القصل الخمسون
**ضحك أمبر بجنون من كلام سليم، ثم اقترب منه وأمسكه من تلابيب قميصه، متحدثًا بحرقة:
- أقسم بالرب، أيها المحمدي، إن لم تحضر إليّ ريليان الآن فسأحرق بيتك كاملًا، ولا تنسَ أن لديك أختًا أستطيع أن أفعل بها ما لا يخطر ببالك.
لم يجب سليم بأي كلمة، واكتفى بنظراته الثابتة المصوبة نحو عيني أمبر، والتي تحمل تحديًا واضحًا، مما زاد الآخر غضبًا.
التفت الاثنان نحو الباب عندما صدر صوت أنثوي رقيق ممتزج بالبكاء:
- اتركه أمبر.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه أمبر بمجرد أن وقعت عيناه على ريليان أمامه، فترك سليم وكأنه فقد اهتمامه به، واتجه نحوها مباشرة.
وقف أمامها، ثم تحدث بهدوء:
- هيا ريليان، دعينا نعود إلى منزلكِ، وسأسامحكِ على فعلتكِ هذه. ولا تقلقي بالنسبة لوالدكِ، فبمجرد زواجنا لن يتحدث بشيء ولن يؤذيكِ، أعدكِ.
هزت رأسها نافيةً برفضٍ قاطع:
- لا أريد يا أمبر، أرجوك اذهب من هنا دون أي ضجة.
تقدم منها مقلصًا المسافة بينهما، ونظر إليها برجاء:
- ريليان حبيبتي، هيا تعالي معي. أعدكِ ألا يمسكِ والدكِ بأي سوء. أعلم أنكِ خائفة منه، لكنني أعطيكِ وعدًا الآن بأنه لن يؤذيكِ.
زفرت بهدوء وهي تنظر إلى ابتهال التي لحقت بها لاهثة. نعم، لقد ترجلت من السيارة بسرعة بعدما طال مكوث سليم في الداخل، فقد خافت أن يؤذيه أحد أفراد عائلتها.
نظرت إلى أمبر بضيق وقالت:
- لم تعد هناك أي صلة تربطني بك، افهم هذا.
تقدم منها وأمسك ذراعيها، وهو يتحدث بغضب:
- لماذا؟ لماذا فعلتِ ذلك؟ هل تتركينني من أجل المحمدي الكاذب؟ هل أحببته بدلًا مني؟ أجيبي.
نظرت إليه بصدمة بعدما أدركت معرفته بهذا الأمر، ثم توجهت أنظارها تلقائيًا نحو سليم، فوجدته ينظر إليهما، والذي كان في قرارة نفسه يريد التأكد مما يسمعه.
أعادت نظرها إلى أمبر، الذي ضغط على ذراعها بقوة أكبر، لتتحدث بتوتر:
- عن أي حب تتحدث يا أمبر؟
هزها بقوة أكبر، صارخًا في وجهها:
- لا تثيري جنوني أنتِ الأخرى! أنا أعلم، وجميع عائلتكِ تعلم، أنكِ تحبين هذا المحمدي.
أغمضت عينيها بألم. لا بد أن رلين أخبرتهم بهذا الأمر.
حاولت التملص من بين يديه بعدما تذكرت أن ملامسته لها أمر نهى الله عنه، وقالت بضيق وترجٍ:
- اتركني يا أمبر، لا يجوز لك الاقتراب مني.
ضغط على ذراعها بقوة أكبر من ذي قبل، وهو يهزها بهستيرية:
- حقًا؟ هل أصبحت الآن لا يجوز لي الاقتراب منكِ؟ أنا سأريكِ ماذا سأفعل.
أفلت إحدى يديه، وبالأخرى بدأ يجرها خلفه متوجهًا نحو الباب، حيث كانت سارة وابتهال تقفان أمامه بصدمة.
اقترب منه سليم بسرعة، موقفًا إياه وقال:
- اتركها.
التفت أمبر إليه بابتسامة ساخرة:
- لا تتدخل، والتفت لنفسك.
لقد بدأ أمبر يثير غضبه حقًا. لن يسمح له بأخذها من بيته مهما كلفه الأمر. ليس حبًا بها، لكنها لجأت إلى بيته، وليس من شيمه أن يتخلى عن شخص احتمى به.
وقف أمامه ضاغطًا على حروف كلماته، وقال ببعض العصبية:
- أقول لك اتركها بالحسنى، واتقِ شر الحليم إذا غضب.
نظرت إليه ريليان بسعادة من حمايته لها، ثم خاطبت أمبر بتوسل:
- أمبر، اترك يدي، أرجوك دعني وشأني.
نظر أمبر إليها، ثم نقل أنظاره نحو سليم الذي سد الباب بجسده.
حسنًا... إن إصراره على عدم مغادرتها لبيته يقوده إلى أمرٍ واحد، وهو أنه يبادله حبها.
ترك يد ريليان التي سقطت أرضًا من شدة عنفه، لتصرخ باسمه بخوف، واضعة يدها على فمها، وهي تراه يكور يده ويوجهها نحو سليم.
لكم أمبر سليم في وجهه، ثم تحدث بجنون وهو ينهال عليه بالضربات:
- إنك تحبها أيها الكاذب! إنك تحبها! لن أدعك تنجو من بين يدي.
حاول سليم أن يجعله يفرغ غضبه قليلًا، لكنه تلقى منه ضربة قوية على أنفه، شعر بعدها بسخونة الدماء تسيل منه.
حسنًا... يكفي استسلامًا الآن.
أمسك بيده وأدارها خلف ظهره، ثم تحدث بجانب أذنه:
- قلت لك اتقِ شر الحليم إذا غضب، وأنت لم تستمع إليّ.
أغمض أمبر عينيه بألم من قبضة سليم على يده، وهو يشعر بضغطها الشديد، ليكمل سليم هامسًا:
- سوف أتغاضى عما فعلته هنا داخل بيتي من تخريب واقتحام. وصدقني، لو قاضيتك أمام القضاء فسوف تُسجن على هذا الأمر لمدة لا تقل عن خمس سنوات، هذا غير التعويض المادي عن الأضرار التي لحقت بي. الآن اذهب بهدوء من هنا، ولا تلتفت خلفك يا صاح.
كان أمبر يستمع إلى كلماته بألم، ضاغطًا على عينيه، ثم فتحهما بعدما ترك سليم يده، لينظر إليه بحقد شديد وقال:
- صدقني، سوف تندم على هذا. تذكر كلامي جيدًا.
التفت إلى ريليان، مخاطبًا إياها بوعيد وجنون:
- وأنتِ يا ريليان، لن أترككِ له، لأنكِ ملكي. وسوف تعودين إليّ نادمة، وبمفردكِ أيضًا.
ألقى كلماته الأخيرة، ثم رحل من المنزل، بعدما ألقى نظرة متفحصة على سارة التي تشبثت بوالدتها بخوف من نظراته.
دلفت ابتهال وسارة إلى داخل المنزل بعد رحيل أمبر، بينما زفر سليم بضيق من هذا الأمر.
جلست سارة بجانب ريليان أرضًا، ثم خاطبتها بابتسامة مطمئنة:
- لا تخافي، إنه يهددكِ ليس إلا.
نظرت ابتهال إلى المنزل بصدمة من حالته، ليلتفت إليها سليم مخاطبًا إياها:
- سيتم حل كل شيء يا أمي، لا تقلقي.
نظرت إليه ريليان بأسف، ثم قالت والدموع تترقرق في عينيها:
- شكرًا لك يا سليم، وأعتذر عما حدث بسببي.
أومأ لها برأسه بخفة، ثم التفت إلى والدته وقال:
- سأبدل ثيابي وأعود لننظف المكان.
توجه نحو غرفته وهو يستغفر ربه، لعله يهدأ من الغضب الذي اجتاحه.
دلف إلى الداخل بعدما فتح الباب، لينصدم بصدمة أكبر من سابقتها عندما وجد غرفته بهذا الشكل بعد أن تركها جرير.
رمش بعينيه عدة مرات، وكأنه يريد التأكد مما تراه عيناه. تقدم نحو كتاب الله الممزق، ثم رفعه من الأرض بغضب مما فعلوه به.
أغمض عينيه زافرًا بقوة. لقد كانت هذه أول مرة يصل فيها إلى هذا الحد من الغضب.
ضغط على يده بقوة، ثم زفر بعد ذلك منحنيًا ليرفع الكتب الملقاة على الأرض.
خرج بعدها إلى الخارج، ليجدهم يقومون بالتنظيف. تقدم نحو والدته، وأمسك بالمقعد رافعًا إياه عنها، لتبتسم له قائلة:
- دعه يا بني، نحن نقوم بحمله.
بادلها الابتسامة ذاتها وقال:
- هل يعقل أن أفعل ذلك وأنا موجود؟ اذهبي وارتاحي.
ضحكت بخفة، ثم خاطبت سارة:
- ها قد جاء سليم يا سارة. لقد قلتِ إنه ذهب ولن يعود للتنظيف معنا.
ضحكت سارة بخفة، ثم أجبته:
- لقد جاء حقًا. ظننت أنك تهربت من التنظيف، لكن اتضح أنك رجل.
تنهد سليم بثقل، ثم أجابها:
- كنت أنظف غرفتي التي طالها نصيبها من الخراب أيضًا.
نظرت إليه ابتهال بصدمة، ثم تنهدت بحزن وربتت على كتفه بهدوء بعدما رأت علامات الغضب بدأت تظهر على ملامحه:
- لا تغضب يا بني، ولا تضع اللوم على ريليان. ليس لها ذنب.
أومأ لها مؤكدًا:
- بالتأكيد ليس ذنبها، ولم أقل إنه ذنبها يا أمي، لكنني غاضب من التصرف نفسه. لقد مُزقت جميع المصاحف والكتب.
كانت ريليان تستمع إليهم، لتتأثر بشدة مما فعله والدها. نظر الثلاثة إليها عندما تحدثت بندم وأسف:
- أعتذر حقًا. أعلم أنني أصبحت حملًا ثقيلًا عليكم، وأوجعت لكم رؤوسكم، وتسببت لكم بالمشاكل. لكن لا يوجد شخص ألجأ إليه غيركم، إن كنتم لا تريدون...
قاطعتها ابتهال بضيق:
- كفاكِ حديثًا أحمق يا ريليان. لقد أصبحتِ أحد أفراد هذه العائلة يا حبيبتي.
ثم تابعت بغضب مصطنع:
- والآن عودي إلى عملكِ، لأنكِ أغضبتني. أم أنكِ تريدين التهرب مثل سليم؟
ضحك الجميع، ليكملوا عملهم بروح واحدة.
وبعد فترة، التفت سليم عندما استمع إلى صراخ إحدى الفتاتين، فنظر إليها ليجد قدمها تقطر دمًا.
توجه نحوها بسرعة، والخوف والقلق يملآن ملامحه، ثم أمسك قدمها بين يديه ليجد قطعة زجاج عالقة في باطنها.
نظرت إليه الأخرى باكية، وتشبثت بكتفه بألم بعدما أخرج القطعة، ليخاطب والدته زافرًا:
- أمي، أحضري المعقم والشاش الطبي من بعد إذنك.
خاطبتها ريليان بقلق وخوف:
- أخبريني أين هم يا خالتي، سأحضرهم أنا.
أجابتها ابتهال بعجلة دون أن تنظر إليها:
- في المرحاض الخارجي.
توجهت ريليان بسرعة لإحضارهم، ثم عادت نحو سليم الذي كان يضغط على قدم سارة ليوقف النزيف.
أخذهم منها، وبدأ بتعقيم جرح سارة المختلط ببكائها، ثم خاطبها بحنان:
- اهدئي يا سارة، الأمر ليس صعبًا. كيف ستصبحين طبيبة وأنتِ تتألمين كالأطفال؟ حبيبتي، الأمر لا يستدعي البكاء.
توقفت عن البكاء قليلًا، وتمسكت بيد ريليان، خاصة بعدما بدأت قدمها تؤلمها بسبب المعقم الذي وضعه سليم.
زفر سليم بهدوء بعدما انتهى من ذلك، ثم حملها متوجهًا نحو غرفتها، ووضعها على سريرها، وقبّل وجنتها مازحًا:
- ارتاحي الآن، لقد رحمكِ الله من إكمال التنظيف.
ضحكت بقوة، ثم أجبته:
- لا تقلق، لقد انتهينا من تنظيف الصالة. أساسًا لم يتبقَّ سوى الزجاج الذي قمتُ بكنسه أنا وريليان، اطمئن.
دثرها جيدًا بالغطاء، ثم تحدث بحنان:
- تصبحين من أهل الجنة حبيبتي.
ابتسمت له بحب، وأجابته:
- وأنت من أهلها يا سليم.
كان كل ذلك أمام ناظري ريليان. لم تعلم سبب هذا الشعورين المتناقضين؛ فهي تشعر بالضيق من حركاته مع سارة، وتشعر بالسعادة من أجل علاقتهما الأخوية الجميلة.
زفرت بضيق من هذا الشعور، ثم خرجت قبل أن يعود أدراجه ويشاهدها وهي تنظر إليهما، خاصة بعدما علم بحبها له. لم ترد أن يثبت هذا الأمر في ذهنه.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!