الفصل السادس والستون
**
عمّ الهدوء المكان، باستثناء شهقات مايا. اقترب جرير منها بعيون حمراء وقد تحولت ملامحه إلى غضب شديد:
- ماذا قلتِ؟ يبدو أن استيعابي بطيء... من الذي تزوج؟
نظرت إليه بضيق، لتمسح دموعها بكف يدها، وتخاطبه بتحدٍ:
- لم أقل ألغازًا يا جرير، حديثي كان واضحًا. لقد تزوجت ريليان من ذلك المحمدي.
ضحك مستنكرًا مما سمعه، مخاطبًا إياها بعدم تصديق:
- تمزحين، أليس كذلك؟
نفت بهدوء، عكس ما يضج داخلها من حزن وضيق، متحدثة بتحدٍ أكبر:
- لا أمزح. بل إنني كنت وكيلة زواجها قبل قليل.
نظرت إلى رلين، لتجدها تنظر إلى البعيد، ويبدو أنها قد عادت إلى حالة الصمت التي خرجت منها منذ يومين، وهذا سيؤثر على حالتها كما أخبرهم الطبيب الذي حضر قبل عدة أيام لعلاجها.
جفلت من صوت ضربة جرير للحائط بغضب عارم، ليتحدث من بين أسنانه:
- ماذا فعلتِ جوليا؟ ماذا فعلتِ يا زوجتي؟ هل تعلمين أنكِ حكمتِ علينا بالإعدام بفعلتكِ هذه؟
لم تلتفت إليه، بل ظلت أنظارها معلقةً على رلين التي بدأت تهز نفسها إلى الأمام والخلف وهي واقفة على قدميها.
اقتربت منها بحذر، ها قد عادت إلى حالتها مرة أخرى.
وضعت يدها على كتفها مخاطبةً إياها بهدوء:
- حبيبتي رلين، هل تسمعينني؟
لم تلتفت إليها مطلقًا، بل زاد تحركها إلى الأمام والخلف، لتهمس لها بهدوء:
- رلين حبيبتي، اهدئي.
تحدثت رلين وهي تهز رأسها بعدم تصديق، ناظرةً إلى اللاشيء:
- لقد تزوجت وتركتني، لقد قتلتني وتركتني أموت ولم تلتفت خلفها، وفوق هذا أخذت قلبي معها.
ارتفعت نبرة صوتها لتصبح أكثر حدة:
- لقد ذهبت وتركتني وحيدة هنا، وتركتني أعاني، وهي تعلم علم اليقين أنني سأتأذى بفعلتها هذه.
بدأت تهز رأسها يمينًا ويسارًا نافيةً بقوة كبيرة:
- لا يمكنها أن تفعل ذلك بي، إنها تمزح ولم تتزوج. تريد فقط أن تضعنا أمام الأمر الواقع بأنها بدلت طائفتنا.
نظرت إلى جوليا بعيون متوسلة، وكأنها تبحث عن أي أمل ينقذها:
- كنتِ تمزحين أمي، أليس كذلك؟ لقد كنتِ عند صديقتكِ ولم تشاهدي ريليان، وهي لم تتزوج أيضًا، صحيح؟ أليس هذا ما حدث؟ أو انتظري... لقد ذهبتِ إليها وأحضرتها معكِ. تريدون أن تكون مفاجأة لي.
تركتهم متوجهةً نحو الباب الرئيسي للمنزل، ثم فتحته ظنًا منها أن ريليان خلفه.
خرجت تبحث عنها في الحديقة، لكن عندما قابلت الفراغ جلست على ركبتيها تبكي بانهيار.
تقدم ستيف منها بعدما أمرت جوليا مايا بالذهاب وإخباره عندما بدأت تبحث عنها، ليجلس على ركبتيه أمامها، ممسكًا وجهها بين كفيه:
- رلين، انظري إلي، وكفي عن البكاء.
لم تستمع إليه، بل زاد اضطرابها، فأخرج من جيبه تلك الإبرة التي تركها الطبيب لمثل هذه الطوارئ، واستخدمها لتبدأ حركتها بالهدوء تدريجيًا، وينخفض بعد ذلك صوت شهقاتها.
حملها بين ذراعيه، لينظر إلى والدها الذي كان يحاوط كتفي جوليا، بينما كانت الأخرى تبكي بصوت مكتوم لحال ابنتها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
نظر سليم إلى الصالة، ليجد أن والدته قد غادرت بعدما أخذت سارة معها، تاركةً إياه وحيدًا مع ريليان التي كانت تجلس أمامه وهي تفرك أصابعها بتوتر واضح.
لقد وصلا إلى المنزل منذ نصف ساعة فقط، وقد أقام بهما صلاة الظهر في المنزل لأنه لم يلحق بالصلاة في المسجد... ولأول مرة في حياته.
شعر بغرابة الأمر.
يا الله... لقد وضعته أمام الأمر الواقع.
لم يكن يريد الجلوس معها بهذه السرعة، كان يريد أن يحدد هو الوقت المناسب، أن يأخذ فرصته في الحديث معها، وأن يرتب أفكاره قبل أن يبدأ هذه المرحلة الجديدة من حياتهما.
لكنه الآن يجلس أمامها، وهي زوجته، ولا مجال للتأجيل.
أخذ نفسًا عميقًا وهو لا يعلم من أين يبدأ، خصوصًا بعدما همست له ابتهال قبل أن تتركهما بأن يتعامل معها كما يتعامل مع سارة، وكأنها واحدة من بناته.
يا الله... ماذا تقصد بذلك؟
هل الأمر بهذه السهولة؟
شعر بنفسه وكأنه مراهق في أول لقاء مع من يحب؛ يريد الحديث، لكنه لا يجد الكلمات. يريد أن يبدو طبيعيًا، لكن التوتر كان يفضحه، حتى إن لسانه عجز عن إيجاد أبسط العبارات.
نظر إليها زافرًا بتوتر، ثم فرك مقدمة شعره قبل أن يقول:
- كيف حالكِ؟
كانت جملة بسيطة للغاية، لكنها بالنسبة له في تلك اللحظة بدت وكأنها أصعب سؤال يمكن أن يطرحه.
أما ريليان، فما إن سمعت صوته حتى شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها. حاولت الرد، لكنها لم تستطع.
توقفت الكلمات عند أطراف لسانها، وكأن الخجل قيّدها تمامًا.
لقد أجبرتها ابتهال على الجلوس معه، وكانت تحاول منذ لحظتها الأولى أن تكون طبيعية، لكنها لم تستطع.
إنه الآن زوجها...
وحتى هذه اللحظة ما زالت غير قادرة على تصديق ذلك.
ضحك سليم بخفة عندما طال صمتها، ليجد أن الأمر ليس عليها وحدها.
فهو أيضًا لا يعرف ماذا يقول.
حمحم بهدوء، ثم قرر أن يبدأ بما يراه مهمًا، فقال بجدية بعد لحظات من الصمت:
- بدايةً، أتمنى أن تكوني سعيدة معي، وأن يوفقنا الله لطاعته وحسن عبادته. أريد أن أوضح لكِ بعض الأمور، وأتمنى أن تلتزمي بها، حسنًا؟
ثم أردف موضحًا:
- هذا ليس أمرًا مني، وإنما هو أمر يتعلق بطاعة الله تعالى، فطاعة الزوج فيما يرضي الله من الأمور التي حث عليها الشرع.
رفعت ريليان عينيها إليه باهتمام، تستمع لكل كلمة يقولها، فوجد في نظراتها إنصاتًا صادقًا جعلها يتوقف للحظة.
ابتلع ريقه متوترًا، ثم أكمل بعدما استجمع نفسه:
- أول شيء... أريدكِ أن تعلمي أنني سأحاول أن أكون لكِ كل عائلتكِ. سأكون لكِ الأب والأخ والصديق والسند، قبل أن أكون زوجًا. أعلم أنكِ فقدتِ الكثير، وأعلم أن وجودي لن يعوضهم، لكنني سأبذل ما أستطيع بإذن الله حتى لا تشعري أنكِ وحدكِ.
خفض نظره قليلًا، ثم تابع متحاشيًا عينيها وكأنه يخشى تأثيرهما عليه:
- وسنتعاون على طاعة الله، فإذا رأيتكِ مقصرةً في حقه، فسوف أعاقبكِ و...
توقفت أنفاسها عند كلماته، ونظرت إليه بصدمة.
هل سيعاقبها حقًا؟
خرج صوتها بتردد وخوف وهي تقاطعه:
- هل ستضربني؟
ابتسم سليم لسؤالها، وهز رأسه نافيًا:
- لا. وليست رجولةً أن يرفع الرجل يده على امرأة. هناك أساليب أخرى للعقاب يا عزيزتي.
عقدت حاجبيها باستغراب وسألته:
- وما هي هذه الأساليب؟
ابتسم مجيبًا:
- عندما يحين وقتها ستعرفين، لا تقلقي. لكنني أتمنى ألا نصل إليها أصلًا.
زفرت بضيق، وزمت شفتيها كالأطفال، فهي كانت تريد معرفة الأمر.
لاحظ سليم ذلك، فسألها باستنكار:
- هل تنوين أن تقصري في حق الله حتى تفكري في العقاب؟
هزت رأسها نافية بسرعة:
- بالطبع لا، وأتمنى من الله أن يعينني على ذلك، لكنني فقط تعجبت... كيف يكون العقاب دون ضرب؟ كان والدي يعاقبني بأن يضعني في غرفة منفصلة عن الجميع، هل ستفعل مثله؟
تغيرت ملامح سليم فورًا عندما سمع نبرة الحزن في صوتها، ورأى أثر الماضي في عينيها.
لم يكن سؤالها عن العقاب فقط...
بل كان يحمل وجعًا قديمًا.
اعتدل في جلسته بتردد، ثم اقترب منها وجلس بجانبها، وقال بنبرة هادئة مليئة بالحنان:
- لا تتذكري أي شيء حدث في السابق... هذا أول طلب مني لكِ.
نظرت إليه، فرأت الجدية التامة في ملامحه.
فسألته بتعجب:
- هل أنت جاد؟ إنه شيء فوق استطاعتي.
أجابها بثبات:
- أجل، أنا جاد.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!