الفصل المئة وأربعة وعشرون
**
مسح دموعها بأنامله برفق، ثم انحنى يقبل جبينها بحنانٍ عميق محاولًا أن يخفف عنها ثقل الألم:
- إنها مشيئةُ الله يا سارة، لله ما أعطى ولله ما أخذ، أعلم أن الأمر صعبٌ عليكِ، لكن ربما رحمة الله كانت في ذلك، لم يكن مقدرًا له أن يكتمل، وربما هناك سببٌ لا نعلمه.
تنهد قليلًا قبل أن يكمل بصوتٍ هادئ:
- أخبريني سارة، ماذا كنتِ ستفعلين لو جاء وهو يحمل مرضًا أو علة؟ هل كنتِ ستتقبلينه؟ بالطبع كنتِ ستفعلين، لأنكِ أمه، لكن الله أرحم بنا من أنفسنا، ودائمًا خلف كل شيءٍ حكمة لا نراها الآن.
دفنت رأسها في صدره، وانفجرت شهقاتها من جديد وهي تتمسك به وكأنها تبحث عن شيءٍ يعوضها هذا الفراغ:
- لكنه يبقى طفلي هُمام... لماذا ذهب وتركني؟
ضمها أكثر، ثم همس لها وهو ينظر نحو أمل التي كانت تراقبهما بعينين دامعتين:
- كفكفي دموعكِ سارة، انظري إلى أمل... إنها تبكي لأجلكِ.
ابتعدت عنه بسرعة، واتجهت أنظارها نحو أمل التي كانت تحتضن دميتها الصغيرة، ودموعها تنساب بصمتٍ وهي تشعر بالذنب.
اعتدلت سارة واقتربت منها، فما إن رأتها أمل حتى ارتمت في أحضانها باكية:
- أعتذر أمي... أقسم أنني لم أقصد أن أجعلكِ تقعين، لقد كنتُ أحبه أنا أيضًا.
ابتسمت سارة رغم ألمها، ومسحت دموعها بحنان:
- ومن قال لكِ أنه ذهب بسببكِ يا صغيرتي؟ كما قال هُمام، لم يشأ الله أن يجعله يكتمل، وهو أعلم بما هو خيرٌ لنا.
ابتعدت أمل قليلًا، تمسح دموعها بطرف يدها، ثم سألتها بصوتٍ متردد:
- يعني أنكِ ما زلتِ تحبينني أمي؟ أليس كذلك؟
ابتسمت سارة بحبٍ كبير، ثم طبعت قبلة على جبينها:
- بل أحبكِ أكثر من ذي قبل يا أميرتي.
ارتسمت السعادة على وجه أمل، فاحتضنتها وقبلت وجنتيها بحب، ثم سألتها ببراءة:
- هل ستحضرين طفلًا غيره أمي؟
كتمت سارة ابتسامتها الخجولة وهي تلاحظ نظرات همام إليها، ليجيبها هو بابتسامة:
- بل ستحضر غيره، وغيره، وغيره... وسيصبح لديكِ إخوةٌ كُثر يا أميرتي.
نظر إلى سارة بمشاكسة:
- ماذا؟ هل أقول غير الحقيقة؟ ألن تحضري غيره؟ يبدو أنكِ لا تحبين الأطفال كما ادعيتِ.
نظرت إليه بضيقٍ مصطنع وأسرعت بالرد:
- ومن قال ذلك هُمام؟ سوف أحضر غيرهم إن شاء الله، لأنني أحب الأطفال كثيرًا. صحيح أنني كنت أحمل جنيني الذي لم يتجاوز الشهر، لكن أقسم لك أنني أحببته وتعلقت به.
احتضنها برفق، متنهدًا بحنان:
- كنت أمزح معكِ سارة، فأنا أعلم جيدًا عشقكِ للأطفال، وأعلم كم كان هذا الصغير عزيزًا على قلبكِ.
ابتعد قليلًا محاولًا تغيير الجو، ثم سألها بابتسامة:
- أخبريني، ماذا أعددتِ لنا للغداء؟
نظرت إليه بحزنٍ بسيط قبل أن تجيبه:
- لم ألحق أن أعد شيئًا، جئت من المدرسة ثم لعبت مع أمل، وبعدها حدث ما حدث.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم تحدث بفخرٍ مصطنع وهو يحاول إضحاكها:
- لا عليكِ، سوف أصنع لكم ألذ طعامٍ ستتذوقونه في حياتكم، وهذا كله بفضل مهاراتي العظيمة.
ضحكت بخفة لأول مرة منذ وقتٍ طويل، ثم أجابته:
- حسنًا، سأكون قد هاتفت أمي وأخبرتها بما حدث.
نظر إليها بجدية محبة مذكرًا إياها:
- انتبهي لخطواتكِ وأنتِ تسيرين كما أخبرتكِ الطبيبة، لا أريدكِ أن تتعبي نفسكِ.
أومأت له بهدوء، ثم اختفت من أمامه، نظر همام نحو أمل مبتسمًا، ثم مد يده إليها:
- تعالي يا أميرتي، ساعديني في إعداد الطعام.
««:::::::::::::::-::::::::::::::»»
زفرت ريليان وهي تسير ممسكةً بكتابها الدراسي، تراجع دروسها لهذا اليوم، تحاول أن تجمع تركيزها بين الصفحات رغم التعب الذي تشعر به. وبينما كانت تقرأ، ارتفع رنين هاتف ابتهال، فتوجهت نحوه والتقطته بين يديها.
ابتسمت باتساع عندما علمت هوية المتصل، ثم أسرعت نحو ابتهال بسعادة:
- أمي، إن سارة تتصل بكِ.
تركت ابتهال السكين من يدها وأجابت الهاتف بابتسامة حانية:
- كيف حالكِ صغيرتي؟
تنهدت سارة وهي تحاول منع دموعها من الانهيار:
- الحمد لله أمي، أنا بخير.
تغيرت ملامح ابتهال بشيءٍ من القلق، فقد شعرت بصوت ابنتها أنها ليست على ما يرام:
- هل أنتِ بخير حقًا سارة؟ أشعر أن هناك شيئًا يؤلمكِ.
ارتجفت شفتا سارة، ولم تستطع الصمود أكثر، فانسابت دموعها وهي تجيبها بصوتٍ مكسور:
- أمي... لقد فقدته.
عقدت ابتهال حاجبيها بعدم فهم:
- فقدتِ من؟
تمسكت سارة بيد همام الجالس بجانبها، يحيط كتفيها بحنانٍ ودعم، ثم أجابت بعد صمتٍ قصير اختلط فيه الألم بالحزن:
- فقدت جنيني أمي.
أغمضت ابتهال عينيها للحظات، وقلبها يتألم لأجل ابنتها، ثم فتحتهما وأجابتها بصوتٍ هادئ مطمئن:
- إنّا لله وإنّا إليه راجعون... قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. لا تحزني صغيرتي، هذا ابتلاءٌ من الله، وأنتِ مؤمنة وقوية، أليس كذلك؟
أومأت سارة برأسها رغم أن ابتهال لا تراها، وكأنها تستمد القوة من كلماتها، لتكمل ابتهال بحنان:
- إذًا احمدي الله على كل حال، ولا تجزعي يا صغيرتي، سيعوضكِ الله خيرًا، كوني واثقةً بذلك.
مسح همام دموعها برفق، فتنهدت سارة وأجابتها بصوتٍ يحمل الألم لكنه مليء بالرضا:
- ونِعم المولى... لا تقلقي أمي، أنا بخير والحمد لله على كل حال.
نظرت ابتهال نحو ريليان التي كانت تقف بجانبها تكتم بكاءها بصعوبة، فابتسمت لها بحنان ثم خاطبت سارة:
- إن خديجة توصلكِ سلامها وتقول لكِ كوني بخير.
ابتعدت سارة قليلًا عن همام وهي تجيبها:
- أعطيني إياها أمي، أعلم أنها تبكي.
ابتسمت ابتهال وأعطت الهاتف لريليان التي كانت تحاول السيطرة على دموعها، فتوجهت سارة إلى غرفتها وقالت بجدية مصطنعة:
- أقسم إن بكيتِ يا ريليان لأرتدي ثيابي حالًا وآتي لأضربكِ.
زمت ريليان شفتيها محاولةً ألا تبكي أكثر، ثم أجابتها بعد لحظة:
- هل أنتِ بخير حقًا سارة؟
تنهدت سارة بهدوء قبل أن تجيبها بصدق:
- سأكون كاذبة إن أخبرتكِ أنني كذلك، لكن الحمد لله ريليان... لعله خير.
نظرت ريليان نحو بطنها المنتفخ قليلًا، ثم قالت بحزنٍ هادئ:
- أجل... الحمد لله على كل حال.
ضربت سارة جبهتها بتذكر، ثم توجهت نحو المطبخ:
- أووه، لقد نسيت أن اسمكِ تغير وأصبحتِ خديجة، لم أعتد عليه بعد.
ابتسمت خديجة بوهنٍ وهدوء:
- لا عليكِ سارة، وأنا أيضًا لم أعتد عليه بعد، مع أن سليم لا يخطئ به أبدًا، دائمًا يقول خديجة... صحيح، إنها توصل سلامها لكِ.
فتحت سارة عينيها بسعادة حقيقية، متناسية للحظات ألمها:
- تمزحين! هل هي فتاة حقًا؟
ضحكت خديجة بخفة وهي تجيبها:
- لا، ليس بعد، مع أنني في شهري الخامس، إلا أنني لا أريد معرفة جنسه، أريدها أن تكون مفاجأة.
زمت سارة فمها بضيقٍ لطيف، ثم أجابتها وهي تنظر نحو أمل التي تساعد همام في إعداد البيتزا المفضلة لديهم:
- لا أريد أن أشتمكِ يا ريليان... أقصد خديجة، ألا تريدين أن يعلم سليم؟ لا بد أنه متشوق لمعرفة جنس طفله القادم بعد أربعة أشهر.
أجابتها خديجة بابتسامة:
- هل أخبركِ بسر؟ إن سليم لم يتحدث في هذا الأمر أبدًا سوى مرة واحدة، أخبرني بتوقعه، وعندما استهزأتُ به وعدني ألا يناقشني فيه، لأنه متأكد بنسبة تسعين بالمئة من توقعه.
تحمست سارة لمعرفة توقعه، فسألتها بفضول:
- وماذا توقع أخي العبقري؟ أخبريني.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!