الفصل الثالث والأربعون
**جلست رلين على السرير، ثم نظرت إليها بضيق، فخفضت ريليان عينيها إلى الأسفل بأسفٍ كبير.
خاطبتها رلين بهدوء:
- لماذا فعلتِ ذلك يا ريليان؟
نظرت إليها ريليان، لتجد الأخرى تحدق في الحائط وهي تخاطبها، فتنهدت بهدوء مجيبة:
- لا أعلم يا رلين، لقد أحببت الدين الإسلامي، أشعر براحةٍ كبيرة فيه، ثم إننا بُنيا على خطأٍ كبير، وكنا نتعلم ما علمنا إياه والدانا. لا يوجد دين يجب أن نتبعه إلا دينٌ واحد، وهو الدين الإسلامي.
قاطعتها رلين دون أن تنظر إليها:
- لكن ماذا تسمين الدين المسيحي؟ ألا يوجد لديهم هذا الدين؟
أجابتها بابتسامةٍ صغيرة:
- بلى، يوجد، لكننا نؤمن به وبوجوده، ولا نتبعه، فلا دين يعلو على الدين الإسلامي. فالإسلام هو دين الله، وليس له سواه، وعلينا اتباعه.
ضغطت رلين على يديها بغضبٍ من حديثها، ثم خاطبتها وما زالت تحدق في الحائط:
- ريليان، أنتِ تحبين شخصًا منهم، أليس كذلك؟ لا تنكري، كنت أرى التماع عينيكِ وسعادتكِ، وهذا دليل على الحب، لكنهما كانتا تنطفئان بوجودكِ مع أمبر. لقد سألتكِ من قبل، وأنكرتِ ذلك، أليس هذا صحيحًا؟
تنهدت ريليان وهي تنظر إليها، ثم اقتربت منها بهدوء تريد أن تمسك يدها، لكن رلين ابتعدت عنها دون أن تنظر إليها.
اقتربت منها ريليان مرةً أخرى، وأمسكت يدها، ثم وضعتها على قلبها، وتحدثت بصدق:
- هل تشعرين بدقات قلبي هذه؟ إنها لم تتحرك إلا من أجله يا رلين. حاولت الابتعاد عنه، لكنني لم أنجح في ذلك. لقد تعلقت به دون أن أعرف دينه وطائفته. وعندما عرفت ذلك، ترددت في التعمق في دينه من أجله، لا أنكر ذلك، لكنني بعد ذلك تعلمت، ووجدت راحتي في هذا الدين. هل تذكرين عندما قالت مايا إنني إن أحببت رجلًا من طائفةٍ أخرى، فسوف يتركني أمبر؟ لقد فكرت حينها في تعلم الدين الإسلامي، وكنت مصرةً على الدخول فيه.
ضحكت بخفةٍ وهي تمسح دموعها، ثم قالت:
- رلين... انظري إليَّ أرجوكِ، أشعر أنني لست بخير. ألا يؤلمكِ قلبكِ كما يؤلمني الآن؟ إنني روحكِ وقلبكِ.
سحبت رلين يدها، ثم اعتدلت في جلستها وخاطبتها بسخريةٍ كبيرة:
- لقد توقف قلبي منذ أن علمت بتبديلكِ لديننا، ولم تعد لي أخت إن لم ترجعي إليه.
نظرت إليها ريليان، وقد بدأت دموعها تتسابق على وجنتيها، ثم قالت:
- رلين، لا تقولي ذلك، أقسم لكِ أنني لا أستطيع.
وقفت رلين أمام الباب، ثم خاطبتها وهي تعطيها ظهرها:
- لقد قرر أبي أن يكون زفافكِ غدًا. أردت أن أنبهكِ بذلك لعلكِ تتراجعين، لكن لا فائدة من ذلك. سيكون دور والدي وأمبر في التعامل معكِ بعد الآن.
نظرت إليها ريليان، فألقتها رلين بنظرةٍ حملت كل معاني اللوم والعتاب، ثم أغلقت الباب خلفها دون أن تزيد حرفًا واحدًا.
في تلك اللحظة، انتبهت ريليان أنها لم تسمع صوت المفتاح.
مسحت دموعها بسرعة، ثم سارت نحو الباب بحذرٍ شديد، وهي تدعو الله أن يكون مفتوحًا. انتظرت قليلًا حتى تأكدت من رحيل رلين، ثم فتحته بهدوءٍ تام.
اتسعت ابتسامتها بسعادةٍ حقيقية عندما انفتح الباب معها، لكنها توقفت في مكانها لا تعلم ما الذي عليها فعله.
حسمت أمرها دون تردد، فعليها الهرب من هنا بأسرع وقت.
نظرت إلى منامتها، فوجدتها قصيرةً بعض الشيء، لكنها أدركت أنها لن تستطيع تبديلها، وأن عليها استغلال هذه الفرصة قبل أن تضيع.
سارت على أطراف أصابعها، تتأكد من خلو الطريق، ثم هبطت الدرج برويةٍ تامة، لتقابل ظهر رلين وهي تتحدث مع والدتها.
توجهت نحو المطبخ، باحثةً عن الخادمة، تريد التأكد من أنها ليست في طريقها، ثم أكملت سيرها بحذر عندما وجدتها تطعم التوأم أليتا وألكسندر.
توجهت نحو باب المطبخ المطل على الحديقة، فوجدت بعض المال فوق رخام المطبخ. أخذته دون تردد، ثم فتحت الباب بهدوءٍ شديد، وانطلقت بخطواتٍ تحولت سريعًا إلى ركضٍ خوفًا من أن يتم الإمساك بها، حتى أوقفت سيارة أجرة، وأعطت السائق عنوان منزل سليم.
حركت سارة كتفي ريليان برفق، لتنظر إليها الأخرى مبتسمةً بحزن، ثم خاطبت ابتهال:
- خالتي، سوف يكون الله معي، أليس كذلك؟
أومأت لها ابتهال بتأكيد، ثم اقتربت منها وأمسكت كفيها بين يديها، وقالت بحنان:
- حبيبتي، من كان الله معه فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟ لا تيأسي، ولا تجعلي الشيطان يوسوس لكِ، إن الله معكِ وسينصركِ. دعيني أخبركِ مختصرًا لقصصٍ من الأنبياء الذين توكلوا على الله، ووضعوا ثقتهم به، فلم يخذلهم سبحانه.
تنهدت بهدوء، ثم تابعت:
- انظري إلى سيدنا موسى عليه السلام، عندما كان رضيعًا صغيرًا، لا حول له ولا قوة، وكان صراخه يملأ القصر، ولا يقبل المراضع. كان الجميع منشغلين به؛ آسيا، والمراضع، والحرس، وكل تلك التعقيدات من أجل أن يرد الله قلب أمٍ خلف النهر، مشتاقةٍ إلى ولدها، رحمةً ولطفًا من رب العالمين لها ولابنها.
واسترسلت بصوتٍ مفعمٍ باليقين:
- وفي كبره أيضًا، عندما كان سيدنا موسى يسري ليلًا متجهًا إلى النار يلتمس قبسًا، لم يدر بخلده، وهو يسمع أنفاسه المتعبة، أنه متجه ليسمع كلام رب العالمين. فثقي بربكِ يا حبيبتي، ولا تجعلي اليأس يطرق بابكِ، ولا تتخاذلي عن الثقة بالله.
نظرت إلى ريليان بحنان، ثم أكملت:
- وانظري أيضًا إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، عندما طرح ابنه الوحيد وفلذة كبده، سيدنا إسماعيل، واستل سكينه ليذبحه، وكان إسماعيل يردد: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، وكلاهما لا يعلم أن كبشًا يُربى في الجنة منذ مئات السنين تجهيزًا لتلك اللحظة.
ابتسمت ابتسامةً هادئة، ثم أردفت:
- ولديكِ سيدنا نوح عليه السلام، عندما دعا ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، لم يخطر بباله أن الله سيغرق البشرية كلها لأجله، وأنه سينجيه ومن معه في السفينة.
ثم تابعت بخشوع:
- ولما أطبقت الظلمات على سيدنا يونس عليه السلام، واشتدت به الهموم، نادى ربه: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾.
كانت ريليان تستمع إليها باهتمامٍ بالغ، فأكملت ابتهال:
- ولديكِ أيضًا سيد الخلق، محمد صلى الله عليه وسلم. عندما اشتد عليه الحزن بعد وفاة زوجته وعمه، وضاقت به الدنيا، أكرمه الله بالإسراء والمعراج، فرفعه إليه، وسلاه بلقاء الأنبياء، وخفف عنه برؤية الملائكة. وعندما أراد الله أن يخرج يوسف عليه السلام من السجن، لم يرسل صاعقةً تخلع بابه، ولم يأمر جدرانه أن تتصدع، وإنما أرسل رؤيا تسللت في هدوء الليل إلى قلب الملك وهو نائم.
مسدت على شعرها بحنان، ثم قالت:
- فارفعي كفيكِ يا ريليان، وعلقي قلبكِ بالله، وتضرعي إليه، واخضعي له، واعلمي أن فوق سبع سماوات ربًا حكيمًا كريمًا. عزيزتي، نحن قومٌ إذا ضاقت بنا الأرض اتسعت لنا السماء، فكيف نيأس من ربٍ رحيمٍ كريم؟
ابتسمت ريليان بهدوء، ثم أومأت برأسها، قبل أن تخاطبها بشيءٍ من الخوف بعدما نظرت إلى سارة:
- خالتي، لقد أخبرتني أمي أن أبي لا ينوي خيرًا لي ولا لسارة.
نظرت إليها سارة بقلق، ثم سألتها:
- ماذا تقصدين؟ هل يعرفون هذا المنزل؟
أومأت بتأكيد، ثم أجابت:
- أجل، أمي تعرفه. لقد كانت تتبعني عندما أخرج من المنزل، وكانت تعلم بكِ يا سارة. أنا لم أخبركم بما حدث.
هزت سارة رأسها نفيًا، فقصت عليهم ريليان كل ما حدث، وحديث جوليا الذي أخبرت به جرير.
احتضنتها ابتهال بعدما انتهت، لتتحدث ريليان بصوتٍ مكتوم:
- أنا لا يهمني أحدٌ من عائلتي يا خالتي، كل ما يهمني هو أختي رلين... إنها روحي.
زمت ابتهال شفتيها بيأس، ثم قالت:
- سوف تعود المياه إلى مجاريها يا ريليان، لا تقلقي. اذهبي الآن للنوم، ولا تشغلي بالكِ بشيء.
تنهدت ريليان بضعف، ثم قالت:
- لكن ماذا إن جاء أبي إلى هنا؟ بالتأكيد في الصباح سيعلمون بهروبي، فهم في الليل لا يأتون إليّ.
أجابتها ابتهال بهدوء وهي تعتدل في جلستها:
- سأخبر سليم وقت الفجر، لأنه الآن ربما خلد إلى النوم. لا تقلقي، اذهبي الآن وارتاحي عند سارة، وإن أردتِ فهناك غرفة شاغرة.
نظرت ريليان إلى سارة، ثم قالت بابتسامةٍ خفيفة:
- سوف أذهب مع سارة يا خالتي.
نظرت إليها ابتهال بقلق، ثم سألتها:
- هل تريدين أن تتناولي شيئًا؟ يبدو وجهكِ شاحبًا.
هزت رأسها نافية، ثم نظرت إليها بمحبة وقالت:
- لا، شكرًا لكِ. تصبحين على خير يا خالتي.
بادلتها ابتهال الابتسامة، ثم قالت:
- تجدينه إن شاء الله.
توجهت سارة نحو غرفتها، ثم خاطبتها بسعادة:
- سيكون اليوم جميلًا يا ريليان. تعالي، فأنا أتمنى منذ مدة أن نقضي يومًا معًا. أريد أن أعوض ذلك اليوم الذي أتيتِ فيه ولم أكن موجودة.
ابتسمت لها ريليان رغم نزف جراحها، ثم توجهتا نحو الداخل، وقلبها ممتلئٌ بالثقة بأن الله سيكون معها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!