيّنًا على رجلٍ يحب زوجته بهذا القدر، ولا على قلبٍ رأى من يحب يتعرض لمثل ذلك الأذى. صدقيني، سليم الآن يحترق من الداخل، وريليان أيضًا تعيش وجعًا يفوق ما تستطيع الكلمات وصفه.
ربتت على رأسها برفق، ثم أردفت بحنان:
- لا تلوميه يا حبيبتي اذهبي إليها، فهي في أمسّ الحاجة لمن يربت على قلبها، أما أنا فسأذهب إلى سليم لأعرف ما الذي حدث بالتفصيل.
هبطت ابتهال إلى الطابق السفلي تبحث عنه، بينما أسرعت سارة نحو ريليان، لكن ما إن وصلت حتى فوجئت بالمنزل خاليًا... لقد غادر.
توقفت مكانها، وشعرت بأن قلبها يهبط بين ضلوعها، ثم أطلقت زفرةً موجوعة، ورفعت كفيها إلى السماء بعينين دامعتين، تدعو الله أن يربط على قلوبهم جميعًا، وأن يجعل لهذه الغمة فرجًا قريبًا، وألا يزيد وجعهم فوق ما يحتملون.
وبقلبٍ مثقلٍ بالعجز، اتجهت إلى المطبخ، وأخذت تُعد مشروبًا دافئًا لريليان، متشبثةً بأملٍ صغير أن يمنح دفؤه شيئًا من السكينة لقلبها المرتجف، ويخفف عنها ولو قليلًا من قسوة ما مرت به.
     
         ««:::::::::::::-::::::::::::»»
 
دلفت جوليا إلى غرفة رلين بعاصفةٍ من الغضب، حتى إن الباب ارتطم بالحائط بقوة، مما جعل رلين تنتفض في مكانها، وترتجف أكثر مما كانت عليه، أغلقت الهاتف الذي كان بين يديها بسرعة، فقد كانت تتحدث مع آليس، ثم وقفت تنظر إلى والدتها بقلقٍ واضح.
تقدمت جوليا منها بخطواتٍ غاضبة، متحدثة من بين أسنانها:
- ما الذي فعلته يا رلين؟! هل تدركين حجم فعلتكِ الحمقاء؟!
ابتلعت رلين ريقها بصعوبة، تجيبها بصوتٍ مرتجف:
- ما الأمر يا أمي؟... عن ماذا تتحدثين؟
لم تمهلها جوليا فرصةً أخرى، ارتفعت يدها وصفعتها بقوةٍ على وجنتها، حتى ارتد رأسها إلى الجانب، ولسعت النار وجهها.
وضعت رلين يدها على خدها بصدمة، واتسعت عيناها وهي تهمس بألم:
- هل، هل ضربتِني للتو يا أمي؟ من أجلها ضربتِني؟!
جزّت جوليا على أسنانها حتى كادت تطحنها، ثم قالت بصوتٍ اختلط فيه الغضب بالخذلان:
- وهل ما زلتِ تسمين نفسكِ أختًا؟! أهذا ما تفعلينه بأختك؟! بنصفكِ الآخر؟! بشق روحكِ؟!
ازدادت نبرة صوتها ارتفاعًا وهي تشير إليها بإصبعها:
- هل تريدين تدميرها؟! هل تريدين إنهاء حياتها بيديكِ؟!
ضربت رلين سطح المكتب بكل قوتها حتى اهتز، ثم صاحت والدموع تملأ عينيها:
- أريدها أن تعود إليّ! أريدها أن تعود إلى رشدها... إلى حياتها السابقة! أخشى عليها من غضب الرب ولعنة اليسوع، لا أريدها أن تصبح من أولئك الأشخاص!
اختنق صوتها وهي تكمل بقهر وتنمي:
- أريدها بجانبي فقط أريد أن أشعر بحبها، بأخوتها، أهذا كثير؟! هل أطلب المستحيل؟!
أغمضت جوليا عينيها بقوة، ثم فتحتهما ببطء، واجابتها بصوتٍ أثقلته الكارثة:
- وهل تعلمين ما الذي فعله أمبر؟ أو هل تعلمين أين هو الآن؟
رفعت رلين رأسها بسرعة، وهزته نفيًا، لتردف جوليا:
- أمبر يرقد الآن في المشفى بين الحياة والموت، بعدما تركه سليم جثةً هامدة، لقد وصلني اتصال من ديفيد... وأخبرني بكل شيء، أخبرني بمخططكم القذر والدنيئ لاسترجاع ريليان.
أغمضت رلين عينيها بارتجاف، وضغطت على أصابعها بقوة، بينما تابعت جوليا بنبرةٍ ازدادت قسوة:
- أتظنين حقًا أن ذلك المحمدي سيترك أمبر حيًا بعدما أخبره أن شيئًا قد حدث بينه وبين ريليان؟!
أجابتها رلين ببرودٍ حاولت أن تتشبث به:
- وما الذي سيفعله؟  فقط سيترك ريليان، وتعود إلينا.
ضحكت جوليا ضحكةً ساخرة، خالية من أي أثرٍ للفرح، ثم اجابتها:
- أجل... سيتركها بالتأكيد!
ثم أضافت وهي تهز رأسها بأسى وكأنها تمحي من عقلها ما فعتله ابنتها:
- خاصةً بعدما نفّذ أمبر خطتكم بطريقةٍ لم تكن في حسبان أحد!
عقدت رلين حاجبيها بعدم فهم، وسألت باستغراب:
- لم أفهم... ماذا تقصدين يا أمي؟
تنهدت جوليا بحرقة، وهي تتخيل اللحظة التي ستعلم فيها ريليان أن شقيقتها كانت شريكةً في كل ما حدث، ثم قالت:
- أنتِ تعلمين جيدًا ما أقصده، أمبر لم يلتزم بما اتفقتم عليه، هل استوعب عقلكِ الساذج والصغير الآن ما الذي تسببتِ به لشقيقتك؟!
رمشت رلين عدة مرات، ثم اتسعت عيناها بفزع، متحدثة بصوتٍ مرتفع:
- أمي، بحق اليسوع، أخبريني ماذا فعل بدون ألغاز؟!
زفرت جوليا بضيق، وأجابتها بحدة:
- لا ينقصني غباؤكِ الآن يا رلين! إن علم والدكِ بما حدث، فلن يترككِ تمرين من أمامه سالمة، وادعي الرب ألا يرفع ذلك المحمدي قضيةً ضدكِ، فهم أصحاب دمٍ حامٍ عندما يتعلق الأمر بنسائهم، ولن يتهاونوا إن علموا أنكِ كنتِ شريكةً فيما حدث.
ارتعد جسد رلين كله، لكنها تماسكت بصعوبة، وقالت بثقةٍ زائفة:
- لن يستطيع فعل شيء،  لا يوجد دليل يثبت أنني كنتُ مشتركة مع أمبر.
في تلك اللحظة، طرقت مايا الباب بخفة، ثم دخلت بتردد، التفتت إليها جوليا ورلين معًا، تحدثت مايا بتوتر ظاهريٍ:
- أمي... أبي يريدكِ أنتِ ورلين في الأسفل... يبدو غاضبًا جدًا.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.