الفصل الخامس والعشرون
بعد مرور أسبوعٍ كامل، مضت الأيام على الجميع، لكنها لم تكن متشابهة أبدًا؛ فلكل قلبٍ حكايته، ولكل روحٍ صراعها الخاص.
أما ريليان، فقد أصبحت تقصد المسجد كل يومٍ بشوقٍ لا تستطيع تفسيره. كانت تجلس في الدروس الدينية منصتةً بكل جوارحها، وكأنها تخشى أن يفوتها حرفٌ واحد. وكلما تعلمت أمرًا جديدًا، شعرت بأن شيئًا في داخلها يهدأ، وأن الضباب الذي كان يملأ قلبها بدأ ينقشع شيئًا فشيئًا.
وأكثر ما كان يطمئنها أنها كلما طرحت على سليم سؤالًا دقيقًا، وجدت عنده جوابًا يزيد يقينها، ويقربها أكثر من الإسلام. وفي منزلها، كانت تخفي كل ذلك خلف تصرفاتها المعتادة، تعامل أمبر بلطف، وتتظاهر بأن حياتها تسير كما كانت، حتى لا تشعر عائلتها بشيء.
أما سارة، فقد أصبحت تعيش على أملٍ واحد؛ أن ترى ريليان وقد وجدت الطريق الذي تبحث عنه. كانت ترافقها إلى المسجد يوميًا، وتجيب عن أسئلتها ما استطاعت، وتسأل أهل العلم عما تعجز عنه، وكلما رأت بريق الاقتناع يزداد في عينيها، امتلأ قلبها سعادةً وحمدت الله سرًا.
أما هاشم وسمر، فقد زارا ابتهال كما وعداها، لكنهما تعمدا ألا يفتحا باب الحديث عن زواج سليم وسمر، وكأن كليهما آثر تأجيل ذلك الحديث إلى وقتٍ آخر.
وازداد تعلق ابتهال بريليان يومًا بعد يوم. كانت ترى في عينيها شغفًا صادقًا، وفضولًا لا ينقطع لمعرفة الحق، فكانت تستقبل كل سؤالٍ منها بابتسامةٍ حانية، ولا تبخل عليها بأي علمٍ تعرفه، داعيةً الله في كل ليلة أن يشرح صدرها للإسلام.
أما سليم، فقد ألزم نفسه ألا يشغل قلبه أو فكره بريليان، وتجنب الاحتكاك بها كلما استطاع، مكتفيًا بالإجابة عن أسئلتها حين تستدعي الحاجة. ومع ذلك، شاء الله أن يكون أكثر من يعلّمها، حتى أصبح صاحب النصيب الأكبر في رحلتها نحو معرفة الإسلام، دون أن يسعى إلى ذلك.
وأما ريم، فقد بقيت حياتها كما هي؛ روتينٌ ممل يتكرر كل يوم، لا جديد فيه سوى أن إبراهيم توقف عن مضايقتها، لتعيش أخيرًا بعض الهدوء الذي افتقدته طويلًا.
وها هي تجلس عند والدة زوجها، ليأتيها اتصالٌ من إبراهيم، فتجيبه متنهدةً بضيقٍ أخفته:
- تفضل، إبراهيم.
أجابها آمرًا على عجل متوجهًا نحو السيارة فاتحًا بابها:
- اذهبي إلى البيت، وأعدي طعام الغداء، فلقد نفدت الأموال التي بحوزتي، إننا قادمان، لا تتأخري.
نظرت إلى الهاتف الذي أغلقه، لتزفر بضيق، متوجهةً نحو الداخل تبدل ثيابها، وتجهز أطفالها، بعد مدة كانت قد وصلت إلى المنزل، وأعدت طعام الغداء كما طلب منها.
دلف إبراهيم وبيده عدة حقائب مختلفة الأحجام والأشكال، جلسوا يتناولون الطعام بعدما غسلوا أيديهم، وهم يتحدثون عن السفر وأين ذهبا وماذا فعلا، كل هذا وريم لم تتفوه بأي حرف، لتتوجه نحو غرفتها بعدما استأذنت منهم بهدوء.
نظرت إلى أبنائها الذين لحقوا بها، لتبتسم لهم بحبٍ وحنان، انشغلت معهم، لتنظر إلى إبراهيم الذي جاء إليها، لتجده قد أبدل ثيابه، ويبدو أنه أخذ حمامًا لينعش نفسه.
جلس بجانبها، وهو يخرج ميداليةً مكتوبًا عليها عدة كلمات ثم أعطاها إياها، متحدثًا بهدوء:
- منذ أن وقعت عيناي عليها، قلت هذه ريم.
نظرت إليه ريم ببعض السعادة، وأخيرًا تذكرها بشيء. أخذت الميدالية منه، لتقرأ الكلمات المكتوبة بصوتٍ مرتفعٍ نسبيًا:
- غافلٌ وساكن، لكن بالأصل شيطانٌ ماكر.
نظرت إليه بصدمةٍ كبيرة ضاغطة على الميدالية بقوة:
- هل هذه لي...؟
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
ترجل سليم من السيارة، لترجل سارة وريليان من المقعد الخلفي، نظر سليم إلى شقيقته متحاشيًا ريليان، متسائلًا:
- هل معكما البطاقات سارة؟!
أومأت سارة بتأكيد، وهي تُظهرها أمامه:
- أجل، لقد أحضرناها.
هز رأسه بخفة، ليتوجهوا نحو الداخل، ويحتلوا مقاعدهم بعدما دلفوا إلى القاعة الممتلئة، كان منظم الندوة يقف منتظرًا أن تهدأ الأصوات الصادرة، ليبدأ بالترحيب بهم كالمعتاد بمجرد رؤيته سليم:
- حينما تدق الأجراس، تنشد الأطيار لحن الخلود، فذاك حرفٌ بحضوركم قد اكتمل، وأزهرت معانيه، واكتست أجمل الحلل، وتعانق النرجس والزنبق ترحيبًا بمن طَلَّ.
- فأهلًا ثم أهلًا، لقد اشتعلت الشموع بحضوركم، وغردت طيور الفرح، وتفتحت زهور الود والإخاء فرحًا بمشاركتكم معنا، واجتمعت كل القلوب، وأعلنت لكم التهنئة، ولكم مني أجمل الحب، وعلى الحب نحب كل محب.
- ومن جميل النثر أروعه بين مدٍّ وجزر، وفي أمواج البحر نخوض غمار الكلمة، فتجرفنا سفينة الورقة، تجدفها أقلامنا، لتحل قواربكم في مرسانا، فنصل معًا نحو شواطئ الإيمان والإسلام.
نظر الى سليم الذي كلن قد جلس في مقعده خلف الطاولة مكملًا ترحابه:
- فأهلًا بالدكتور سليم محمد، حبيبنا وحبيبكم، وأهلًا بكم، إخوتي وأخواتي.
نظر بعد ذلك إلى سليم، مخاطبًا إياه بتساؤل خفي:
- هل أنت مستعد، دكتور سليم؟
أومأ له سليم بتأكيد، ليلتفت الآخر متحدثًا إليهم:
- حسنًا، من لديه سؤال، فالدكتور سليم جاهز للإجابة.
وقف رجل في بداية الأربعين من عمره، بعدما سمح له بالسؤال، ليمسك مكبر الصوت، وهو يسأل سليم بحيرة:
- اسمي سارونا كومار، أنا هندوسي، أعمل موظفًا في الطيران، وأريد أن أتساءل عن شيء، وهو أن القرآن يقول إن الله موجود في كل مكان وزمان، وآخرون يقولون إن الله موجود في كل مكان ويشهد كل شيء، ويقول أحدهم إن الله بداخل أرواحنا حتى، فإن كان الله موجودًا في كل شيء، فهذا يعني: لماذا لا نعبد التماثيل؟ أليس الله بداخلها أيضًا؟ وإن لم يكن كذلك، فأين يوجد الله بالتحديد؟
ليتابع باحترام، مترجيًا:
- من فضلك أجب، وشكرًا لك.
أخذ سليم نفسًا عميقًا، ليبتسم مجيبًا إياه وقد وقف من مكانه:
- أولًا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الأخ سأل سؤالًا جيدًا جدًا، وهو أن القرآن الكريم ذكر أن الله موجود في كل مكان، لذا فالمسلمون يؤمنون بوجود الله في كل مكان، وكذلك الهندوس، إذًا ما الضرر من عبادة الأوثان؟ فالله موجود بداخل الأصنام وبداخل الإنسان، إذًا ما الضرر من عبادة الأوثان؟
نظر إلى سارونا، مخاطبًا إياه بتريثٍ وتعقل، محاولًا إيصال حديثه إليه:
- أخي، ليس مذكورًا في القرآن أن الله موجود في كل مكان، وأنا على دراية بأن هناك فهمًا خاطئًا عند كثيرٍ من المسلمين بأن الله موجود في كل مكان، وهذا لم يُذكر في أي موضعٍ من القرآن.
ما يقوله القرآن هو أن قدرة الله هي الموجودة في كل مكان. لديك الآية (115) من سورة البقرة:
{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}. ووجه الله هنا يعني قدرة الله سبحانه وتعالى، فالله قادر على التحكم في أي شيءٍ وفي أي مكان، لكن عبارة: "إنه موجود في كل مكان" ليست موجودةً في القرآن الكريم، ولا في أي حديثٍ نبوي شريف.
وكما أخبرتك، فأنا على درايةٍ بأن هناك فهمًا خاطئًا عند بعض المسلمين الذين يؤمنون بذلك، أما هذا فلم يُذكر في أي مكان، وإنما قدرته هي التي في كل مكان.
تابع سليم بعدما توقف قليلًا ناظرًا اليه مباشرة:
- الآن السؤال: أين يوجد الله إذًا؟ ولماذا لا نعبد الأصنام؟
سأجيبك أولًا عن سؤال: أين يوجد الله؟
قال جل وعلا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5).
وقال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} (الأعراف: 54).
فهو سبحانه وتعالى فوق العرش، في جهة العلو، فوق جميع الخلق، عند جميع أهل العلم من أهل السنة. وقد أجمع أهل السنة والجماعة، رحمهم الله، على أن الله في السماء، فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، وهذا هو المنقول عن رسول الله ﷺ، وعن أصحابه رضي الله عنهم، وعن أتباعهم بإحسان.
توقف قليلًا معطيًا الجميع وقتًا لفهم واستيعاب ما قاله، صم أكمل بنفس الوتيرة:
- كما أنه موجود في كتاب الله القرآن، وقد سأل النبي ﷺ جاريةً جاء بها سيدها ليعتقها، فقال لها:
- أين الله؟
فقالت:
- في السماء.
قال:
- من أنا؟
قالت:
- أنت رسول الله.
قال:
- أعتقها فإنها مؤمنة.
فالرسول ﷺ أقر هذه الجارية على هذا الجواب الذي قلته أنت.
- قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
وما ذاك إلا لأن إيمانها بأن الله في السماء يدل على إخلاصها لله، وتوحيدها له، وأنها مؤمنة به سبحانه، وبعلوه فوق جميع خلقه، وبرسوله محمد ﷺ، حيث قالت: أنت رسول الله.
تابع مسترسلًا حديثه:
- أما قوله جل وعلا:
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (البقرة: 255).
فهذا لا ينافي ذلك؛ فالكرسي فوق السماوات، والعرش فوق الكرسي، والله فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى.
وتحديد الجهة لا مانع منه، وهي جهة العلو؛ لأن الله في العلو، وإنما يشغب بهذا بعض المتكلمين وبعض المبتدعة، ويقولون ليس في جهة.
وهذا الكلام فيه تفصيل؛ فإن أرادوا أنه ليس في جهةٍ مخلوقة، وأنه ليس داخل السماوات، وليس داخل الأرض ونحو ذلك، فهذا صحيح.
لذا، فالله موجود على العرش، والعرش على الماء، فوق السماوات السبع، لذا فهو ليس داخل الإنسان، ولكنه يستطيع التحكم بك.
ويقول جل جلاله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق: 16).
خاطب سارونا يشكل مباشر وقد اولاه كامل حديثه:
- وهذا يا أخي يعني أن الله يعلم كل شيءٍ عنك، وأن قدرته قريبةٌ منك، ولكن هذا لا يعني حرفيًا أن الله داخل حبل الوريد، بل يعني أن الله قادر، وأنه قريبٌ بعلمه وإحاطته، فهو يعلم كل شيء، وقدرته تصل إلى كل شيء، حتى ورقة الشجرة لا يمكن أن تسقط إلا بإذنه.
لقوله تعالى:
{وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} (الأنعام: 59).
جلس في مكانه ثم شبك أصابع يديه معًا ليكمل:
- الآن نأتي إلى سؤالك: لماذا لا نعبد الأصنام؟
ووفقًا للقرآن الكريم، يقول الله تعالى في سورة المائدة إن عبادة الأصنام محرمة:
{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90).
ونفس الشيء، إذا قرأت البهاغافاد غيتا، فإنه مذكور في كتابكم المقدس.
ليخاطبه سليم آمرًا إياه بلطف وقد ظهر على الشاشة التي خلفه بعض النصوص:
- اكتب لديك، أخي، الجزء (7)، الآية (20):
"كل الذين تم سرقة ذكائهم بالرغبات المادية يعبدون أنصاف آلهة."
فعبادة الأصنام محرمة، لذا فالناس الماديون يعبدون الأصنام.
استوقف سارونا سليم قليلًا ليتمكن من كتابة المصادر التي يذكرها بالقلم، ليكمل سليم بالأسلوب ذاته:
- وإذا قرأت أيضًا كتابكم المقدس "تشاندوغيا أوبانشاد"، الجزء (6)، القسم (2)، الآية (1)، يقول:
"الله واحد لا ثاني له."
ومذكور أيضًا في "شفيتاشفاترا أوبنشاد"، الجزء (6)، الآية (9):
"ليس له آلهة، وليس له أبوان."
فليس لله أبوان، ولا أبناء، ولا رب، فهو الأعلى.
ومذكور أيضًا في "شفيتاشفاترا أوبنشاد"، الجزء (6)، الآية (9):
"لا يوجد له مثيل."
وتم تكرار ذلك في "يجرفيد"، الجزء (32)، الآية (3):
"لا يوجد له صور."
نظر إليه سليم وقد عاد للوقوف رافعًا حاجبيه مؤكدًا:
- لذا، فعبادة الأصنام محرمة أيضًا في الهندوسية، وفي اللحظة التي تجعل فيها صورةً أو تمثالًا لله، فإنك تخالف الكتب المقدسة الهندوسية، وجميع الكتب الهندوسية تحذر من اتخاذ أصنامٍ أو صورٍ لله.
ولمزيدٍ من التفاصيل، يمكنك الحضور بعد أسبوع للاستماع إلى محاضرتي: "التشابه بين الإسلام والهندوسية".
ليتساءل سليم ويجيب في الوقت نفسه:
- إذًا، لماذا يعبدون الأصنام؟
لأن علماء الهندوسية لديهم منطقٌ خاص، سأقوم بالرد عليه بالتفصيل في المحاضرة التي أشرت إليها، أتمنى أن أكون قد أجبت على سؤالك.
أومأ سارونا متفهمًا، ليسأله بتردد:
- سؤالٌ آخر... من هو الله؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!