صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 6 من 11

الفصل السادس

**تجمدت ريليان في مكانها بخوف، وتقسم بالرب أنها تستمع إلى دقات قلبها التي اخترقت أذنها، لتلتفت إليها بعيون مرعوبة:
- لماذا أمي؟!
أكملت جوليا الصعود للأعلى بغير اكتراث او إلتفات:
- لا أعلم، لكن ستيف أخاكِ معه بالداخل.
ابتلعت ريقها بخوف لتنظر إلى أليتا ذات الخامسة وأخيها التوأم ألكسندر اللذين أقبلا عليها مبتسمين:
- ماذا أحضرتِ لنا يا ريلي؟
خلعت حقيبتها لتقوم بفتحها، مخرجةً الحلوى من داخلها بأنامل مرتجفة، ابتسم لها الطفلان مقبّلين وجنتيها بحب، لتتنهد وهي تنظر لجوليا قبل أن تختفي من أمامها مبتلعةً ريقها:
سوف أبدل ثيابي وأعود يا أمي، لكن هل تعرفين ماذا يريد مني أبي؟!
ابتسمت لها الأخرى ملتفةً لها بهدوء:
-عندما تقابلين والدكِ سوف تعلمين، لا تتأخري.
فتحت باب غرفتها لتجد رلين تتحدث بالهاتف، وضعت الحقيبة على سريرها بهدوء، ثم توجهت كي تقبل وجنتي شقيقتها.
نظرت إليها الأخرى لتنهي مع الطرف الآخر بسرعة:
- سأحادثك فيما بعد يا ديفيد، قبلاتي لك.
لوت ريليان فمها بضيق من حديث أختها لتنظر إليها عندما جلست الأخرى أمامها:
- أين كنتِ يا ريليان؟ ولا تبعدي عينيكِ عني.
تنهدت ريليان بابتسامة مطمئنة لها وقد عادت بعض الطمأنينة إليها:
- لقد كنت عند صديقتي سارة، أخبريني، ألم أقل لكِ أن تقللي الحديث مع ديفيد حتى يصبح الأمر رسميًا بينكم؟
أرجعت رلين جسدها على السرير محتضنةً هاتفها بسعادةٍ وعشق:
- آه يا ريليان، متى يحدث ذلك؟ يقول إنه سيتقدم إليّ عندما أبلغ الثامنة عشرة، أي بعد سنتين من الآن، هذا كثير.
ضحكت بخفة وهي تلقي الوسادة عليها مجيبة اياها:
- تمهلي يا فتاة، ما زلتِ في ريعان شبابك، ولم يفتكِ القطار بعد.
اعتدلت رلين في جلستها لتتساءل بفضول حقيقي:
- هل علمتِ بالأمر؟ هل ذهبتِ لوالدي؟
نفت برأسها بهدوء مخفيةً خوفها الكبير:
لقد أخبرتني أمي، لكني لم أذهب بعد، ما هو الأمر رلين؟ أخبريني.
زمت شفتيها بخفة لتقف على قدميها وهي تمسك ببعض الكراسات الدراسية:
- سوف تعلمين بعد قليل، لقد وعدت أبي ألا أخبركِ.
احتضنت يدها بسرعةٍ وهي تنظر إليها بوجه جرو متشرد:
- أرجوكِ، إنني أختكِ، هيّا أخبريني.
أبعدت رلين عينيها عن عيني ريليان لتنفي لها بتصميم:
- لا، لن أخبركِ، سوف تعلمين بنفسك.
ابتعدت عنها بضيق ضاربةً الأرض بقدميها كالأطفال:
- حسنًا، لكِ يوم يا رلين.
ضحكت الأخرى وهي تتوجه لطاولة المكتب حتى تستطيع الدراسة، مما جعل ريليان تتنهد بنفاذ صبر بعدها ت جهت نحو المرحاض كي تبدل ثيابها.
هبطت للأسفل بعدما أنهت التبديل، أخدث نفسًا عميقًا قبل أن تطرق باب المكتب الخاص بوالدها. أرهفت السمع الى صوت والدها وهو يأمرها بالدلوف، لتقوم بفتح الباب بابتسامة متوترة وخوف، نظرت إلى كرسي المكتب لتجد والدها يجلس عليه بهيبته المخيفة، وبجانبه ستيف أخاها، اعطت انتباهها إلى جرير الذي خاطبها:
- اقتربي يا ريليان.
اقتربت وهي تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى، لتقف أمامه وقدماها تتراقصان من شدة التوتر والخوف، بمحاولة بجهد إخراج صوتها مصحوبًا بابتسامة صغيرة:
- كيف حالك يا والدي؟
نظر إليها باختراق يحاول قراءة تعابير وجهه ليومئ لها مجيبًا بابتسامة صغيرة مربتًا على وجنتها:
- بخير يا صغيرتي.
ضحك ستيف لجملة والده متحدثًا بتسرع:
- صغيرتك لم تعد كذلك يا والدي، لقد كبرت بسرعة وأصبحت عروسًا جميلة.
نظرت إليه باستغراب متسائلةً بتعجب وقد تنبأت بأمر:
- من العروس؟
خرج صوت جرير الضخم آمرًا إياها بهدوء:
- اجلسي يا ريليان، واستمعي لي ابنتي.
جلست على المقعد الذي يقابل والدها متوترةً، زافرةً الهواء بخوف مما ستستمع إليه الآن، وهي تدعو الرب بألا يكون ما وصل إلى ذهنها صحيحًا.
انتبهت لصوت والدها وهو يتحدث:
- لا بد من أنكِ تعرفين أمبر؟!
هنا وقع قلبها، وأوشكت دموعها على التسابق لتأكيد ظنونها، لقد قطع الشك باليقين بعدما أكمل بحديثه موتها:
- لقد قام بطلبكِ اليوم، وأنا أعطيته الموافقة المبدأية.
تحدثت بغصة في حلقها فهو يكتب نهايتها على يديه،
حيث كان لديها بعض الأمل بأن تجعله يتراجع عن فكرته:
- ألم يرسل لي رسالة بأنه سيتقدم بعد غدٍ؟ لماذا لم يلتزم بكلامه؟ ولماذا تخبرني إن كنت قد أعطيته الموافقة يا أبي؟
ضرب جرير سطح المكتب بغضب فهو لا يحب المجادلة:
- كم مرة قلتُ لكِ لا تجادليني؟
أغمضت عينيها بقوةٍ فهي لا تريد أن تبكي، دائمًا لا يستمع إليهم وينفذ ما برأسه، لتفتح عينيها بابتسامة منكسرة:
- حسنًا كما تريد يا أبي، هل تريد شيئًا آخر؟
تحدث جرير بضيق مما حدث ففي النهاية تبقى ابنته:
-لا، والآن يمكنكِ الذهاب لغرفتكِ.
حاولت جر قدميها للخارج وهي تسير ببطء شديد، أغلقت باب المكتب لتبدأ دموعها بالتسابق، بعدها توجهت نحو الأعلى وهي تتذكر سليم وصوته الذي يبعث الطمأنينة بالنفس، في محاولةٍ منها لأن تهدأ.
•••••••••
في المساء كان سليم يجلس مع سارة وهما يتناقشان في درس اليوم، لتتدخل ابتهال مستفسرة:
- بالمناسبة، لم تخبريني يا سارة، هل أعجب الدرس ريليان؟
انتبه سليم إلى والدته مستفسرًا، وقد ولاها جسده بتحفز:
- هل تقصدين صديقة سارة؟ وما شأنها بذلك؟
أومأت له بابتسامة سعيدة، وقد تذكرتها تدعو الله بأن يشرح صدرها:
- أجل، إنني أقصدها يا بُني، لقد أرادت الذهاب للاستماع إلى درسك وأخبرتها بأن تذهب.
أومأ برأسه متفهمًا، متغاضيًا عن تصرفاتها معه، لينظر إلى سارة التي توقفت عن أكل المسليات متحدثة إليه مسرعة:
- أعتذر يا سليم، أقسم لك أنها أمي التي سمحت لها بذلك، لكن لا تقلق، لم تذهب بثيابها المكشوفة، لقد ارتدت من عندي ثيابًا طويلة.
خاطبها سليم بنبرة حنونة، وقد عاد إلى هدوئه ممسكًا بيدها بلطف:
- وهل وجدتني عارضت الأمر؟
نفت سارة بهدوء وهي تقترب منه مبتسمة باستفزاز:
- لا، لكنك ستبدأ بإسماعي الشريط المعتاد.
ابتسم بخفة لها، قارصًا وجنتها بخفة:
- وسوف أقوم بإعادته يا سارة، إنني لا أمانع صداقتكم مطلقًا. أتتذكرين عندما أخبرتني بذلك اليوم وقلت لكِ نفس الحديث؟ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
ظاهرها يؤكد أنه لا يجوز للمسلم أو المسلمة اتخاذ غير المسلم صديقًا أو وليًا، لكن الله تعالى أمر المسلمين أن يتعاملوا بلطفٍ وعدل مع غير المسلمين، فالعلاقة بينهم إذا كانوا مسالمين غير محاربين يجب أن يكون أساسها البر إليهم والعدل معهم والإنصاف لهم، والعدل واجب مع الكل، حتى إننا نعدل مع من حاربنا ولا نظلمه.
قال تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
ربت على رأسها متنهدًا، مما جعلها تضع رأسها على كتفه:
- إننا كمسلمين مأمورون بحسن المعاملة وحسن العشرة والصحبة، سواء مع المسلمين أو غيرهم، ذلك أن حسن المعاملة وحسن الصحبة من الأخلاق الطيبة والكريمة التي بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم لإكمالها، والمعلوم أن الصداقة والصحبة تجلبان المودة والحب، وقد يترتب عليهما ميل القلب للصاحب والرضا بدينه، وهذا قد يؤدي إلى الكفر عنادًا بالله تعالى.
وماذا قلت لكِ أيضًا؟ أليس من شأن الصداقة أن يكتسب الصديق من صديقه أخلاقه وتصرفاته كما في الحديث: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)، أي: عادةً وطريقةً وسيرةً.
صداقتكم يجب أن تكون بحدود عدم الاختلاط بالعقائد، يمكنكم تبادل الزيارات والأحاديث. هل تتذكرين الحديث الذي أخبرتكِ به يا سارة؟
نظرت إليه وقد أومأت له مجيبة بسرعة:
- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وأخبرتني أيضًا أن الله مدحه في قرآنه فقال: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ"، أي إننا مأمورون بالتأسي بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ابتسم لها مربتًا على كفيها بمحبة، وقد شعر بالفخر بها:
- أراكِ تحفظين الدرس جيدًا يا سارة.
ضحكت بخفة وهي تبعد شعرها بتباهٍ وغرور:
- هل تظنني جاهلة يا سليم؟ لم أحب هذا الحديث منك يا أخي.
قرص سليم وجنتها بمداعبةٍ ضاحكًا:
- حسنًا أيتها الفيلسوفة، أرجو أن تكوني فهمتِ الأمر.
أجابته سارة بتأكيد، وقد عادت إلى موضعها الأول:
- أجل، فهمت وحفظت الدرس جيدًا، لأنه من مبادئ الدين العامة أن نحسن الصحبة والمعاملة مع غير المسلمين حتى نظهر سماحة الإسلام ويسره وأخلاقه، خاصة في هذا الوقت الذي يُتهم فيه الإسلام ويوصف بالتشدد والتعنت والتعصب والإرهاب.
هز سليم رأسه بابتسامة فخر بها ليكمل حديثه بتوضيحٍ أخير:
- ولذلك نحن مدعوون جميعًا إلى إظهار الوجه المشرق الحضاري لإسلامنا العظيم في تعاملاتنا مع غيرنا من غير المسلمين.
ربت على شعرها بحب، لينتبه إلى صوت هاتفه. أخرجه من جيب سرواله ناظرًا إلى اسم المتصل الذي ظهر، ليعقد بين حاجبيه باستغراب. ابتعد عنهما قليلًا مجيبًا الطرف الآخر، وقد صدر صوت امرأة باكية:
- سليم، أرجوك، إنني أحتاجك.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.