الفصل المئة وثلاثة وعشرون
**
مرت دقيقة... دقيقتان... ثم خمس دقائق كاملة، كانت ريليان تحدق به بصمتٍ تام، وكأن عقلها يحاول استيعاب ما قاله للتو ثم فجأة...انفجرت ضاحكة.
ضحكاتها خرجت بقوةٍ جعلتها تنحني قليلًا، تضع يدها على قدمها من شدة الضحك، وكأنها لم تجد تفسيرًا آخر لما سمعته سوى أنه يمزح معها.
بعد لحظات اعتدلت تمسح دموعها التي اختلطت بضحكاتها، ثم نظرت إليه بعدم تصديق، واضعةً يدها على معدتها:
- طريقةٌ جميلةٌ لمصالحتـي يا سليم، جزاكَ الله خيرًا... لقد أضحكتني حقًا، والآن قُل إنكَ تمزح.
ظل ينظر إليها بتوجس، فلم تكن هذه ردة الفعل التي توقعها منها.
قال بصدقٍ وإصرار:
- أُقسمُ لكِ أنني لا أمزح.
تلاشت ضحكتها تدريجيًا، بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها وهي تحدق بعينيه تبحث عن أي علامةٍ تدل على كذب كلماته، لكنها لم تجد سوى الصدق.
خرج صوتها ضعيفًا مرتجفًا تسأله بتوجس:
- زوجتُك؟!
أومأ لها بتأكيد، وفي لحظةٍ واحدة، تبدلت ملامحها، ارتجفت شفتيها، وامتلأت عيناها بالدموع التي رفضت تصديق ما تسمعه، هزت رأسها نافيةً وهي تهمس بألم:
- كاذب... أنتَ تكذب، أليس كذلك؟ قل إنكَ تكذب يا سليم.
تنهد بهدوء، ثم اعتدل من فوق مقعده مجيبًا إياها بثبات:
- تاللهِ إنها زوجتي، لماذا سأكذب عليكِ في أمرٍ كهذا؟
اندفعت نحوه بخطواتٍ غاضبة، وضربت سطح المكتب بيدها بقوة، وصوتها يرتجف من القهر:
- لماذا؟!
ثم اقتربت أكثر تهسهس بصوتها:
- ما الذي فعلتهُ لكَ حتى تتزوج بأخرى؟ أجبني!
حاول تجاوزها متجهًا نحو الباب، لكنها أمسكت بذراعه تمنعه من الرحيل، نظرت إلى عينيه... كانت تبحث عن أي شيءٍ ينفي الحقيقة، أي شيء، يجعلها تصدق أن هذا مجرد كابوس، لكنها لم تجد، انهارت قوتها.
بدأت تضرب صدره بيديها والدموع تنهمر من عينيها:
- أنتَ نذل يا سليم...
ثم خرج صوتها مكسورًا:
- ما الذي فعلتهُ لكَ لتفعل بي هذا؟!
ازدادت شهقاتها أكثر من ذي قبل:
- أكرهك... أكرهك!
أمسك بيديها التي تضربانه بهما، ونظر إليها بألم:
- اهدئي يا ريليان، حسنًا؟ سأشرح لكِ.
حاولت تخليص يديها من بين يديه، لكنه ثبتها بحزمٍ وهو يقول:
- أقول لكِ استمعي إليّ.
ابتعدت عنه بقوة، ومسحت دموعها التي أحرقت وجنتيها متحدثة بغصةٍ آلمته:
- لا أريد أن أعلم من أي شيء..
ثم تابعت بانكسارتصيب سهام بندقيتها نحو عينيه:
- سوف تخترع ألف حجةٍ لتجعلني أنا المخطئة، لتثبت أنني المقصرة في حقك.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالألم:
- هل لأنني طفلة؟ هل أردتَ امرأةً ناضجة أكثر مني؟!
ابتلعت غصتها بينما وهن صوتها:
- إذًا لماذا تزوجتني منذ البداية؟ لماذا جعلتني أعيش في وهم أنني الأولى والوحيدة في حياتك؟ لماذا جعلتني أصدق حبك وعشقك لي؟ لماذا لم تخبرني؟!
حاول الحديث، لكنه كان يعلم أن ألمها الآن أكبر من قدرتها على الاستماع، رفعت يدها تمنعه من الكلام:
- لا تقاطعني...
ثم قالت بحزمٍ رغم ارتجاف صوتها:
- لا أريد تبريراتٍ وحججًا واهية، لا أريد أن أسمعك وأنت تحاول إخراج نفسك بريئًا من الأمر.
رفعت الهاتف أمامه بقوةٍ متحدثة بحرقة:
- سأعرف منها أنا.
أمسكت الهاتف وطلبت الرقم، لكن ما إن ضغطت على الاتصال حتى دوّى رنين هاتفٍ داخل الغرفة.
توقفت...
انعقد حاجباها باستغراب، بدأت تتبع الصوت حتى وصلت أسفل السرير، انحنت وأخذت الهاتف، ثم نظرت إلى الشاشة، كان الرقم ذاته رقم سليم،رقم زوجها، رفعت عينيها إليه ببطءٍ، وملامحها تحمل ألف سؤال.
سألته بعدم فهم ناظرة إليه بتعجب:
- اسمي ليس خديجة...
اقترب منها بهدوء رغم كل ثورتها قبل قليل، جلس أمامها على قديمه ثم خاطبها بابتسامةٍ صغيرة:
- بل أنتِ خديجة يا ريليان.
نظرت إليه باستغراب، فأكمل وهو ينظر إليها بحب:
- خديجة التي اخترتها.. بصفاتكِ، بحنانكِ، باستيعابكِ لي، بحبكِ العميق، وبخوفكِ عليّ.
ثم ابتسم واضعًا كفه على وجنتها بحنان:
- تزوجتكِ لهذه الأربع يا ريليان... وقد حرمتُ على قلبي بنات حواء من بعدكِ.
ثم قربها منه أكثر مضيفًا بمشاكسةٍ خفيفة:
- لكن أخبريني... هل تغارين عليّ؟
نظرت إليه بضيقٍ من استفزازه:
- لا توجد أنثى لا تغار على حبيبها يا سليم.
أمسك بكفها وجعلها تجلس بجانبه جيدًا بدلًا من جلوسها على ركبتيها، ثم أبعد خصلات شعرها خلف أذنها متسائلًا:
- لكنكِ تعلمين أنني لا أحب سواكِ، وأن الجميع عندي سواء، فلمَ تغارين؟
نظر إلى الشراسة في عينيها، فابتسم قبل أن يتسائل:
- انتظري... هل تخافين أن أذهب إلى امرأةٍ أخرى؟
أطلقت تنهيدةً طويلة، ثم ابتسمت بثقة ناظرةً إليه:
- لا يا حبيبي...
ثم تابعت:
- فهذا لا يشغل تفكيري، فلن تجد لديهن ما تجده معي، ولن تحبك امرأة مثلي، ولن تهتم بك امرأة كاهتمامي بك، ولن تحنو عليك أنثى مثلما أفعل، ولن تجد قلبًا ينبض بعشقك مثل قلبي.
نظر إليها بدهشة من تناقضها بين غيرتها قبل قليل وثقتها الآن. اقترب منها هامسًا:
- فما الداعي للغيرة إذًا؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أجابته بجدية اثارت تعجبًا بداخله:
- أغار عليك من أن تنظر إليك امرأة فتقع في عشقك، وتمضي حياتها تبحث عن سراب لرجلٍ لن يكون لها.
ثم تابعت وهي تنظر إلى عينيه توصل حبها:
- أغار عليك من كل امرأةٍ تحدثها بلباقتك المعهودة فتظن أنك تتودد إليها، وتبدأ بالبحث عن مكانٍ في حياتك، ثم تستيقظ يومًا على حقيقة أنك ملكي أنا.
اشتدت نظرتها أكثر مني قبل:
- أغار عليك من كل أنثى ترى شهامتك فتظن أنك تفعل ذلك لأجلها وحدها، ثم تكتشف أنك كنت فقط أنت... سليم الذي ينتمي لي.
ابتسمت بحب متنهدة بثقة:
- لا تخف يا حبيبي، فأنا أثق بك، فقد وصل حبي لك إلى منتهاه.
ابتسم وهو يستمتع بغيرتها التي لا تخفي مقدار عشقها له:
- أخبريني إذًا... إلى أين وصلت قوة الحب؟
ابتسمت بمكر تجيبه:
- قوة الحب أن أتركك مع غيري وأمضي مطمئنة، لأنني أعلم أن ملكيتك ليست في يدي... بل في قلبك.
نظر إليها بعشقٍ عظيم، ثم احتضنها برفق، وكأنها أغلى ما يملك، تحدث بصوتٍ ممتلئٍ باليقين:
- أنتِ عائلتي،
ثم تابع بهمس محب:
- أنتِ كل مالي في هذه الدنيا، أنتِ اسمي وشرفي وستري وغطائي.
شدد من احتضانها بحبٍ وعشق كبيرين:
- أنتِ زوجتي في الدنيا، ورفيقتي إلى الفردوس الأعلى بإذن الله.
ابعدها عنه يمسح بقايا دموعها بحنان:
- أردتُكِ خديجة.
ابتسمت والدموع تلمع في عينيها:
- وسأكون كذلك إن شاء الله... ما دمتَ برفقتي يا سليم.
عاد يحتضنها بعشقٍ لا يشبه إلا لها، ثم وضع يده على معدتها هامسًا:
- أُحبكما.
««:::::::::::::::-::::::::::::::»»
احتضن همام سارة بهدوءٍ شديد، يربت على ظهرها بحنانٍ بينما يخفي خلف ملامحه الهادئة حزنًا عميقًا لم يستطع إظهاره، كان يشعر بألمها وكأن قلبه يتألم لأجلها، فهي لم تفقد مجرد شيءٍ عابر، بل فقدت حلمًا صغيرًا رسمت له مكانًا في قلبها.
رفعت سارة وجهها المبلل بالدموع، تحاول السيطرة على شهقاتها التي تخونها، لتهمس بصوتٍ منكسر:
- لماذا لم يبقَ معي؟ لماذا تركني؟ لقد كنتُ أُحبه، أقسم أنني أحببته رغم أنني لم أره.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!