الفصل المئة وثلاثون
**
أجابتها كيان بقلة حيلة:
- أسأل الله لهم الهداية حقًا، لكن عليكِ أن تفكري في نفسكِ يا ريم. ها أنتِ عند والدتكِ، وترتاحين من الضغط الذي كان عليكِ... فكري بعقلانية هذه المرة.
ضحكت ريم بخفة، ثم أجابتها:
- أتعلمين أنني سألت إبراهيم لأجلكِ أنتِ، ومن أجل روايتكِ.
رمشت كيان بصدمةٍ كبيرة، ثم خاطبتها بذهول:
- أقسم أنكِ فتاةٌ لا مبالية! أنتِ بائعةٌ لحقكِ.
أومأت ريم بتأكيد، وهي تضع قطعةً من الجبن في الطبق:
- أجل... أنا بائعة، وغير مهتمةٍ أيضًا.
أحنت كيان زوايا فمها بتعجب:
- وااااو... وااااو... وااااو! الاعتراف بالحق فضيلة.
ضحكت ريم وهي تؤكد لها:
- أجل، لا أنكر ذلك.
هزت كيان رأسها بيأس، ثم قالت:
- على رأي أحدهم... تريدين تكسير الهاتف فوق رأسكِ، وعلى قول شقيقتها أم أمل: توفيت.
تساءلت ريم بتعجب:
- لماذا؟!
تحدثت كيان باستنكار:
- لماذا؟ هل تسألين حقًا لماذا؟ من قال إنني أتحدث معكِ أو أسأل عن حالكِ من أجل روايتي؟ ريم بالله عليكِ، تنحنحي وخذي خطوةً واحدة في حياتكِ! أين نصائح سنابل لكِ؟ أم أنكِ تسمعين من أذنٍ وتخرجينها من الأذن الأخرى؟
أومأت ريم لها بعدم مبالاة ويأس:
- أجل... فقد ذهب وقت اتخاذ أي خطوة.
زفرت كيان بقلة حيلة:
- أسأل الله لكِ الهداية وصلاح الحال. من أجل أطفالكِ فكري في هذا، فهذا آخر حديثي معكِ.
نظرت ريم إلى عمر الذي كان يتناول إفطاره، وقد جلس بجانبه عليّ الذي استيقظ للتو، ثم توجهت نحو غرفتها وهي تقول:
- كيان... سوف أخبركِ بشيء.
أومأت كيان وكأن الأخرى تراها:
- بالتأكيد، تفضلي.
زفرت ريم بضيق، لا تعلم كيف تبدأ:
- أتعلمين ليلة العيد كيف قضاها؟
أجابتها كيان بمزاح:
- بصراحة لا أعلم، فلم أكن معه حينها.
انفجرت ريم ضاحكة، ثم أجابتها وهي تكمل المزاح:
- حسنًا، حسنًا... ظننتكِ كنتِ معه.
ابتسمت كيان لضحكتها، ثم سألتها بفضول:
- كيف قضاها؟ أخبريني وأتحفيني أو أصدميني.
ابتسمت ريم بسخريةٍ لاذعة وهي تجيبها:
- لقد ذهب واشترى فودكا.
عقدت كيان حاجبيها بتعجب:
- وما هذا؟ أممم... لقد سمعت به، لكنني لا أتذكر ما هو بصراحة. ماذا تفعلين؟ صديقتكِ ذكيةٌ بعض الشيء.
أجابتها ريم بهدوء بعدما زفرت بثقل:
- إنها نوعٌ من أنواع الخمور يا كيان.
ابتسمت كيان بصدمةٍ قبل أن تخاطبها بعدم استيعاب:
- تمزحين هذه المرة بالتأكيد، أليس كذلك؟
نفت ريم بقوة وهي تجيبها:
- لا أمزح، أقسم لكِ.
تحدثت كيان وما زالت تحت تأثير الصدمة:
- يا فتاة... طلاقكِ أشرف لكِ وأفضل. لقد ظننته تاب وعمل صالحًا.
تنهدت ريم بقلة حيلة:
- وأنا ظننت هكذا.
حاولت كيان استجماع نفسها بعد الصدمة التي تلقتها:
- ريم، هذا خطأ من أجل أطفالكِ. لااا يا إلهي... إنه رجلٌ يشرب الخمر أيضًا! فكري في الأمر، ها أنا كيان بشحمها ولحمها أخبركِ بأن الطلاق أفضل لكِ.
تحدثت ريم بهدوء وصوتٍ ضعيف ضائع:
- إنه منذ البداية على هذا الحال يا كيان.
أجابتها كيان بحزنٍ لحالها، فقد بدا صوت ريم مثقلًا بالألم:
- حسنًا، لكنكِ أخبرتِني أنه توقف عن الشرب، أليس كذلك؟
أخذت ريم نفسًا عميقًا، مانعةً نفسها من البكاء، ثم تحدثت بشفاهٍ مرتجفة:
- كانت آخر مرة في يوم مولدها... لقد شربا الاثنان.
رفعت كيان حاجبيها بصدمة، فهي تعلم بإبراهيم، لكنها لم تكن تعلم عن سما:
- حتى هي أيضًا؟! أستغفرك ربي وأتوب إليكِ... يا الله، ألم يخافا الله؟ ألم يضعا الموت أمام أعينهما وهما يفعلان هذا الفعل؟ ألم يخافا أن يقابلا خالقهما بهذا الشيء المحرم؟
أرجعت ريم رأسها للخلف، ثم أغمضت عينيها بسخرية:
- برأيكِ يا كيان... هل تعتقدين أن هؤلاء يفكرون في الموت؟
أجابتها كيان بغضبٍ مكتوم:
- حسنًا، لكن الإنسان يضع مخافة الله أمامه يا ريم. يحسب للموت ألف حساب قبل أن يقدم على أي فعلٍ يندم عليه، وخاصةً وهو يعلم أنه يفعل أمرًا محرّمًا.
ضحكت ريم بسخريةٍ كبيرة:
- استمعي إليه وهو يتحدث عن علاقته بربه.
تساءلت كيان بفضولٍ كبير، فقد أثار حديث ريم اهتمامها:
- ماذا يقول؟! لا تخبريني أنه يظن أن الله راضٍ عنه.
تنهدت ريم قبل أن تجيبها:
- يقول: الحمد لله، إن الله يعطيني علامات أعرف بها إن كنتُ على صوابٍ أو خطأ، والحمد لله أنا غير ظالمٍ لكِ، فأنا رجلٌ صالح.
وما إن انتهت ريم من حديثها حتى انفجرت كيان ضاحكةً بقوة:
- رجلٌ صالح حقًا؟! أغلقي... أغلقي يا ريم، لقد ارتفع ضغطي منه. ولا تظني أنني نسيت القصة بسبب هذا الحديث، أريدها في أقرب وقت، وإلا أقسم أنني لن أحدثكِ حينها.
أجابتها ريم بطاعةٍ تامة:
- حسنًا يا كيان، سأرسلها لكِ عندما أسردها لعليّ. هيا اذهبي وذاكري، فاختباراتكِ على الأبواب.
أومأت كيان بهدوء:
- حسنًا... اهتمي بنفسكِ، وبوالدتكِ وأطفالكِ. في أمان الله.
اعتدلت ريم متوجهةً إلى الخارج بابتسامةٍ هادئة:
- إن شاء الله، وأنتِ اهتمي بنفسكِ. في أمان الله.
أغلقت المكالمة، وبقيت ريم للحظاتٍ صامتة، تنظر أمامها بشرود.
كانت تعلم أن حديثها مع كيان يخفف عنها ثقلًا كبيرًا، لكنه في الوقت ذاته يفتح أمامها أسئلةً كثيرة لا تجد لها إجابات.
بين قلبٍ ما زال متعلقًا بما كان، وعقلٍ يحاول أن يرى الحقيقة كما هي... بقيت ريم تائهةً بينهما.
««::::::::::::::::-:::::::::::::::»»
جلست ابتهال أمام خديجة التي كانت ترفض تناول الطعام، لتخاطبها بحنانٍ كبير:
- ريليان حبيبتي، ليس جيدًا ما تفعلينه بنفسكِ. أنتِ لستِ بمفردكِ، فهناك جنينٌ بداخلكِ أيضًا. أنتِ حرةٌ بنفسكِ، لكن ما ذنب هذا الصغير؟ أجيبي.
تكورت خديجة على نفسها، منكمشةً بقوة، ثم أجابتها بصوتٍ مخنوق من كثرة البكاء:
- أولًا اسمي خديجة يا أمي... لا أريد أن يحزن سليم لأنكِ ناديتني ريليان. ثم إنني لستُ جائعة، أقسم لكِ.
تنهدت ابتهال أمام عنادها، فمنذ أن سمعت بحكم سليم ومدة سجنه لم تتوقف عن البكاء، وها هي الشمس قاربت على المغيب وهي على حالها.
اعتدلت خديجة بضعف، بعدما شعرت بالدوار يداهمها، ثم همست:
- أمي... عانقيني، أحتاج إلى حنانكِ.
فتحت ابتهال ذراعيها لها، لترتمي خديجة في أحضانها باكيةً بقوة، وهي تشدد من تمسكها بها، وكأنها تخشى أن تفقد آخر مصدرٍ للأمان لديها.
مسدت ابتهال على شعرها بهدوء، ثم تحدثت بلطف:
- سينجيه الله يا خديجة، لا يَخيب من كان الله معه. اذهبي وادعي له، فأبواب السماء مفتوحةٌ دومًا.
ابتعدت عنها خديجة قليلًا، ثم مسحت دموعها بظاهر كفها وأجابتها:
- وأنا لا أفعل شيئًا غير الدعاء له يا أمي. سيخرج، أليس كذلك؟ سيرى طفله، وسنربيه معًا، وسيكون معي دائمًا.
ثم تابعت بتساؤلٍ يشبه الرجاء:
- أمي... هل تتغير الأقدار؟
ابتسمت ابتهال بثقةٍ كبيرة بالله، ثم أجابتها:
- حبيبتي، لم ييأس زكريا رغم دواعي اليأس ووهن عظمه، لقد اشتعل رأسه شيبًا وكانت امرأته عاقرًا، لكنه ظل يحسن الظن بربه وقال: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
ثم تابعت بهدوء:
- ألم تسمعي بنبينا أيوب؟ ثمانية عشر عامًا من المرض، ثم شفاه الله بالدعاء. ألم تسمعي بإبراهيم عندما أُلقي في النار فجعلها الله بردًا وسلامًا عليه؟ ألم تسمعي بيونس عندما كان في ظلماتٍ ثلاث، الحوت والبحر والليل، فنجّاه الله بالدعاء؟
أمسكت يدها، ثم أكملت بثقةٍ أكبر:
- الدعاء يعيد ترتيب كل شيء، ويغير حال الإنسان، فلا تيأسي من اللجوء إلى الله والدعاء، حتى لو تأخرت الإجابة. لا تيأسي من رحمة الله مهما صَعُب الأمر وتعسر... سيخرج، أنا واثقةٌ بالله.
مسحت خديجة دموعها بظاهر كفها، ثم اعتدلت بثقل واضعةً يدها على معدتها. سارعت ابتهال بإمساكها بعدما شعرت بأن الدوار يداهمها مرةً أخرى، ثم خاطبتها بتوبيخٍ حنون:
- تناولي طعامكِ أولًا.
كادت خديجة أن تعترض، لكن ابتهال قاطعتها بنبرةٍ حازمة لا تقبل النقاش:
- قلتُ طعامكِ أولًا... هيا أمامي لتتناوليه.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!