الفصل السادس والخمسون
**صمت سليم قليلًا، وكأن الكلمة الأخيرة أصبحت ثقيلة على لسانه، ليكمل بصراحةٍ مرتبكة:
- لكنه... ربما إعجاب. وأنا لا أنكره، لا أستطيع إنكاره، لكنني لا أعلم من أين جاء، ولا كيف تسلل إليّ، ولا حتى متى بدأ.
خفض نظره للحظات، يشعر بالضيق من عجزه عن تفسير شعورٍ لم يسمح له بالدخول إلى حياته يومًا.
فهو الذي اعتاد أن يزن الأمور بعقله قبل قلبه، وجد نفسه الآن يحاول فهم قلبه قبل أي شيء آخر.
ثم تنفس بعمق، وكأنه يحاول أن يعيد لنفسه ذلك الثبات الذي يعرفه، ليختم حديثه قبل أن تزداد أسئلتها، فهو لا يملك إجاباتٍ واضحة حتى لنفسه:
- في النهاية... لا تقلقي يا أمي، سيكون زواجًا حقيقيًا أمام الله وأمام القانون، وليس استغلالًا لها أو هروبًا من مسؤولية. أنا لم أتخذ هذا القرار بدافع الشفقة أو الاندفاع، بل بعد أن استخرت الله وطلبت مشورته، وسألت نفسي كثيرًا إن كنت قادرًا على تحمل هذه الأمانة.
ثم سكت قليلًا قبل أن يضيف بصوتٍ أكثر هدوءًا:
- كل ما أريده أن يكون اختياري صحيحًا، وأن يكتب الله لنا الخير، إن كان فيها خيرٌ لي ولها.
تهللت أسارير إبتهال، وقالت بسعادةٍ غمرت ملامحها:
- هل أنت جاد يا سليم؟ هل ستتزوجها حقًا زواجًا حقيقيًا، وتستقر في حياتك أخيرًا؟
أكد برأسه أكثر من مرة، ثم قال:
- أجل يا أمي، ولم أخبرك بقراري هذا إلا بعدما صليت صلاة الاستخارة أمس، ثم أعدتها فجر اليوم.
هدأت قليلًا من فرحتها، ثم سألت وهي تتذكر أمرًا كان يقلقها:
- يا بني، هل أنت مدرك لهذه الخطوة جيدًا؟ أعني... أنت تعلم أنها كانت تعيش في مجتمع يسمح بالاختلاط والعلاقات، فهل فكرت في هذه النقطة أم أنك نسيتها؟
بهتت ملامحه قليلًا لم يكن قد فكر في هذا الأمر مطلقًا، يا الله... كيف غفل عن أمرٍ كهذا؟ لقد نشأت في مجتمعٍ تختلف عاداته تمامًا، والعلاقات فيه أمرٌ مألوف، بل إن كثيرًا منهم يبدأ تلك العلاقات في سنٍ مبكرة.
ظل صامتًا، وقد شحب وجهه وهو يغرق في التفكير.
ابتسمت إبتهال وربتت على قدمه، بعدما أدركت ما يدور في رأسه، وقالت مطمئنة:
- أعلم تمامًا ما الذي تفكر فيه الآن، لكن اطمئن، الأمور بخير يا بني.
زفر براحةٍ واضحة، وشعر أن حديثها أزال ثقلًا كان يجثم على صدره، لينتبه إليها وهي تتابع:
- هذا ما تحدثنا عنه بعد اعترافها بحبك. لقد أكدت لي أنه لم يقترب منها أي شاب قط، ولا حتى أمبر، خطيبها السابق، هذا غير أنهم يشربون الخمر في مجتمعهم، لكنها أكدت لي أنها لم تضعها في فمها يومًا.
حمد الله في سرِّه، فقد كان هذا الأمر يؤرقه دون أن يشعر، وشعر أن الله قد لطف به.
ثم اعتدل في جلسته، وقال بهدوء:
- حسنًا يا أمي، يمكنكِ إخبارها بالأمر، وأحضري لي قرارها، لكن دون استعجال. وفي المقابل، خذي بعين الاعتبار أنه كلما كان القرار أسرع، كان بإمكاننا مواجهة الأمر بقوةٍ وحجةٍ أكبر.
ثم نهض من مكانه، وأضاف:
- سأذهب إلى غرفتي، فلدي موعد بعد قليل، وسأعود في المساء بإذن الله.
ضحكت بخفة، ثم أوقفته مازحة، وإن كانت تحمل شيئًا من الجدية:
- هل تعلم يا سليم؟ إذا أحبتك امرأة، فهذا يعني أن أصبح لك في الدنيا والدتان.
ابتسم لكلامها، ثم هز رأسه باستنكار، وقال وهو يتجه نحو الباب:
- إنني ذاهب يا أمي.
كانت إبتهال تراقب خروجه، تراجع تغير ملامحه وتلك الحيرة التي لم تعهدها فيه من قبل.
كان سليم دائمًا الرجل الذي يعرف ماذا يريد، الذي يتخذ قراراته بثباتٍ وهدوء، حتى في أصعب المواقف كانت تراه متماسكًا لا تهزه العواصف.
لكن الآن! كان أمامها ابنها يقف حائرًا أمام شعورٍ جديد عليه، يحاول أن يضع له اسمًا، ويبحث له عن تفسير، وكأنه يخشى الاعتراف بحقيقةٍ بدأت هي تلمحها بوضوح.
ابتسمت إبتهال بحنان، ليس سخريةً منه ولا فرحًا بارتباكه، بل لأنها رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل؛ رأته يهتم، يخاف، ويحمل همّ شخصٍ آخر وكأن ألمه أصبح جزءًا من ألمه.
لقد أدركت أن تردده لم يكن بسبب رفضه، بل بسبب خوفه من أن يظلمها، خوفه من أن يتخذ قرارًا لا يكون فيه رضا الله، وهذا ما جعل قلبها يطمئن أكثر.
تنهدت بهدوء فـ هذا ليس سليم الذي تعرفه... هذا ابني الذي بدأ يعرف معنى أن يحمل قلبه شخصًا آخر.
رغم أنها كانت ترى الإجابة واضحة أمامها، إلا أنها لم ترد أن تضغط عليه، فقد كانت تعلم أن بعض المشاعر تحتاج أن يصل الإنسان إليها بنفسه، لا أن تُفرض عليه من أحد.
اعتدلت في جلستها بسعادةٍ غامرة، وقد أعادت كتاب الله إلى الدولاب الصغير، قبل أن تتجه نحو غرفة ريليان المجاورة تحمل في داخلها دعاء أمٍّ رأت ابنها يقف على بداية طريقٍ جديد، وتتمنى أن يكتب الله له فيه السكينة والخير.
طرقت الباب بخفة، فسمعت صوت سارة يسمح لها بالدخول.
فتحت الباب، وما زالت الابتسامة تزين وجهها، ثم اقتربت من ريليان، التي كانت تقرأ القرآن، وقد وضعت سماعتي الأذن تستمع إلى التلاوة لتتعلم القراءة الصحيحة.
جلست إلى جوارها على حافة السرير، فرفعت ريليان رأسها نحوها، ثم نزعت السماعتين عن أذنيها وأغلقت التلاوة، قبل أن تقول بمحبة:
- الحمد لله يا خالتي، كيف حالكِ أنتِ؟
لم تستطع إبتهال إخفاء سعادتها، فقد كانت ملامحها كلها تنطق بها.
وفي تلك اللحظة، زحفت سارة على السرير حتى اقتربت من والدتها، ثم ضيقت عينيها وهي تقول بشك:
- ما كل هذه السعادة يا أمي؟ من يراكِ يظن أنكِ زوجتِ ابنك، وأنجبتِ حفيدًا!
ضحكت إبتهال بقوة، ثم ضربت كتفها بخفة، وقالت:
- أجل، هذا هو ما أريد إخباركن به.
بهتت ملامح ريليان بصورةٍ ملحوظة، وسرى الحزن إلى قلبها قبل أن يرتسم على وجهها. شعرت وكأن الحبيب قد أفلت من بين يديها، فالتقطت إبتهال ذلك الانكسار الذي مرَّ بعينيها.
ثم أكملت بمزاح:
- لكن عليكِ أولًا أن تخرجي يا سارة، فهناك أمر أريد أن أخبر ريليان به.
رفعت سارة يديها عن السرير، واستقرت على ركبتيها وهي ما تزال فوقه، وقالت بدهشة:
- حقًا؟!
ثم أبعدت خصلات شعرها خلف كتفها، وأردفت باحتجاجٍ لطيف:
- للتذكير فقط يا أمي، أنا وريليان في العمر نفسه، فلا تقولي لي: "اخرجي، فهذا حديث الكبار"، أو شيء من هذا القبيل.
ابتسمت ريليان لمزاحهما، رغم أن روحها كانت ما تزال تائهة، ثم انتبهت إلى إبتهال عندما وجهت إليها الحديث بجدية كاملة:
- اسمعيني يا صغيرتي... ألم تقولي إنكِ تحبين سليم؟
اصطبغ وجه ريليان بحمرةٍ قانية، وعاد ذلك الشعور الذي خمد داخل قلبها ليتقد من جديد.
أما سارة، فانفجرت ضاحكة وهي تقول:
- يا فتاة، منذ متى وأنتِ تخجلين؟! لا، لم أعهدكِ هكذا يا ريليان، لقد بدأت أشك فيكِ.
التقطت ريليان الوسادة وألقتها نحوها بضيق، محاولةً إخفاء خجلها، لكن سارة تفادتها بمهارة.
ابتسمت إبتهال، ثم قالت:
- حسنًا، استمعا إليَّ جيدًا، وأنتِ يا سارة، كفى مقاطعة، وإلا طردتكِ إلى الخارج.
أسرعت سارة نحوها، وألصقت نفسها بها وهي تقول بمكر:
- حسنًا يا أماه، أكملي، ولا تهتمي بي، اعتبريني غير مرئية.
ثم أمسكت ذراعها برجاءٍ مصطنع، ووسعت عينيها كجروٍ صغير يستجدي العطف:
- لكن لا تطرديني، فأنا أريد أن أعرف ماذا ستقولين لها.
ضحكت إبتهال بخفة، ثم وجهت بصرها إلى ريليان التي أخذت دقات قلبها تتسارع، وقالت بهدوء:
- إذا تقدم إليكِ سليم، فهل ستوافقين، أم أنكِ غير مستعدة للزواج الآن؟**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!