الفصل المئة واثنان وعشرون
**تعلقت بذراعه كالأطفال، وقالت برجاءٍ لطيف:
- أرجوك يا هُمام... أرجوك، أرجوك، أرجوك.
تنهد بقلة حيلة، وهز رأسه مبتسمًا رغمًا عنه، ثم قال:
- لديّ طفلتان هنا... أعانني الله عليكما.
طبعت سارة قبلةً سريعة على وجنته، فأغمض هُمام عينيه زافرًا باستسلام، ثم قال متذمرًا:
- ابتعدي عني يا سارة، لن تنسيني هذه القبلة نومكِ عندها وترككِ لي البارحة. صدقيني، أنا أعلم من هو الشخص الذي يحتل المرتبة الأولى في هذا الزواج.
أجابته بمللٍ وهي تلوح بيدها:
- هُمام، كفاك حديثًا يا رجل، من سينافسك في زواجك؟ هيا اذهب وأحضر لنا الحلوى، ولا تنسَ غزل البنات من أجلي.
أخذ شهيقًا عميقًا، ثم أخرجه على مهل وهو يبتسم لها بحب:
- هل تريدين شيئًا آخر؟
هزت رأسها نفيًا، ثم قالت برقةٍ أذابت ما تبقى من ضيقه:
- فقط... سلامتك.
التفت إلى أمل التي كانت تنقل بصرها بينهما بفضول، فانحنى يقرص وجنتها وهو يبتسم:
- أغلقي عينيكِ يا فتاة.
رمشت باستغراب، ثم سألت:
- لماذا يا عمي؟
لكزته سارة في ذراعه بخفة، ليزفر بضيقٍ مصطنع، ثم اتجه نحو الباب. وقبل أن يفتحه، التفت إليهما وقال بجديةٍ أثارت ضحكهما:
- سأعود، وسأصنع جدولًا لتقسيم الوقت بيننا، فهذا ليس عدلًا أبدًا.
انفجرت سارة ضاحكة، ثم احتضنت أمل وهي تنظر إليه بتحدٍ طفولي، وأخرجت له لسانها قائلة:
- الوقت الأكبر من نصيبها.
هز هُمام رأسه باستسلام، ثم أغلق الباب خلفه وهو يتمتم بكلماتٍ لم تصل إليهما، بينما بقيت ابتسامته ترافقه رغم غيرته اللطيفة التي لم تستطع أن تخفي مقدار تعلقه بزوجته.
نظرت أمل إلى سارة باستفسار، ثم سألت بخجل:
- هل أزعجناه كثيرًا؟
ابتسمت سارة، لكنها لم تُجب، لتسبقها أمل قائلةً بعد لحظة تفكير:
- يمكنكِ مصالحته بكعكة البرتقال... إنه يحبها كثيرًا.
فرقعت سارة أصبعيها بحماس، وقالت بعينين لامعتين:
- إذًا لنبدأ بها من الآن، لكن... تُرى هل جميع المكونات موجودة؟
رفعت أمل كتفيها بجهل، ثم قالت:
- وما أدراني يا أمي؟ تعالي لننظر.
اعتدلت سارة، وأمسكت بيد أمل، واتجهتا معًا نحو المطبخ، وكلتاهما تتحمسان لتحضير كعكة البرتقال التي يعشقها هُمام، على أمل أن تمحو آخر أثرٍ لغيرته الظريفة، وتُعيد الابتسامة كاملةً إلى وجهه.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
نظرت مايا نحو رلين، وقد علا صوت ضحكاتها في أرجاء المنزل، لتسألها بتعجب:
- ما بكِ يا رلين؟ هل تشاهدين فيلمًا مضحكًا؟
التفتت إليها رلين وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة، ثم أجابتها بخفة:
- لا، فقط أتحدث مع ديفيد، هل تريدين شيئًا؟
أجابتها مايا بتفهمٍ ولطف:
- آه، أوصلي سلامي له، وخفضي صوتكِ قليلًا، أريد أن أذاكر.
رمقتها رلين بضيق، ثم قالت بتذمر:
- لديكِ البيت بطوله، هل أعجبكِ هذا المكان تحديدًا؟ اذهبي إلى مكانٍ آخر يا مايا.
زفرت مايا بضيق، ثم اتجهت نحو جوليا التي كانت تجلس باسمةً على غير عادتها، فسألتها باستفسار:
- ما سر هذه الابتسامة؟
انتبهت إليها جوليا بتوتر، ثم همست بخفوت:
- تحفظين السر، أليس كذلك؟
أومأت مايا بحماس، فاقتربت منها جوليا أكثر، وقالت بصوتٍ امتزجت فيه السعادة بالشوق:
- ريليان حامل.
اتسعت عينا مايا بذهول، وابتعدت عنها خطوةً وهي تقول بصدمة:
- ماذا؟! كيف علمتِ يا أمي؟
ابتسمت جوليا وهي تضم هاتفها بين يديها كأنه يحمل إليها قطعةً من ابنتها، ثم قالت:
- سأخبركِ لاحقًا يا مايا.
خفضت مايا صوتها أكثر، وسألت بفضول:
- هل تحادثينها يا أمي؟
هزت جوليا رأسها نفيًا، ثم أجابت بلطف:
- ليس الأمر كذلك، اذهبي الآن وذاكري، وأعدكِ أن أخبركِ بكل شيء.
ابتعدت مايا بسعادة، وفي تلك اللحظة تقدم جرير وهو يحمل ألكسندر على كتفيه وأليتا بين ذراعيه، ثم جلس بجانب جوليا متظاهرًا بالإرهاق، وقال:
- لقد قضى عليّ طفلاكِ هذان، لم أعد أحتمل.
ابتسمت له جوليا، لكن عقلها كان بعيدًا، يتخيل طفل ريليان القادم بين ذراعي جرير كما يحمل الآن أطفاله، فشعرت بدفءٍ غريبٍ يجتاح قلبها، ثم سألته بهدوء:
- هل حددت موعدًا مع ديفيد؟
نظر نحو رلين، ثم أطلق تنهيدةً طويلة وقال بثقل:
- ليس بعد. بصراحة، بعدما أخبرني بما يريد، ومع تصرفاتها الأخيرة، وافقت على طلبه، لكنني ما زلت مترددًا يا جوليا. لا أعلم ما الذي تخبئه لنا الأيام، وأيضًا تلك... لا أعرف ماذا عليّ أن أفعل بشأنها، لا أستطيع أن أعود للتعامل معها كما كنت، صدقيني.
ربتت جوليا على كتفه برفق، ثم قالت بمكرٍ لطيف وهي تراقب ملامحه:
- ربما لو أصبح لديها طفل... سيتغير موقفك.
تنهد جرير، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ هادئة افتقدتها منذ زمن، ثم قال بصوتٍ صادق:
- الطفل لا ذنب له يا جوليا، وسيكون حفيدي، ولن أخلط بينه وبين ما فعلته هي، وربما أعلمه تعاليم ديننا.
ابتسمت جوليا بسخريةٍ خفيفة وقالت:
- وهل سيترك لك سليم طفله لتفعل ذلك يا جرير؟ أنت تحلم حقًا.
زفر بضيق، ثم قال بنبرةٍ بدأ الغضب يتسلل إليها:
- أغلقي هذا الموضوع يا جوليا، لقد بدأت أغضب. أنا أحمد الرب أنني أصبحت أتعامل مع الأمر بصورةٍ طبيعية نوعًا ما، لكن ذلك لا يعني أنني سامحتها أو نسيت ما فعلته.
أومأت له بتفهم، بينما كانت تدعو الله في سرها أن يلين قلبه يومًا ما، ثم أنزلت بصرها إلى هاتفها، تتفقد شاشته بين الحين والآخر، تنتظر مكالمة ريليان بفارغ الصبر، وكأن دقائق الانتظار أصبحت أثقل من أن تُحتمل بعد أن عاد الأمل يتسلل إلى قلبها من جديد.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
تقدمت سارة نحو هُمام الذي كان يشاهد مباراةً لكرة القدم، وخاطبته بهدوء:
- هُمام، هلّا أتيت قليلًا؟
نظر إليها بطرف عينه، ثم أكمل مشاهدة المباراة مجيبًا:
- لا تتحدثي معي، وابتعدي، دعيني أشاهد.
أمسكت بيده مجبرةً إياه على الاعتدال، ليسير معها بصمتٍ بعدما ترك جهاز التحكم.
دلفت سارة إلى غرفة أمل، ثم خاطبتها بهدوء:
- تعالي يا أمل.
تركت أمل كراسة التلوين، وتوجهت نحو الخارج معهما.
جلست سارة على الأريكة، ثم خاطبتهما بجديةٍ وحزم:
- انظرا إليّ، سوف نقوم بصنع جدولٍ لتنظيم الوقت، هل هذا يريحكما؟
زفر هُمام بهدوء، ثم أجابها:
- لا أريد يا سارة، لستُ طفلًا ليتم تحديد وقتي، أنتِ ملكي وقتما أشاء.
نظرت إليه أمل بجهالةٍ وعدم فهم، ثم سألته بطفولية:
- ماذا تعني يا عمي؟
ابتسم في وجهها، ثم تحدث بلطف:
- أقصد أنني لا أريد هذا التقسيم والتحديد، سوف نكون أسرةً واحدة.
ثم أكمل مازحًا:
- وسأعتبركِ ابنتي، ماذا سأفعل؟
تحدثت بحزنٍ وصدمة:
- ستعتبرني؟! أي أنك لا تعتبرني كذلك من قبل؟
أشار إلى قدميه، فتوجهت نحوه وجلست فوقهما.
احتضنها، ثم تحدث بعدما أطلق تنهيدةً مثقلة:
- أنتِ ابنتي منذ زمنٍ يا أمل، وأنا لن أتخلى عنكِ أبدًا، وما قلته قبل قليل كان مجرد مزاح، لكنكِ لم تلاحظي ذلك.
احتضنته بحب، ثم أجابته بغصة:
- أنا أعتذر يا عمي، لقد شرحت لي أمي أنه لا يجوز أن آخذها طوال اليوم؛ لأنك زوجها أولًا، ثم إن لديها دراسة، لذلك صنعنا لك شيئًا جميلًا منذ الصباح، وبالمناسبة شكرًا لإحضارك الفانوس، إنه جميلٌ جدًا.
قبّل وجنتيها بحب، فابتعدت عنه بضيقٍ وهي تقول:
- عمي... لحيتك تؤذيني، لقد قلت لك أزلها.
أسرعت سارة بالحديث:
- أقتلك حينها يا هُمام، لا تزلها.
ثم أكملت ببعض الخجل:
- فماء الوضوء حين يقطر من لحيتك يزيدك جمالًا وبهاءً، ثم إنها تُتم رجولتك.
تنهد بقوةٍ كبيرة، ثم نظر نحو أمل متسائلًا، فهو لا يريد أن ينظر إلى سارة حتى لا يضعف أمامها بوجود أمل:
- حسنًا، أخبراني ما الذي صنعتماه لي؟
همست في أذنه، فاتسعت ابتسامته بعدم تصديق، ثم قال:
- حقًا؟!
أومأت له بتأكيد، فنظر نحو سارة التي أكدت له بابتسامة، ثم تحدثت:
- لقد خبأناها حتى لا تراها قبل أن ننتهي من موضوعنا، وبما أننا انتهينا، يمكننا إحضارها لنتناولها.
ابتسم لها شاكرًا.
هبطت أمل من فوق قدميه، ثم توجهت نحو المطبخ.
اقترب هُمام من سارة بسرعة، ووضع قبلةً قوية على وجنتها، مما جعل حمرة الخجل تتملكها.
ابتعد عنها بحب، ثم قال:
- شكرًا لكِ يا حبيبتي.
نظرت إليه بهدوء، ليتيه في مجرتي عينيها وكواكبهما اللامعة.
ثم قالت بابتسامة:
- هيّا، تعال لنتناولها قبل أن تلتهمها أمل كاملة.
أمسك بيدها، وتوجها نحو أمل التي كانت قد أحضرت الكعكة ووضعتها على الطاولة، تستقبلهما بابتسامةٍ رقيقة.
اتجهت سارة نحو المطبخ لتحضر بعض الأطباق، ثم خرجت بها، بينما كانت أنظار هُمام تتأملها بعشقٍ كبير.
««::::::::::::-:::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!