الفصل الخامس والستون
**
لحقت بها ريليان مهرولةً، فقد كانت تجلس بجانب ابتهال في الداخل، وما إن رأتها تبتعد حتى نهضت خلفها دون تفكير، لتقف أمامها مانعةً إياها من الرحيل.
كانت تلهث من سرعة خطواتها، لكن ابتسامتها كانت ممتلئة بالفرح، وكأنها نسيت كل شيء في تلك اللحظة، خاطبتها بصوتٍ يحمل امتنانًا لا يوصف:
- شكرًا لكِ أمي، حقًا شكرًا لكِ.
لكن جوليا لم تستطع النظر إليها، أبعدت عينيها عنها سريعًا، وكأن نظرتها إليها ستكون سبب انهيارها، حاولت تجاوزها، لكن ريليان اقتربت منها أكثر، ثم أحاطتها بذراعيها في عناقٍ ممتلئ بالاشتياق.
وفي اللحظة التي لامست فيها والدتها، انهار كل شيء داخل جوليا، توقفت أنفاسها، ارتجفت يداها، وسقطت دموعها دون إذن منها، كيف لا تبكي؟
إنها ابنتها! الابنة التي اشتاقت إليها رغم كل محاولاتها للإنكار، الابنة التي حاولت إقناع نفسها بأنها فقدتها، بينما قلبها كان يعلم أنها ما زالت هناك.
وفي اللحظة التي شعرت فيها جوليا بحضن ابنتها، خانتها قوتها، تجمدت للحظات، ذلك الحضن، تلك اللمسة، ذلك الصوت الذي اشتاقت إليه رغم كل شيء، انهمرت دموعها بصمت، فهي مهما حاولت إقناع نفسها بأنها فقدتها، بقيت ريليان ابنتها التي حملتها وكبرت أمام عينيها.
همست ريليان بصوتٍ مرتجف، وهي تشدد عناقها وكأنها تخشى أن تضيع منها مرة أخرى:
- اشتقت إليكِ أمي، لا تعلمين كم اشتقت إلى حضنكِ الدافئ وعطركِ الهادئ.
كانت كلماتها كافية لتحطم ما تبقى من صمود جوليا، لكنها قاومت، قاومت لأنها تخاف، خافت أن تستسلم لحبها، ثم تعجز عن الرحيل بعدها، فـ هناك جدارًا بُني داخل قلبها منذ أن علمت أن ابنتها اختارت طريقًا لم تكن تتخيله لها؛ لذلك دفعتها عنها بقسوة تخفي خلفها ألمًا أكبر:
- ابتعدي عني... عن أي أم تتحدثين؟ أنا لا يوجد لدي سوى ثلاث بنات، أما الرابعة فقد ماتت.
تجمدت ريليان مكانها، لم تؤلمها الكلمات فقط، بل الطريقة التي قالتها بها لم تتوقع أن تسمعها منها.
ليس بهذه القسوة، ليس من المرأة التي كانت يومًا ملجأها الأول.
تركتها جوليا واتجهت نحو الخارج، بينما تبعتها ريليان والدموع تغلبها، وكأنها لم تعد شيئًا، وكأن سنوات عمرها معها أصبحت ذكرى لا قيمة لها! صرخت بقهر توقفها:
- أمي... أرجوكِ لا تفعلي بي هكذا. أتوسل إليكِ أن تتوقفي... أمي، انتظري.
وضعت جوليا يديها على أذنيها، كأنها تحاول منع قلبها من سماع صوت ابنتها قبل أذنيها، لأنها تعلم أنها لو استدارت الآن فلن تستطيع الرحيل.
تقدمت ابتهال نحو ريليان، واحتضنتها بحنان بعدما شاهدت الموقف كاملًا، لم تتدخل في البداية، احترامًا لمكانة جوليا كأم، ولأن هناك كلمات لا يستطيع أحد قولها بين أم وابنتها، لكنها لم تستطع رؤية ريليان وهي تنكسر وحدها.
في تلك اللحظة خرج سليم من الداخل برفقة همام، بعدما ودع أصدقاءه الشيوخ الذين كانوا شهودًا على زواجه وإتمام عقده.
كان قد حاول التواصل مع خاله هاشم ليكون شاهدًا على زواجه، لكنه رفض الحضور، بل أنهى الحديث بطريقة جعلت سليم يدرك أن هاشم أغلق الباب بينهما.
لذلك كان همام هو من وقف بجانبه دون تردد، بل وضع نفطة بيضاء في صفحته امام سليم.
لكن ما إن خرج حتى توقف، كانت والدته تحتضن فتاة، وسارة تربت على كتفها، تأملها للحظات...
هل هذه ريليان؟ أجل فليس غيرها أتت مع والدته وسارة، نظر حوله، ليجد بعض الأنظار متجهة إليهم، ويبدو أن سبب بكائها هو رحيل والدتها.
إذًا حدثت مواجهة بينهما، تقدم نحوهم بضيق من نظرات الآخرين، ثم خاطب والدته بهدوء:
- أمي، دعينا نخرج من هنا، لقد انتهينا.
رفعت ابتهال عينيها إليه، ثم قالت بحزن وهي تشير إلى ريليان:
- تعال وساعد زوجتك يا بني.
الكلمة وحدها جعلته يشعر بثقلها، هل أصبحت فعلًا زوجته؟ هل أصبح من حقه أن يقترب منها عندما تبكي؟ أن يسألها عما يؤلمها؟ أن يكون سندها؟
شعر بالارتباك، لكن يساعدها في ماذا؟!
ثم وبخ نفسه في داخله، ما بك يا سليم؟ لقد أصبحت زوجتك أمام الله، ومن الطبيعي ان تساعدها.
في تلك الأثناء نظرت سارة إلى سليم، ثم انتبهت إلى همام الواقف بجانبه ينظر إلى الأعلى، منذ متى وهو هنا؟ هل كان حاضرًا أثناء عقد القران؟
شعرت بالارتباك، وابتلعت ريقها عندما التقت عيناها بعينيه، أبعدت نظرها بسرعة، وكأنه أمسك بها متلبسة بشيء لا تريد الاعتراف به.
توجهت نحو والدتها تخفي خجلها، وفي الوقت نفسه ابتعدت ريليان عن ابتهال بعدما سمعت صوت سليم، كان وجهها أحمر من كثرة البكاء والخجل معًا، ربتت ابتهال على كتفها بحنان، بينما أمسكت سارة بيدها وسحبتها نحو الأسفل بسرعة، وكأنها تهرب من شيء لا تستطيع مواجهته، تاركة سايم يقف كما كان.
وصلتا إلى السيارة، فنظرت ريليان إليها باستغراب وهي تمسح دموعها:
- ما بكِ يا سارة؟ لماذا كل هذه العجلة؟
كانت سارة تحرك يدها أمام وجهها محاولة تخفيف الحرارة التي اجتاحت وجهها:
- همام... همام.
عقدت ريليان حاجبيها:
- ما به؟
ابتسمت سارة بخجل وهي تفرك كفيها:
- كان في الأعلى، يبدو أنه كان شاهدًا على زواجكم.
استدارت ريليان للخلف، لترى سليم يخرج من باب المحكمة وبجانبه همام، بينما تسير ابتهال أمامهما بهدوء.
ابتسمت بخبث، وكأنها وجدت فرصة لنسيان حزنها قليلًا، ثم قرصت ذراع سارة بخفة:
- هل وقعتِ في حبه؟
وضعت سارة يدها على ذراعها، ثم فتحت باب السيارة بسرعة وجلست في المقعد الخلفي تختبئ من نظرات همام، لتجلس ريليان بجانبها.
كادت ريليان أن تتحدث، لكن ابتهال قاطعتها عندما فتحت الباب وجلست في المقعد الأمامي، ثم التفتت إليها بسؤال حنون:
- كيف أنتِ الآن يا ابنتي؟
ابتسمت ريليان بوهن:
- الحمد لله أمي، أفضل.
بادلتها ابتهال الابتسامة بحب:
- مبارك يا صغيرتي، أسأل الله أن تكوني زوجة صالحة، وأن تعينا بعضكما على طاعته، وأن يملأ حياتكما بالسعادة.
لو لم تكن ردة فعل والدتها بهذا القسوة، لو لم تشعر أنها فقدتها مرة أخرى، لكانت الآن أسعد فتاة في العالم، لكنها رغم ذلك ابتسمت، وحمدت الله على كل شيء.
ثم أعادت نظرها إلى سارة، فوجدتها تنظر من النافذة الأخرى، تخفي خجلها وارتباكها، لكنها حمدت الله على كل شيء.
احترمت ريليان صمتها، فبعض المشاعر لا تحتاج إلى كلمات، ثم نظرت إلى سارة، فوجدتها تنظر من النافذة الأخرى، تخفي خجلها وارتباكها، احترمت صمتها، فبعض المشاعر تحتاج وقتًا حتى تُفهم.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في الخارج، كان سليم يقف مع همام يشكره بامتنان كبير على تلبية دعوته، مما جعل همام يبتسم مخاطبًا إياه:
- لا داعي للشكر سليم، ومبارك لك، وبالرفاه والبنين بإذن الله.
ربت سليم على ذراعه باسمًا يشكره:
- بارك الله بك يا همام.
ثم أكمل مناغشًا إياه:
- العقبى لك.
ضحك همام بخفة، ليتحدث بعد ذلك بجدية تامة:
- ما رأيك أن أعقد قراني بداية الأسبوع القادم؟ كنت أريد أن أفاتحك بهذا، لكنني ترددت، وها قد جاءت الفرصة.
نظر إليه سليم بتفكير، ثم أومأ له بهدوء:
- سوف أرد لك خبرًا يا همام، لأن القرار ليس قراري، بل هو قرار سارة في النهاية. لكن خذ بعين الاعتبار أنك إن عقدت عليها، فلن يكون هناك تواصل بينك وبينها سوى محادثات نادرة بسبب دراستها. إن قبلت لك ذلك فأنا معك، أما إن وجدته شرطًا غير عادل فنحن بها. إنني أخبرك منذ البداية و...
قاطعه همام باسمًا:
- لقد سبق وقلت إنني موافق يا سليم، ولا تقلق، سوف أكون عند حسن ظنك. لن أكون عبئًا أو حملًا ثقيلًا يعيقها عن دراستها.
نظر سليم إلى ساعة يده، ليخاطبه باستعجال:
- يتوجب علي الذهاب إلى المنزل، فقد تركت الجارة عند أمل لمدة ساعة، وقد تأخرت عليها. مبارك لك مرة أخرى.
تابع سليم خطوات همام الذي توجه نحو سيارته، محتلًا المقعد خلف المقود، ثم أدارها وتحرك بها.
توجه سليم نحو سيارته بعد ذلك، ليجلس خلف المقود بعدما فتح بابها، ملقيًا السلام عليهم، لتجيبه ابتهال وريليان بصوت منخفض.
نظر نحو المرآة، ليجدها تنظر نحو سارة بابتسامة زينت مبسمها. بدأت دقات قلبه تنبض بمجرد النظر إليها، فأمعن النظر بها، مذكرًا نفسه بأنها أصبحت زوجته وحلاله، ويستطيع النظر إليها متى شاء.
كتمت ابتهال ضحكتها بعدما كانت تتابع تصرفه، لتخاطبه بهدوء:
- لماذا لا تتحرك بني؟ هل بالسيارة عطل ما؟
ابتسم بتوتر، مخفضًا عينيه، ثم حرك المقود نحو المنزل دون أي كلمة.
تنهدت ريليان، لتضع رأسها على زجاج السيارة الآخر، وهي تفكر في نصفها الآخر، وكيف ستتقبل الأمر. هل ستكون ردة فعلها الغضب أم اللامبالاة؟
أغمضت عينيها بحزن واشتياق لها، مانعةً دموعها من الهبوط.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
دلفت جوليا إلى البيت بروحٍ خالية من الحياة، لتقابلها مايا بقلق بعدما شاهدت دموعها التي كانت على وجنتيها.
تقدمت منها بتساؤل:
- ما بكِ أمي؟ لمَ البكاء؟
لم تجبها، بل دلفت إلى غرفتها حامدةً الرب أن جرير ليس فيها.
انفجرت باكيةً لفراق ابنتها المحببة إلى قلبها، وطفلتها الصغيرة. فمهما كبرت ريليان، كانت تعتبرها صغيرة في نظرها.
حاولت احتواءها بكل قوة، لتعوضها عن جفاء وقسوة الأب الذي لم يكن يهتم بها.
ضغطت على عينيها بقهر كبير، لتتحدث بصوت مكتوم من شدة البكاء، لأنها لا تريد أن يستمعوا إليها:
- كيف فعلتِ ذلك ريليان؟ كيف كسرتِ قلبي وفضلتِ شخصًا آخر على عائلتكِ ووالدتكِ؟ لماذا فعلتِ ذلك؟ ألم ترأفي بحال قلبي المكلوم عليكِ؟ ألم تعودي تحبيننا؟
كانت تشعر بنار تشتعل في قلبها، حتى إنها لم تكن تعرف لماذا لا تريد أن تصدق بأنها بدلت طائفتها.
نظرت إلى يدها بغضب شديد، لتكمل بعدم تصديق:
- كيف وضعت يدي بيد المحمدي ذلك؟ كيف رضيت بتوقيع شهادة وفاة ابنتي؟ أجل، أنا من وقعت على موافقتي بزواجها منه قبل أن يطلب ذلك الرجل أن أضع يدي في يده، وأكرر خلفه: زوجتك ابنتي البكر الرشيد على كتاب الله وسنة رسوله.
أغمضت عينيها بندم حقيقي:
- سامحني أيها الرب، فأنا لم أكن أقصد ذلك، ولم أَعِ الكلمات سوى الآن.
حسنًا، لقد ذهبت وهي تفكر أن زواجها منه سيكون فترة مؤقتة، وستعود ريليان بعدها إلى أحضانها وأحضان الديانة النصرانية.
لكن نظراتها إليه أثناء تكرارها خلف الشيخ، وهي تمنحه الموافقة، كانت نظرات عاشقة متيمة، لا نظرات إعجاب عابر أو ما شابه، وهذا يعني أنه من المستحيل أن تعود إليهم.
ضربت يدها على السرير بقوةٍ وغضب، تزامنًا مع دلوف جرير ومن خلفه رلين ومايا، ثم جلس بجانبها متسائلًا، والقلق ينهش قلبه بعدما شاهد دموعها:
- ما بكِ جوليا؟ أخبريني، هل حدث لكِ شيء في موعدك؟
نظرت إليه بعيون ذابلة، وما زالت دموعها تهبط على وجنتيها بألم. عانقها يريد أن يبث فيها الاطمئنان، لكنها أبعدته عنها، معتدلةً في جلستها، ومتحدثةً بغضب مستعر وهي تضع يديها على رأسها:
- كل ذلك منك، ما حدث بسببك أنت، وليس بسبب أي شخص آخر. أنت السبب في ذلك، لقد حرمتني منها، لا تقترب مني.
نظر الجميع إليها بتعجب من تقلب أحوالها، ليخاطبها جرير باستفسار:
- ماذا تقصدين جوليا؟ وما الذي حدث لأكون أنا السبب به؟ ومن التي حرمتكِ منها؟
ابتسمت بانكسار واستهجان، ناظرةً نحو رلين التي تقف بوجه ذابل:
- لقد دمرت نصف روحها، ودمرت قلبي يا جرير. لقد توقف قلبي قبل قليل، وكل ذلك منك أنت. لقد تزوجته وانتهى الأمر، ولم يعد في ذلك رجعة.
عمّ الهدوء المكان، باستثناء شهقات مايا. اقترب جرير منها بعيون حمراء وقد تحولت ملامحه إلى غضب شديد:
- ماذا قلتِ؟ يبدو أن استيعابي بطيء... من الذي تزوج؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!