الفصل الثامن والسبعون
**
أخذت ريليان الهاتف باستحياء، فهي لا تملك واحدًا خاصًا بها، فقد نسيته في منزلها هناك، كما أنها كانت تخجل من طلب هاتف خاص بها من سليم.
ضغطت على اسمه، وقد كانت سارة تسجله باسم "سندي في الحياة"، ثم وضعته على أذنها منتظرة إجابته.
في تلك اللحظة، استمعت إلى صوت المفتاح الذي وُضع في الباب، ثم فُتح بعد ذلك، مما جعلها تهرول باتجاهه، فلا يوجد أي شخص آخر يملك مفتاح المنزل سوى سليم.
نظر إليها بابتسامة متعبة قليلًا عندما شعر بقدومها، لتسأله بقلق بعدما رد تحية السلام:
- لماذا تأخرت سليم؟ أين كنت؟
أجابها بتوبيخٍ خفيف، وهو يرفع حاجبه قليلًا:
- لماذا لم تردي السلام؟ ألم أقل لكِ إن إلقاء السلام سنة، وردّه واجب، لقوله جل في علاه: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86].
أومأت بخجلٍ بسيط، لتجيبه بأسف:
- وعليكم السلام ورحمته وبركاته. أجل، صحيح، وأخبرتني أيضًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم".
أومأ لها بهدوء، ثم تابع بغضبٍ مازح:
- ثم أين "حمدًا لله على سلامتك زوجي العزيز"؟ هل هكذا تستقبلينني؟
أجابته بضيقٍ حقيقي:
- لا تمزح سليم، إنني قلقة عليك. أخبرني، لماذا تأخرت؟
ضحك بخفة، ثم قبّل رأسها وابتعد عنها مجيبًا:
- إنه العمل ريليان، اعتادي على ذلك عزيزتي.
زفرت بضيق من هذا العمل، ليتقدم هو إلى الداخل، فتبعته بعدما أخذت حقيبته التي كانت بيده بعد إصرار منها على ذلك.
تقدم سليم نحو والدته التي كانت تتحدث مع سارة، لتخاطبه ابتهال بابتسامة، ويبدو أنها أنهت تقطيع الخضار وإعداد السلطة:
- حمدًا لله على سلامتك بني.
قبّل يديها بحب، ثم أجابها وهو يقبل رأس سارة:
- سلمكِ الله من كل شر أمي.
جلس بتعبٍ وإرهاق، فقد كان يومه مرهقًا للغاية، ثم تساءل:
- ماذا أعددتم لنا؟
أجابته سارة ضاحكة:
- يا رجل، لأول مرة تسأل عن الطعام، ما بك؟ هل أصابتك مجاعة؟
تنهد مجيبًا:
- لا أعلم حقًا، لقد كان اليوم مرهقًا جدًا، خاصة أننا ذهبنا إلى أحد البنوك التي تتعامل بالربا، وبعد تشاورات ومناورات توصلنا إلى حلٍ معهم حول ذلك.
جلست ريليان بجانبه بعدما علمت سبب تأخره، ليأخذ منها الحقيبة بهدوء، معتدلًا في جلسته:
- أمي، هل نضج الطعام أم أنه يحتاج لبعض الوقت؟ أي هل أستطيع أن أريح نفسي قليلًا؟
أجابته بهدوء وهي تبتسم له:
- يحتاج لبعض الوقت بني، اذهب وأرح نفسك قليلًا، وعندما ينتهي سنستدعيكم، لا تقلق.
أومأ لها، ثم توجه نحو الدرج، لتخاطب ابتهال ريليان وهي تغمز لها:
- اذهبي مع زوجكِ حبيبتي، فلقد كنتِ قلقة عليه، وها هو أمامكِ بخير.
ضحكت ريليان بخفة وخجل، ثم لحقت به بعدما أعادت الهاتف بين يدي سارة.
انتظرها سليم بعدما وصل إلى منتصف الدرج، ليكملا صعودهما معًا بعدما وصلت إليه. دلف إلى الغرفة، لتفرك ريليان يديها بتوتر، فهي لا تعلم ما الذي تقوله.
جلس سليم على مقعد المكتب، ثم خاطبها مبتسمًا:
- اقتربي ريليان.
تقدمت منه بخطوات بطيئة، ليخاطبها:
- افتحي الحقيبة.
نظرت إلى الحقيبة الموضوعة على قدميه، ومدت يدها نحوها بتوجس.
خاطبها ضاحكًا بقوة:
- ما بكِ خائفة هكذا؟ افتحيها، لا تخافي، لا يوجد بها قنابل أو متفجرات.
فتحتها بحذر، لتجد علبة مستطيلة الشكل مغلفة باللون الذهبي، ولا يظهر محتواها من الداخل.
قلبتها بين يديها، ثم سألته بشك:
- ما هذه؟
أجابها وهو يراقب ردات فعلها، ويبدو أنها بدأت تخمن ما بداخلها:
- افتحيها كي تعرفي ماذا يوجد بداخلها.
بدأت بنزع الغلاف، ليظهر بداخلها هاتف باللون الأبيض، ويبدو أنه حديث الإصدار.
اتسعت ابتسامتها تدريجيًا، ليسألها بترقب:
- هل أعجبكِ؟
أومأت له بسعادة كبيرة وهي تتفحص الهاتف، ثم أجابته:
- أجل، أجل، لقد أعجبني جدًا. شكرًا لك.
اعتدل في جلسته، وخلع سترته بإرهاق:
- لقد أحضرته لكِ حتى لا تطلبي الهاتف من أمي مرة أخرى، ويصبح لديكِ هاتف خاص تهاتفيني به وقتما تشائين.
نظرت إليه بحب كبير، ثم اقتربت منه معانقةً إياه بحب:
- شكرًا لك سليم، لقد عوضتني عن كل شيء حتى الآن.
أحاطها بذراعيه مبتسمًا:
- لا تقولي هذا ريليان، فهذا واجبي، وأنتِ مسؤولة مني.
ابتعدت عنه بابتسامة كبيرة، ثم خاطبته وهي تتوجه نحو دولاب الثياب:
- اذهب واغتسل، وستجد ثيابك جاهزة عندما تخرج.
أومأ لها بابتسامة محبة، مجيبًا بإرهاق:
- سوف أتعبكِ، تحمليني.
زمت شفتيها كالأطفال، ثم أجابته بضيق:
- اذهب سليم من أمامي كي لا أغضب منك. ما هو التعب في ذلك ها؟ ثم إنه واجبي، أليس كذلك؟
اقترب منها، وقبّل جبهتها بابتسامة:
- شكرًا لكِ.
تابعته حتى دلف إلى المرحاض، لتخرج له بعض الثياب المريحة، ثم توجهت بعد ذلك إلى الأسفل بعدما أخبرته بذلك، وكان الهاتف بيدها تتفحصه من الداخل.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
فتحت ريم عينيها بقلق عندما استمعت إلى صوت إبراهيم الغاضب وهو يصرخ بأعلى صوته، مما جعلها تعتدل في جلستها وتنظر إلى الباب بصدمة، لتجده واقفًا أمامها.
كان منظره مخيفًا، كأن الغضب قد سيطر عليه بالكامل. اقترب منها، وأمسك بذراعها ليجبرها على الوقوف، ثم خاطبها بعنف:
- هل أنتِ صماء؟ ألا تسمعين يا هذه؟ ماذا تفعلين كل هذا الوقت؟ أريد أن أفهم.
توجه نحو الهاتف الموضوع على المنضدة الصغيرة بجانب رأسها، وأمسكه ثم ألقاه بعنف على الأرض، ليتحطم أمام عينيها، ثم تقدم وداس عليه بقدمه.
نظر إليها بغضبٍ أعمى أفقده صوابه، ثم رفع يده عليها دون أي مقدمات، لتتبعها عدة ضربات أسقطتها أرضًا. لم يكتفِ بذلك، بل ركلها بقدمه في معدتها عدة مرات، لتتكور على نفسها من شدة الألم، ويبدو أنه لم يكن ينوي التوقف، فزاد من عنفه في أنحاء جسدها.
تقدمت منه سما، التي خشيت في البداية الاقتراب منه بعد حالة الهيجان التي أصابته، ثم خاطبته بتوسل:
- أرجوك إبراهيم، اتركها. لقد كانت نائمة لأنها متعبة.
ابتعد عنها بغضب، ثم خاطب ريم بوعيد:
- لقد حذرتكِ بأنكِ لن تري الخير إن لم تجيبي على الهاتف. لقد هاتفتكِ منذ ساعة ولم تجيبي. أقسم أنكِ صماء، وما يجبرني على تحملكِ هم الأطفال ليس أكثر، أما أنتِ فلا تلزمينني في شيء.
بصق ما في فمه باتجاهها، ثم خرج إلى الخارج وهو يجر سما خلفه حتى لا تساعدها.
ظلت ريم متكورة على نفسها بألم، ولم تقوَ على الحركة. بدأت دموعها بالهبوط، تحمل قهرًا وألمًا أكبر من وجعها.
حاولت الاعتدال على يديها، لتجلس على الأرض وهي تضع رأسها على السرير، ثم انفجرت بالبكاء أكثر.
توجهت نحو الهاتف الذي حطمه قبل قليل بوحشيته، ووضعته بجانبها وهي تمسح دموعها بألم كبير.
تقدم منها عمر، الذي جاهد حتى لا يبكي، عكس عليّ الذي انفجر باكيًا، ليخاطبها وهو يحتضنها:
- إنني أكرهه أمي، لا أحبه. دعينا نرحل من هنا، أرجوكِ.
عانقته بضعف كبير، وهي تحاول أن تتماسك أكثر من أجلهم، وفي الوقت نفسه تستمد منه القوة والصبر:
- إنني بخير عمر، لا تكبر الأمور.
نظرت إلى عليّ الذي كان يتشبث بها، فمسحت دموعه بحنان:
- كفاك بكاءً عليّ، أنت لست طفلًا. هيا امسح دموعك يا بطل، إنني بخير.
حاولت الاعتدال، لكنها شعرت بتقلصات في معدتها، فضغطت على عينيها بألم كبير. جاهدت كثيرًا حتى نجحت في النهاية، ثم خاطبتهما بابتسامة بعدما أخذت وضعية النوم:
- تعاليا بجانبي هيا.
توجها إليها ليعانقاها بحب كبير، فتمسكت بهما بضعف واحتياج، وهي تدعو الله أن يخلصها من هذا الوضع الذي هي فيه عاجلًا غير آجل.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
نظرت رلين إلى المكان من حولها، ويبدو أنها اشتاقت إليه، ليبتسم لها ديفيد بحب كبير.
بادلته الابتسامة، ثم تقدمت إلى الأمام وهي تتعلق بذراعه، لتجد أمبر يجلس ويحاوط كتفي آليس.
رفعت حاجبها باستنكار واضح، ثم توجهت نحوهما بتعجبٍ وشك.
رفع أمبر عينيه إليها عندما شعر بوقوف أحدهم، ليبتسم لها بهدوء، ثم خاطبها وهو يضع كأسه جانبًا:
- وأخيرًا جئتِ، يا فتاة، لقد أوشكتُ على الانتهاء من الانتظار، وأنا لا أراكِ هنا.
جلست رلين بجانب آليس، التي ابتعدت عن أمبر بتوتر، ثم سألتهما بشك:
- ماذا يوجد بينكما؟
أجابها أمبر بلا مبالاة:
- مجرد صداقة ليس أكثر، ماذا سيكون؟
نظرت إليه آليس بحزن حاولت إخفاءه، لكنه لم يخفَ على ديفيد أبدًا، والذي جلس أمامها بجانب رلين، لتومئ بهدوء.
أشار ديفيد إلى حديثهما، ثم خاطب أمبر:
- هذا جيد. أخبرني أمبر، متى سنقوم بها؟
تجرع أمبر ما في الكأس كاملًا دفعة واحدة، ثم أجابها:
- اختاري اليوم الذي ترينه مناسبًا.
نظرت رلين إليه بتفكير، وهي تمسك كأسًا بين يديها:
- ربما يوم زفاف ستيف وإلينا...
عقد ديفيد حاجبيه ليسألها بتعجب:
- ماذا تخططون من خلفي؟
لم تشأ رلين أن يعرف بالخطة، لكن آليس تطوعت لتسردها عليه وكأنها تروي قصة نجاح.
نظر إليهم ديفيد بصدمة، ثم خاطبهم معارضًا:
- ما الذي تقولونه أنتم؟ لن أسمح بذلك.
أجابه أمبر بتعجب:
- لماذا؟ لا تقل لي إنك تحبها.
أجابه ديفيد بضيق كبير:
- ما الذي تقوله أمبر؟ ثم إنه لو كنت تحبها حقًا، لما فكرت في هذه الخطة الدنيئة والرخيصة.
ثم وجه أنظاره نحو رلين، ليخاطبها بتوبيخ:
- وأنتِ رلين، أليست هذه أختك؟ ألستما توأمًا واحدًا؟ حقًا أنتِ غريبة في تفكيركِ. صدقاني، لن أسمح لكما بتدميرها. صحيح أنني أشعر بالضيق منها، لكن من أجلكِ يا رلين، فالدين حرية لكل شخص، وأنا لا ألومها لأنها أحبت شخصًا آخر يا أمبر. ولو أنني أعلم عقلك هذا وما تفكر به، لما صادقتك من البداية.
اعتدل في جلسته، لينظر إليها بعتاب ولوم:
- دعيني أعيدكِ إلى المنزل يا رلين، وفكري في الأمر مرة أخرى. فهذه أختكِ، واكتمال قلبك.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!