الفصل المئة وسبعة وثلاثون
**
جلس جرير، وبين يديه كوبٌ من القهوة الساخنة، يرتشف منه بشرودٍ عميق، وكأن أفكاره كانت أثقل من أن يسمح لها بالهدوء.
تقدمت منه جوليا، وعلى وجهها ابتسامة امتنانٍ صادقة، وجلست إلى جواره قائلة بلطف:
- شكرًا لك يا جرير.
نقل بصره إليها، ثم وضع كوب القهوة على الطاولة التي بجواره، وأطلق زفرةً طويلة قبل أن يقول:
- لقد فعلت ما بوسعي يا جوليا، وهذا ليس من أجله ولا من أجلها، بل من أجل حفيدتَيَّ.
زفرت بهدوء، ثم سألته باستغراب:
- أخبرني... كيف وافق؟
تنهد بقوة قبل أن يجيبها:
- لا يهم كيف وافق أمبر، ولا لماذا وافق. صحيحٌ أنه عاند في البداية، لكنني أعرف نقطة ضعفه جيدًا، لذلك سحب شكواه مقابل ضمان عدم تعرضه للمساءلة القانونية، لأن ما كان ينوي فعله يُعاقب عليه القانون.
أومأت بتفهم، ثم سألته مرةً أخرى:
- وما موقفه الآن؟
فهم ما تقصده، فأجابها وهو يزفر بضيق:
- جلست مع محاميه، وأخبرته بشرط الحكومة الكاثوليكية، وهو أن يتوقف عن دعواه ومحاضراته وينهي كل ما يتعلق بها، لكنه... أحمق. رفض بكل غباء. لو وافق على شرطهم، لخرج من السجن وعاد إلى حياته السابقة.
تنهدت بحزن لما آلت إليه الأمور، ثم رفعت بصرها نحو رلين التي اقتربت منهم، وسألت بهدوء:
- ما آخر الأخبار يا أبي؟
أجابها بضيقٍ امتزج بالغضب:
- القرار بيده... إما أن يقبل ويخرج ليواصل حياته بكرامة، وإما أن يرفض ويتعفن خلف قضبان السجن.
اعتدل في جلسته، والتقط مفاتيحه، ثم خاطب جوليا:
- سأذهب الآن إلى الكنيسة، لا تنتظروني على طعام الغداء، فلدي موعد بعد ذلك.
جلست مايا بجوار جوليا، ثم سألتها بفضول:
- أمي، ما قصة تلك الفتاة التي ذهبت إلى ريليان؟
ثم التفتت إلى جرير، وسألته بقلق:
- وهل قصة القنبلة صحيحة يا أبي؟
أخرج نفسًا عميقًا، ثم أجاب بهدوء:
- أجل، إنها صحيحة. لقد صدقت. في البداية اتفق أمبر مع أحد الأشخاص هناك على طعنه، لكنه تردد، فلجأ بكل غباء إلى فكرة القنبلة. لكنني جعلته يتراجع بعدما علم بالعقوبة التي ستلحق به إذا وشى شريكه بكل شيء.
نظر إلى ساعة يده، ثم قال على عجل وهو يتجه نحو الباب:
- سأغادر الآن... في حفظ الرب.
وقبل أن يغلق الباب، عاد برأسه إلى الداخل، وخاطب رلين:
- لقد استأذنني ديفيد للمجيء، وسمحت له بذلك، لكن لا أريد أي خروج من المنزل.
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خفية؛ فمنذ أسابيع طويلة كان جرير يرفض حتى مجرد السماح لها برؤيته.
خاطبتها جوليا بهدوء:
- ستتقدمين للاختبارات يا رلين.
قلبت عينيها بمللٍ شديد، ثم أجابت وهي تعتدل في جلستها:
- لم أذهب لاختبارات الدور الأول حتى أذهب إلى الدور الثاني. لا أريد ذلك... أنتِ تعلمين جيدًا ما الذي مررت به.
تحدثت جوليا بنبرةٍ لا تحتمل النقاش:
- رلين، ستذهبين إلى الاختبارات. لقد أنهت ريليان اختباراتها رغم حملها، وتعبها، وغياب زوجها عنها، وستلتحق بالجامعة بعد ظهور النتائج. لا أريدك أن تتأخري عنها.
أخذت رلين نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها بضيق، ثم زفرت وهي تفتحهما من جديد قائلة باستسلام:
- حسنًا يا جوليا... سأفعل. هل تريدين شيئًا آخر؟
هزت رأسها نافية، وابتسمت لها بحنان:
- لا أريد شيئًا آخر، يا حبيبتي. هيا، اذهبي واستعدي.
أومأت لها بهدوء، ثم اتجهت نحو الطابق العلوي، بينما كان رأسها يعج بآلاف الأفكار التي تتزاحم بلا رحمة، حتى كادت تثقل أنفاسها.
««::::::::::::-::::::::::::»»
دلف همام إلى المنزل بملامحٍ مبهمة، وكأن الحياة انسحبت من وجهه، ليجد ابتهال تتحدث مع هاشم عبر الهاتف، بعدما عادت علاقتهما كما كانت.
حاول أن يرسم ابتسامةً صغيرة على شفتيه، لكنها ماتت قبل أن تولد، ها هي التحاليل تؤكد مخاوفه... الورم لم يتوقف، بل ازداد انتشارًا، ووصل إلى الدماغ.
شعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه، وأن كل ما بناه من أحلام بدأ ينهار أمام عينيه، لكنه ابتلع وجعه بصعوبة، وأخفى انهياره خلف قناعٍ بارد اعتاد الجميع رؤيته.
خاطبته ابتهال بهدوءٍ حذر:
- حمدًا لله على سلامتك يا بني.
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها داخل قلبه، ثم تقدم منها ووضع المشتريات التي بين يديه على الأرض بجوارها، وانحنى يقبل رأسها باحترامٍ جم وهو يقول بصوتٍ خافت:
- تفضلي يا أمي... هذه هي الطلبات التي أردتِها.
رمقته بنظراتٍ متفحصة، لكنها آثرت الصمت، الأمر الذي جعل الريبة تتسلل إلى قلبه أكثر، أغلقت الهاتف مع هاشم، ثم سألته بهدوءٍ امتزج بالشك:
- أخبرني يا همام... ما بك؟
جف حلقه حتى شعر وكأنه يبتلع الرمال، وحاول أن يرسم ابتسامةً مطمئنة، لكنها خرجت باهتة ومنكسرة.
قال بصوتٍ هادئ، يخفي خلفه عاصفةً لا تهدأ:
- لا شيء يا أمي.
تنهدت بثقل، وهي تحدق في وجهه طويلًا، ثم قالت بجديةٍ غلب عليها القلق:
- همام... أنت لست بخير منذ ذلك اليوم الذي سقطت فيه مغشيًا عليك هنا. انظر إلى وجهك... لقد شحب لونك، ونقص وزنك، وفقدت شهيتك. ألا ترى نفسك؟ أخبرني... هل تعاني من شيء يا بني؟
أغمض عينيه بقوة، وابتلع الغصة التي كادت تخنقه، كان يتمنى أن يرتمي بين ذراعيها كطفلٍ صغير ويخبرها بكل شيء، لكنه لم يستطع.
فتح عينيه بعد لحظات، وقال متصنعًا الثبات:
- أنا بخير يا أمي... مجرد متاعب العمل، أنتِ تعرفين ماذا تعني حياة رجل الأعمال... إنها مرهقة جدًا. لكنها فترة، وستمر بإذن الله.
لكن نظراتها لم تقتنع بكلمةٍ واحدة، هرب بعينيه بعيدًا عنها، خوفًا من أن ترى الدموع التي أخذت تتجمع داخله، ثم قال بأدب:
- سأذهب لأرتاح قليلًا... بعد إذنك يا أمي.
غادر المكان بخطواتٍ مثقلة، تاركًا خلفه قلبًا أيقن أن ظنونه كانت في محلها.
وفي تلك اللحظة، هبطت سارة من الطابق العلوي، بعدما كانت تجلس مع أمل وخديجة ترتبان ثياب الطفلتين داخل الخزانة.
كانت تبتسم لهما بمحبة، فالثياب التي ترتبانها الآن هي نفسها التي اختارها سليم عبر الإنترنت، بمساعدة همام حين كان يزوره.
نظرت إلى ابتهال باستغراب، وسألت:
- هل جاء همام... أم خُيّل إليّ ذلك؟
رفعت ابتهال رأسها إليها، وقلبها يعتصره القلق، ثم أجابت بصوتٍ مثقل:
- أجل... دخل إلى غرفتك ليرتاح. اذهبي واطمئني عليه، أما أنا فسأعد طعام الغداء، وإن أردتِ مساعدتي فالْحقي بي.
أومأت سارة برأسها، لكن القلق كان قد بدأ يزحف إلى قلبها، فتوجهت مباشرة نحو غرفتها.
وقفت أمام الباب، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم طرقت طرقًا خفيفًا، قبل أن تفتحه ببطء.
في الداخل! كان همام يمسح دموعه بسرعةٍ بعدما خانته وانسابت على وجنتيه، ما إن رأته حتى أسرعت نحوه، وقلبها يرتجف خوفًا، وقالت بقلقٍ شديد:
- ما بك همام، هل انت بخير؟
أبعد يدها عنه، ثم اعتدل في وقفته، وأجابها ببرودٍ تعمد أن يغلف به صوته، رغم أن قلبه كان يتمزق مع كل حرف:
- كم مرةً قلت لكِ إنني بخير؟ ثم إنه... لا شأن لكِ.
توقفت للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا حتى لا تبكي أمامه، منذ عدة أيام، وهو يعاملها ببرودٍ وقسوة لا تعرف لهما سببًا، وكلما حاولت الاقتراب منه، دفعها بعيدًا عنه أكثر
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!