الفصل التاسع والعشرون
****نظرت ريم إلى إبراهيم بصدمةٍ حقيقية:
- هل هذه لي؟
ضحك إبراهيم بقوة، ليعتدل واقفًا من جانبها متوجهًا نحو باب الغرفة دون أن يجيبها، ألقى عليها نظرةً لم تفهمها، قبل أن يخرج مخاطبًا سما:
- سما، لا تتأخري.
وجهت ريم أنظارها إلى سما، التي حركت رأسها بيأس:
- أقسم لكِ، ريم، لقد أخبرته أنكِ ستغضبين وتتألمين، ولكنه أخبرني أنكِ لن تفعلي ذلك أبدًا؛ لأنه يعرف حقيقتك.
أغمضت ريم عينيها، لتتنهد بيأس، ثم فتحتهما بهدوء:
- لا عليكِ، سما، حمدًا لله على سلامتكم أولًا، ثانيًا، هيا اذهبي إليه كما طلب، ولا تتأخري، وأنا سوف أخلد للنوم؛ لأنني مرهقة.
وضعت ريم رأسها على الوسادة بعدما غادرت سما، لتبتسم لطفليها اللذين جاءا بجانبها مهرولين.
بعد مدةٍ، نظرت إليهما لتجدهما يغطان في نومٍ عميق، فأغمضت عينيها في محاولةٍ منها للنوم، ولكن بلا فائدة، فهي تفكر في تلك الهدية التي، ولأول مرة، يهديها إبراهيم شيئًا، أو يتذكرها بشيءٍ في سفرٍ له، ويا ليته لم يتذكرها كعادته.
في صباح اليوم التالي، استيقظت كعادتها لتقوم بإيصال أبنائها إلى باص المدرسة، ثم ودعتهم بقلبٍ مشتاق، لتعود أدراجها نحو المنزل.
دلفت المنزل لتجد إبراهيم وسما يتناولان وجبة الإفطار، لينظر إبراهيم إلى سما متحدثًا بحب:
- أريدكِ أن تتناولي طعامكِ لتتغذي جيدًا، هيا تناولي إفطاركِ كاملًا.
ابتسمت له سما، ثم نظرت إلى ريم تخاطبها برقة:
- هيا، ريم، لتتناولي الإفطار معنا.
نظرت لها ريم مبتسمةً بانكسار:
- لا أريد، فلستُ جائعة.
قالت جملتها الأخيرة، لتتركهما متوجهةً نحو غرفتها، ظلت جالسةً بها إلى أن استمعت إلى صوت إغلاق باب المنزل، وهذا دليلٌ على خروج إبراهيم إلى عمله.
تنهدت ريم، وأغمضت عينيها، حتى شعرت بباب غرفتها يُفتح، لتتفاجأ بدلوف سما إليها بخطواتٍ خفيفة.
جلست سما بجانبها، ثم نظرت إليها باستفسار:
- لماذا لم تتناولي معنا الإفطار؟ فإبراهيم يهتم بتلك الوجبة من أجلكِ أكثر من أي شيء.
ابتسمت ريم بسخرية لتجيبها:
- صدقيني، هو يهتم بها لنفسه أو لكِ، وليس لي أبدًا. أتعلمين أنه لم يتصل بي يومًا ليسأل إن كنتُ قد تناولت طعامي أم لا، كما يفعل معكِ؟ إنه لا يهتم لأمري، سما، فهل سيهتم بهذه الوجبة من أجلي؟
نظرت سما إلى ريم لتتحدث بحسرة:
- أتعلمين، ريم، أنني في بداية علاقتي مع إبراهيم لم أكن أعلم أنه متزوج؟ وعندما علمت، كنت قد أحببته بشدة، ولكني أقسم أنني انفصلت عنه عندما علمت بذلك، لكنه أخبرني أنكم تعيشون سويًا مثل الإخوة، وأن كلًّا منكم ينام في غرفةٍ منفصلة. لقد خُدعت، ريم، مثلكِ تمامًا.
نظرت لها ريم، ولم تكن متفاجئةً من كلام سما، لتجيبها متنهدةً بهدوء:
- أعلم، سما، إنني أعرف إبراهيم أكثر منكِ، وأعلم أن لديه طرقًا كثيرةً للإقناع، ولكن لم أتوقع أبدًا أنه سوف يتزوج مرةً أخرى.
نظرت سما إلى الأرض بخجلٍ منها، فتحركت ريم لتسحبها من ذراعها:
- هيا، سما، لنحضر الغداء قبل أن يأتي الأولاد من المدرسة.
________**
في صباح اليوم التالي، كانت ريليان تجلس تتناول طعام الإفطار، وهي تتذكر ما أحضره سليم لها:
ابتسمت بخفةٍ وخجل، لتخاطبها جوليا غامزةً:
- ما الأمر، ريليان؟
التفتت إليها بتوتر لتجيبها بابتسامةٍ صغيرة:
- لا شيء، أمي.
نظر إليها جرير لبعض الوقت، ثم أعاد أنظاره نحو طبقه، مكملًا تناوله.
اعتدلت رلين في جلستها لتخاطب ريليان بعجل:
- هيا، ريلي، فلنذهب إلى المدرسة.
اعتدلت الأخرى لتنهض، كما نهضت مايا أيضًا، متحدثةً وهي تبتلع آخر لقمةٍ في فمها:
- انتظراني، سوف آتي معكن، فلن أذهب بباص المدرسة الخاص بي.
بعد خروجهن من المنزل، نظرت رلين إلى ريليان متحدثةً بخبث:
- هيا، أخبريني، ريلي، لماذا كنتِ تبتسمين قبل قليل؟
حاولت أن تبدو طبيعيةً لتجيبها بمراوغة:
- شيءٌ خاص.
انفجرت رلين ضاحكةً بقوة لتجيبها:
- يا فتاة، ليس بيننا أسرار، هيا أخبريني ما الذي جعلكِ تبتسمين.
توردت وجنتا ريليان لتجيبها باسمةً بخجل:
- ماذا سيكون، رلين؟
تحدثت مايا متدخلةً بفضول:
- هل أمبر هو من أحضر لكِ كل تلك الحلوى، ريلي؟
اختفت ابتسامتها تدريجيًا لتجيب بعد برهة:
- لا، ليس هو.
نظرت إليها رلين باختراق، تريد أن تعلم ما يخالجها:
- لا تقولي لي إنكِ أحضرتِ تلك الأشياء من مالكِ الخاص، ريليان، فقد أنفقتِ مالكِ في المرة السابقة عندما طلبتهم منكِ.
أجابتهما في محاولةٍ منها لإنهاء الموضوع:
- لقد أخذت البطاقة الخاصة بأمي، ثم هيا، سوف نتأخر.
أجابتها رلين بسرعةٍ وتردد:
- لن أذهب إلى المدرسة، سوف أذهب مع ديفيد.
نظرت إليها ريليان بغضب، لتتذكر ما سمعته من سليم وهو يلقي إحدى خطبه: أن نصح الإنسان يأتي بالكلمة الطيبة، والهدوء، واللين، متذكرةً الآية الكريمة:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
أغمضت عينيها لتهدأ، ثم أعادت فتحهما لتخاطبها بهدوء:
- رلين، من أجلي، لا تذهبي معه، على الأقل وأنتم ليس بينكم شيءٌ رسمي.
نظرت إليها رلين لتشاهد النظرات المتوسلة داخل عينيها، لتجيبها مبررةً بتهرب:
- لكنني أحبه، ريليان، ثم إننا لن نفعل شيئًا مما تفكرين به، فما زلنا في بداية علاقتنا، عزيزتي. أريحي رأسكِ الصغير هذا، لقد وعدني ديفيد بذلك، وأنا أثق به.
زفرت ريليان بهدوء، لتبتسم مخاطبةً إياها بإغراء:
- سوف أعطيكِ مصروفي إن لم تذهبي، ولن أطالبكِ بالمال الذي أنفقته سابقًا.
نفت رلين برأسها، لتكمل ريليان:
- هل ستحزنين إن كنتُ غير سعيدة؟
أومأت لها برأسها مجيبةً بتأكيد:
- بالطبع، ريليان، فأنا وأنتِ شخصٌ واحد.
أكملت ريليان حديثها بعبوس:
- وهذا يحزنني، رلين، لا أريدكِ أن تذهبي معه، من أجلي فقط.
تنهدت رلين بقلة حيلةٍ وبعض الضياع، لتبتسم لها معانقةً إياها بحب:
- حسنًا، لن أذهب، لكن كفاكِ حزنًا وابتسمي.
ابتسمت لها ريليان، لتتحدث مايا مازحةً:
- كم أنتن دراميات بحق! سِرن أمامي.
تنهدت ريليان بسعادةٍ وراحةٍ تامة، لتكمل سيرها نحو الخارج.
وقبل أن يصلن إلى باص المدرسة الخاص بهن، الذي كان ينتظرهن مقابل بيتهم، ارتفع رنين هاتف ريليان، لتجيب الطرف الآخر بهدوء:
- صباح الخير.
أجابها أمبر بسعادةٍ كبيرة:
- صباح الأشياء الجميلة، كجمال حبيبتي. كيف حالكِ؟
تنهدت ريليان مجيبةً إياه بضيقٍ خفي:
- بخير، وأنت كيف حالك؟
أجابها بابتسامةٍ هادئة:
- إنني أفضل حالًا بعد رؤيتكِ.
عقدت بين حاجبيها باستغراب، ليزيل استغرابها عندما أكمل:
- انظري خلفكِ.
استدارت بجسدها قليلًا، لتجده يبتسم بحب، أغلقت الهاتف بهدوء، لتبتسم له بذات الهدوء، اقترب منها أمبر ليعانقها بحب:
أغمضت عينيها، لا تريد أن تشعر رلين أو مايا بأي شيء، ليبتعد عنها الآخر مقبلًا وجنتيها بخفة:
- اشتقت إليكِ.
ابتسمت له ضاغطةً على أسنانها من الداخل، لينقل بصره إلى مايا التي تحدثت بضحك:
- إننا هنا يا أخي، لقد أصبتني بجفافٍ عاطفي في هذا الصباح.
قرص وجنتها بخفة:
- كيف حالكِ يا صغيرة؟
أجابته بسعادةٍ حقيقية:
- بخير، أمبر.
تقدمت رلين منه بضيقٍ مصطنع:
- وأنا هنا يا زوج أختي.
تغاضت ريليان عن هذه المهزلة التي تحدث أمامها، لتنظر إلى الباص، فتجده قد تحرك، تحدثت بصدمةٍ كبيرة:
- الباص! لقد ذهب.
****
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!