الفصل المئة وواحد وعشرون
**
اعتدل في جلسته، وظهرت في صوته قوة اليقين وهو يقول:
- الناس؟! أيُّ ناسٍ يا سيدتي؟ لو أن ملكًا نزل من السماء لوجدوا فيه ما ينتقدونه. الناس لم يرضوا عن ربهم، فكيف سيرضون عن البشر؟ وهل الناس هم من سيدخلونها الجنة أو النار؟ حديثهم لن يرفعها ولن يسقطها عند الله. إنما الذي يرفعها صدقها مع ربها وثباتها على الحق.
ثم تابع بعدما لان صوته:
- صدقيني، لو تحدثت عنها ساعات فلن أوفيها حقها. في بداية معرفتي بها كنت أهرب منها، أتجنبها، وأقاوم كل شعورٍ يتسلل إلى قلبي. كنت أخوض صراعًا حقيقيًا...
توقفت جوليا عند كلماته، وقالت بفضول:
- ولكن ماذا؟
ابتسم ابتسامة عاشقٍ وجد موطن قلبه أخيرًا، وقال:
- ولكن... بقدرة الله ومشيئته، جعلها من نصيبي. وأحمده في كل يوم ألف مرة لأنها زوجتي. لذلك... شكرًا لكِ لأنكِ أنجبتِها.
في الخارج، كانت ريليان تقف خلف الباب، تستمع إلى آخر حديثهما، وقد أغرقت الدموع عينيها دون أن تشعر. لم تعد قادرة على البقاء واقفة، فاتجهت نحو ابتهال وجلست بجانبها، ثم همست بمحبةٍ غلبتها الدموع:
- شكرًا لكِ على كل شيء، أمي.
ربتت ابتهال على ساقها بحنان، وقالت:
- لم أفعل شيئًا يستحق الشكر يا صغيرتي، لكنني سعيدة لأن الله جمعكِ بوالدتكِ من جديد، وأسأل الله أن يجمعكِ قريبًا بنصفكِ الآخر... بعائلتكِ كلها، دون فراق أو وجع.
خرجت جوليا بعدما فتح لها سليم الباب، واتجهت نحو ريليان، ثم جلست بجانبها. وقعت عيناها على الانتفاخ الصغير الذي بدأ يظهر أسفل ثيابها المدرسية، فارتسمت على وجهها ابتسامةٌ دافئة، وغرقت في تخيل حفيدها القادم، قبل أن تنتبه للوقت.
انتفضت واقفةً بقلق:
- يا إلهي... لقد تأخر الوقت، يجب أن أذهب الآن.
انحنت تقبّل وجنة ريليان بحنان، ثم قالت:
- اهتمي بنفسك وبطفلكِ يا صغيرتي، وهاتفيني مساءً، اتفقنا؟ سأنتظر اتصالكِ.
أومأت ريليان بسرعة، ثم احتضنت يد والدتها وكأنها تخشى أن تفلت منها مرةً أخرى.
التفتت جوليا بعدها إلى ابتهال، وقالت بامتنانٍ صادق:
- شكرًا لأنكِ اعتنيتِ بها، واحتضنتِها كأنها ابنتكِ. سررتُ حقًا بمعرفتكِ، سيدة ابتهال.
ابتسمت ابتهال ابتسامتها الهادئة التي تبعث الطمأنينة في القلوب، ثم أجابت بثقةٍ وحنان:
- وأنا أيضًا سررتُ بمعرفتكِ، سيدة جوليا. اطمئني... ريليان بين يديَّ ابنةٌ قبل أن تكون ضيفة، ولن يمسها سوءٌ ما دمتُ على قيد الحياة.
تنهدت جوليا، ثم عانقت ريليان التي سارعت بالارتماء داخل أحضانها، وكأنها تخشى أن تبتعد عنها مرةً أخرى. ربّتت جوليا على كتفها بحنانٍ بالغ، وهمست بصوتٍ اختلط فيه الشوق بالطمأنينة:
- عليّ الذهاب الآن يا ريلي، وسوف أنتظر منكِ اتصالًا.
وضعت ابتهال يدها برفق على ذراع ريليان، لتفلت الأخرى والدتها بصعوبة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ حزينة تخفي خلفها ألف رغبةٍ في إبقائها إلى جوارها.
نظر سليم إلى ساعة يده بعدما غادرت جوليا، ثم خاطب ريليان ضاحكًا محاولًا تلطيف الأجواء:
- هل سترتدين ثيابكِ باكرًا مرةً أخرى؟ اذهبي وبدّليها، وأنا سوف أذهب إلى دوامي، فلدينا اليوم اجتماعٌ مهم في الإدارة.
رمقته بضيق، وقد بدأت الأفكار تتزاحم داخل رأسها، ثم خلعت حجابها بانزعاجٍ واضح، وقالت بغضبٍ طفولي:
- غليظ... ولن تذهب اليوم، وستبقى هنا.
رفع حاجبه بتعجب، وقال باستغراب:
- حقًا؟ وأصبحتِ تتحكمين بدوام عملي؟
نظرت إليه بطرف عينها، ثم اتجهت نحو الدرج وهي تحل أزرار ثوبها المدرسي، تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة، قبل أن تلتفت إليه قائلة:
- لقد قلتُ كلمة... لن تذهب اليوم، أي لن تذهب، انتهى الأمر.
ثم أكملت ببراءةٍ وهي تنظر إليه بعيني جروٍ صغير:
- لأن من سيشرح لي دروس اليوم التي فاتتني هو أنت، أم أنكَ ستحضر لي معلمًا لذلك؟
نظر إلى أثرها بذهول، ثم زفر بضيقٍ من آخر جملتها، لتخاطبه ابتهال بهدوء:
- لا تزعجها يا سليم، ولا تذهب إلى الجامعة. تحمّلها في أشهر حملها الأولى، فهرموناتها متقلبة.
أجابها بضيقٍ حقيقي:
- أمي! أأنتِ معي أم معها؟ الاجتماع مهمٌ اليوم، أقسم لكِ لا أستطيع أن أتغيب عن...
وقبل أن يُكمل جملته، ارتفع رنين هاتفه، فأجاب بهدوء:
- أجل، أنا الدكتور سليم.
استمع للطرف الآخر قليلًا، ثم قال:
- الاجتماع؟ أجل، أجل... لكن بصراحة لا أعلم يا سيدتي ماذا أقول لكِ، إن...
في تلك اللحظة لمح ريليان تقترب منه بسرعة، وما إن انتزعته من يده حتى أغلقت الهاتف دون تردد، لينظر إليها بذهولٍ وصدمة، بينما هتفت بغضبٍ امتزجت به الغيرة والخوف:
- هل من أجلها تريد الذهاب؟ أجب! لماذا أنتَ صامت؟
جزّ على أسنانه بقوة، وقال محاولًا ضبط أعصابه:
- ريليان... أعطيني الهاتف، واذهبي إلى غرفتكِ وأكملي تبديل ثيابك.
نظرت إلى الهاتف الذي بين يديها، ولوّحت به بسخريةٍ مريرة:
- هل تريده حقًا لتتصل بها وتعتذر وتقول: "لقد فعلت زوجتي ذلك، وأنا سوف آتي، لا تقلقي يا سيدتي"؟ سليم... أخبرني من هذه؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوتٍ أثقلته محاولات الصبر:
- ريليان، أقول لكِ أعطيني الهاتف، ولا تجعليني أُحزنكِ.
أحنت زاوية فمها بسخريةٍ أكبر، وقالت بحرقة:
- تُحزنني؟! ومن أجلها؟ قلتُ لك أخبرني من هذه.
مرر كفه على وجهه بإرهاق، يخشى أن ينفلت غضبه فيجرحها، ثم بسط يده إليها وقال بهدوءٍ حازم:
- ريليان، أعطيني الهاتف، لأنكِ ستتسببين بخسارةٍ كبيرة للجامعة.
تأملت ملامحه التي احمرّت من شدة كتم غضبه، لتتدخل ابتهال سريعًا محاولةً احتواء الموقف قبل أن يتفاقم:
- ريليان، أعطيه الهاتف يا ابنتي، وكفاكِ غيرةً... إنها إحدى العاملات في الجامعة، وهذا ما يبدو.
صحح لها سليم بهدوءٍ ممزوج بالتعب:
- إنها رئيسة التنظيم في الجامعة، والمنسقة المختصة بهذا الاجتماع المهم، والممولة الرئيسية له، لأننا سنستقبل عددًا من الخبراء لبناء مشروعٍ تطوعي للمكفوفين... والآن أعطيني الهاتف.
أغمضت عينيها بقوة، وقد احتبست الدموع في محجريها، ثم وضعت الهاتف في يده بصمت، واستدارت مسرعةً نحو الأعلى قبل أن يراها أحد وهي تبكي. تابعها سليم بعينيه للحظات، فرأى انكسارها رغم غضبه منها، لكن الوقت لم يسمح له بملاحقتها، فأخذ نفسًا عميقًا، وأعاد الاتصال محاولًا إصلاح ما أفسدته غيرتها العفوية، بينما بقي قلبه معلقًا بتلك الصغيرة التي كانت تبكي في الأعلى خوفًا من أن تخسره.
««::::::::::::-:::::::::::»»
خرجت سارة من غرفة أمل وهي تمسك بيدها، ليرفع هُمام رأسه نحوهما وقد ارتسم الضيق على ملامحه. عقدت حاجبيها باستغراب، ثم سألته:
- ما بك يا هُمام؟
نظر إلى أمل زافرًا، ثم قال بفمٍ مزموم:
- بصراحة... لا أعلم من منا زوجكِ يا سارة، أنا أم هي؟
تعلقت أمل بقدم سارة بسرعة، وقالت بسعادةٍ غامرة:
- لقد أصبحت أمي يا عمي، أنا سعيدة جدًا.
رمقها هُمام بابتسامةٍ باهتة، ثم قال بغيرةٍ ظاهرة:
- أجل، تجعلينها أمكِ، وتتركين عمكِ ينام وحده طوال الليل، ينظر إلى الوسادة بحسرةٍ كبيرة بسبب التصاقكِ بها هكذا.
اعتدل في جلسته، ثم قال بضيقٍ مصطنع:
- أنا خارج، هل تريدون شيئًا؟
أجابته أمل بحماسٍ وهي تقفز في مكانها:
- أجل، أريد بعض الحلوى اللذيذة، وفانوسًا لرمضان، فغدًا سيأتي ونصوم.
اتسعت ابتسامة سارة، وقالت بحماسٍ لا يقل عنها:
- وأنا أريد ذلك أيضًا.
رفع أحد حاجبيه، ونظر إليها بطرف عينه قائلًا:
- ماذا تريدين أنتِ؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!