الفصل الثاني والأربعون
**في صباح اليوم التالي، قامت ريم بفتح الرقية الشرعية على هاتفها الخاص عند صلاة الظهر، مما جعل سما تجلس بجانبها متنهدةً بقوة، ثم أغمضت عينيها وهي تستمع إلى الرقية.
بسم الله الرحمن الرحيم:
{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} (68)
{فَمَا كَانَ جَوَابُ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (24)
كانت الآيات تتكرر متخطيةً السبع مرات، وريم وسما تستمعان بهدوءٍ كبير، ولكن عندما بدأ الشيخ بقوله:
- بسم الله العظيم الأعظم يحرق كل شيطان عاشق.
انتبهت ريم إلى سما التي كانت تتلوى على الأرض من الألم في معدتها، وأصبحت عروق جسدها بأكمله بارزةً للعيان. شعرت ريم بالرعب الشديد وهي تنظر إلى سما، ولكن ليس مما رأته، وإنما خوفًا عليها من أن يحدث لها شيء.
اعتدلت في جلستها، ثم توجهت إليها واضعةً يدها على رأسها، وبدأت تقرأ عليها بعضًا مما تيسر لها من القرآن الكريم بجانب الرقية الشرعية التي كانت تملأ المكان. واستمرت سما بالتلوّي بين يدي ريم حتى النهاية، إلى أن انتهت الرقية الشرعية.
نظرت ريم إلى سما متحدثةً بحنان:
- بماذا تشعرين الآن يا سما؟
نظرت إليها سما باستغراب متسائلة:
- فقط مجرد صداع، ولكن ماذا حدث؟
رمشت ريم بعينيها بصدمة:
- ألا تتذكرين شيئًا مما حدث منذ قليل؟
حركت سما رأسها يمينًا ويسارًا نافيةً، وهي تنظر حولها بعدما وجدت نفسها على الأرض:
- لا، هل حدث شيء ما؟
أومأت ريم برأسها متفهمةً ما يحدث، ثم ابتسمت لها بهدوء:
- سوف أذهب لأعد وجبة الغداء.
عند صلاة العصر، توجهت ريم نحو سما لتبدأ بقراءة سورة الفلق ثلاث مرات على عود البخور، ثم قامت بإشعاله، رغم أنها تعلم أن هذه خزعبلات وأشياء لا صحة لها، لكنها مجبرة على فعلها.
لم تتحمل سما رائحة البخور، فتوجهت نحو غرفة ريم هروبًا من الرائحة. قامت ريم برفع الصوت أكثر، ثم توجهت نحو غرفتها بسبب وجود سما بها، لتحاول سما الفرار من الغرفة، ولكن تلك المرة نحو المرحاض حتى تتمكن من إفراغ ما في جوفها.
نظرت إليها ريم بخوفٍ وقلق وهي تشاهد أمامها شيئًا باللون الأسود. هاتفَت إبراهيم بعدما أخبرتها سما بما حدث، ليقوم إبراهيم بدوره بالاتصال بالشيخ مستفسرًا عن ذلك.
وعندما هاتف إبراهيم الشيخ، أخبره أن هذا الأمر رائعٌ جدًا، وعليهم ألا يقلقوا.
استمر ذلك الوضع لمدة أسبوعٍ كامل. كان إبراهيم وريم يتبادلان الأدوار في ذلك، فريم في الصباح، وإبراهيم في المساء.
كانت ريم تجلس وعلى شفتيها ابتسامةٌ هادئة، متذكرةً ذلك اليوم الذي كانت تستمع فيه إلى الرقية الشرعية، لتنفجر في بكاءٍ مرير، شاعرةً بالاختناق والضيق الكبيرين، مما جعل إبراهيم يجلس بجانبها محاولًا تهدئتها، وهو يقرأ القرآن عليها.
شعرت بالهدوء والراحة، ولا تعلم هل كان ذلك بسبب تصرفه النادر أم بسبب القرآن نفسه، لتغرق في نومٍ عميق ولم تستيقظ إلا بعدما ذهب إلى عمله.
انتبهت إلى انقطاع صوت الرقية، لتجد إبراهيم يتصل بهم يريد أن يعرف مدى تأثير الرقية على سما، فأجابته ريم بابتسامةٍ رقيقة:
- إبراهيم، انتظر قليلًا، سوف تنتهي الرقية، سأعود لمهاتفتك.
نظرت إلى الهاتف باستغراب بعدما أغلق في وجهها، لتسألها سما مستفسرة:
- ماذا حدث؟
نظرت إليها ريم بنظراتٍ مستغربة:
- لا أعلم ما به، لقد أغلق الهاتف في وجهي.
تنهدت سما متحدثة:
- اتركيه وشأنه يا ريم، لا تهتمي بذلك.
تنهدت ريم بحزن، ليكملا استماعهما للرقية الشرعية.
عندما انتهت الرقية الشرعية، عاودت ريم الاتصال بإبراهيم، تريد أن تخبره عن مدى تأثير الرقية على سما. وبمجرد أن فتح الهاتف، لم تستطع ريم أن تنطق ببنت شفة، عندما هاجمها إبراهيم بالكلام:
- في المرة القادمة عندما تحدثينني، اضبطي حديثكِ معي يا ريم. يبدو أنكِ نسيتِ مع من تتحدثين. سوف أذكركِ يا ريم، إذا تحدثتِ بتلك الطريقة مرةً أخرى، إن أردتُ لن أرحمكِ، لكن على ما يبدو أنكِ اشتقتِ إلى ريم المنكسرة.
لم تنطق ريم سوى بجملةٍ واحدة، والغصة تملأ قلبها:
- حسنًا إبراهيم، كما تريد.
««:::::::::::::::::::::::::::»»
كانت سارة تجلس بجانب سليم، وهو يروي لها عن قصة صبر سيدنا يعقوب عليه السلام وإيمانه. لم تكن منتبهةً لحديثه، لتنظر إليه متنهدة:
- سليم، أرجوك، أريد أن أطمئن عليها.
نظر إليها متنهدًا ببعض اللوم:
- سارة، ألم نذهب إليها ولم تقوَي على دخول بيتها أم ماذا؟
زفرت بضيقٍ بسيط:
- إن هاتفها حتى الآن مغلق، ولم أستطع التواصل أو الاطمئنان عليها، ثم إنني خفت من سلبية رد فعلهم عليها.
نظر إليها يريد أن يجيبها، لترتفع الطرقات على باب المنزل.
تحدثت ابتهال لتنبههم:
- اذهب يا سليم وانظر من القادم.
اعتدل سليم في جلسته، ثم توجه نحو الباب ليفتحه بهدوء. وما إن وقع بصره على الزائر حتى اتسعت عيناه صدمةً من هوية الشخص الذي يقف أمامه. أسرع بخفض بصره، ثم خاطبها بينما كانت دقات قلبه تتسارع:
- تفضلي.
اعتدلت سارة بعدم تصديق وهي تشاهدها أمامها، ثم أسرعت تعانقها باشتياقٍ وقلبٍ مطمئن، وتحدثت متنهدة:
- الحمد لله أنكِ بخير، لقد متُّ رعبًا عليكِ، لماذا هاتفكِ مغلق؟
لم تجبها، أو لعلها لم تنتبه إليها أصلًا، بل توجهت ريليان نحو ابتهال، وانحنت تعانقها بقوةٍ كبيرة، ثم انفجرت في بكاءٍ مرير. مسدت ابتهال على ظهرها بحنان، مخفيةً قلقها الذي نهش قلبها.
استمع سليم إلى بكائها، فشعر بقلقٍ شديد خشية أن تكون قد تعرضت للأذى على يد عائلتها. أطلق زفيرًا مثقلًا، ثم توجه نحو غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء. فالساعة الآن العاشرة والنصف مساءً، وكان يريد أن ينام ليتسنى له القيام لصلاة الليل.
في الخارج، وبعد مدةٍ طويلة من إفراغ ريليان ما يثقل صدرها بالبكاء، ابتعدت عن ابتهال، ومسحت دموعها بكف يدها متنهدةً بتقطع، وما زالت دموعها تنهمر بهدوء.
جلست سارة بجانبها، وأمسكت بيدها وهي تنظر إليها بابتسامةٍ صغيرة، ثم قالت:
- أخبريني، ما بكِ يا ريليان؟ ولماذا كان هاتفكِ مغلقًا؟
نظرت إليها، ثم أغمضت عينيها مجيبة:
- لقد هربت.
عقدت سارة حاجبيها باستغراب، ثم سألتها مستفسرة:
- ماذا تقصدين؟ من أين هربتِ؟
أرجعت ريليان رأسها إلى الأريكة، ثم فتحت عينيها مجيبةً بخوف:
- هربت من المنزل يا سارة.
اعتدلت في جلستها، ونظرت إليها بعينين دامعتين، ثم قالت:
- لقد قام أبي بخنقي... لقد حاول قتلي يا سارة، أنتِ لا تعلمين ما الذي فعله معي.
رمشت سارة بعينيها بعدم تصديق:
- ماذا تقولين يا ريليان؟ كيف ذلك؟
تدخلت ابتهال بقلق، ثم تساءلت:
- وكيف هربتِ يا ريليان؟
نظرت إليها وهي تتذكر ما حدث خلال الأسبوع المنصرم.
لقد ظلت حبيسة الغرفة، ولم تخرج منها البتة. كانت والدتها تأتي إليها بالطعام خفيةً بعد أن تضعه بعيدًا عن أنظار جرير، فقد منع عنها الطعام أيضًا. وكانت تتوسل إليها أن تعود إلى الدين النصراني، لأن جرير لا ينوي خيرًا لها ولا لسارة البتة.
كانت جوليا، في قرارة نفسها، تريدها أن تعود إلى دينهم، لكنها كانت تخاطبها بهدوء لعلها تعود إلى رشدها وتلين معها.
أما ريليان، فلم تستمع إليها مطلقًا، وكانت تقضي وقتها بالاستغفار، وذكر الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت تتمنى أن تتقن الصلاة جيدًا، لكن جرير حطم الأسطوانات المسجلة، وأحرق جميع الكتب التي كانت تتعلم منها، كما أخبرتها والدتها.
كما جلس معها أمبر أيضًا، متحدثًا بهدوء طالبًا منها ترك الدين الجديد، لكنها لم تستمع إليه، ولم تشأ مقابلته مرةً أخرى.
أغمضت عينيها وهي تتذكر نظرات رلين إليها عندما ودعتها قبل هروبها.
كانت تجلس تنظر إلى السقف، حتى استمعت إلى صوت فتح الباب. وجهت أنظارها نحوه لا شعوريًا عندما أحست بنصفها الآخر يقترب منها.
جلست رلين على السرير، ثم نظرت إليها بضيق، فخفضت ريليان عينيها إلى الأسفل بأسفٍ كبير.
خاطبتها رلين بهدوء:
- لماذا فعلتِ ذلك يا ريليان**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!