صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 10 من 14

الفصل العاشر

نظر سليم إلى أمبر بتفحّص، تجولت عيناه على ملامحه المشتعلة، كان الفك مشدودًا حتى كاد يطحن أسنانه، وعروق عنقه نافرة بوضوح، أما عيناه فكانتا محتقنتين بحمرةٍ حادة، تشتعلان بنظراتٍ لو أصابت إنسانًا لأحرقته. قبضت يداه بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، وارتفع صدره مع أنفاسٍ ثقيلة متلاحقة، وكأنه يبذل جهدًا هائلًا لئلا ينفجر غضبًا.
لم يدرِ سليم أكان ذلك الغضب بسبب هروبها منه، أم خوفًا عليها، أم أن شيئًا آخر كان يعتمل في صدره. لكنه كان متيقنًا من أمرٍ واحد؛ أن أمبر لو وقعت بين يديه في هذه اللحظة، فلن يتركها قبل أن يفرغ كل ذلك الغضب الذي يشتعل في داخله.
نظر إلى الحلقة التي تزين أذنه بضيق، ثم انتقلت عيناه إلى السلسلة الصليبية التي تحيط بعنقه، فتنهد مستغفرًا ربه في سرّه، ثم أعاد نظره إليه مجيبًا بهدوء:
- لا، لم أرها.
ضغط أمبر على يده ناظرًا إلى داخل المنزل من خلف كتف سليم، ثم تحدث بعصبية كبيرة:
- إذًا أين هي؟ لقد أخبرني السائق أنه أوصلها إلى هذه المنطقة، ولم يتبقَّ سوى هذا المنزل.
نظر إليه سليم بثقة وهدوء، ثم ابتعد قليلًا عن الباب مفسحًا له المجال:
- إن كنت غير مصدّق أنني لم أرها، يمكنك التأكد بنفسك والبحث داخل المنزل، تفضل.
بدأت ملامح الرعب تزحف إلى وجه ريليان من جديد بعدما كانت قد تنفست الصعداء حين لم يخبره بوجودها. اتسعت عيناها بذعر، وتسارعت أنفاسها حتى كادت تختنق، بينما انهمرت دموعها بلا توقف.
أخذ جسدها يرتجف رغماً عنها، واحتضنت السلسلة الصليبية بين كفيها المرتعشتين تعصرها بقوة، وكأنها تتشبث بآخر خيطٍ يمنحها شعورًا بالأمان، وأخذت تردد في سرّها دعواتٍ متلاحقة إلى الرب أن يكون معها، وأن ينجيها من هذا الموقف، وأن تخرج منه سالمة.
نظر أمبر إليه بضيق محاولًا كتم غضبه، يبدو أنه رجل دين، وهذا واضح من هيبته وهدوئه الرزين، إذًا هو مسلم.
- صدقًا أيها الشاب، إن علمت أو تبين أنها كانت لديك، فسوف تجد ما لا يسرك.
ثم أردف قاطعًا شكه باليقين:
- يبدو أنك من المحمديين؟
ابتسم له سليم بهدوء مجيبًا:
- أجل، هذا صحيح، إنني من أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
نظر إليه أمبر بنظرة كره واستعلاء، ثم تراجع عن الباب مخاطبًا إياه:
- هذا واضح، لكن إن كنت كما تدّعي فسأصدق حديثك هذا، فلا تجعلني أندم على تصديقي لك.
ابتسم سليم ابتسامة سمحة وقال:
- ها هو البيت أمامك، ولا أحد من عائلتي هنا، يمكنك البحث حتى لا تندم.
التف أمبر بجسده مولّيًا إياه ظهره وهو يمسك هاتفه:
- لا أريد، إنني أصدقك.
أغلق سليم الباب متنهدًا بعدما غادر أمبر، ثم تحرك نحو الداخل، لكنه توقف عندما استمع إلى صوت ريليان المتحشرج:
- شكرًا لك يا سليم، وأعتذر لأنني جعلتك تكذب من أجلي.
ضرب جبهته متذكرًا كيف نسي وجودها أصلًا وأغلق الباب خلفه. أخذ نفسًا عميقًا وابتعد عنها حين شعر بقربها، ثم خاطبها بتعجب:
- ومن قال لك إنني كذبت من أجلك؟
نظرت إلى ظهره عاقدة حاجبيها:
- كيف هذا؟ أنا هنا أمامك.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء:
- لم أكذب يا آنسة، وهذا ليس من شيمي.
تحدثت باستفسار وتعجب:
- إذًا أخبرني كيف حدث ذلك؟
أجابها وهو يتجه نحو الباب ويفتحه:
- ببساطة لأنني لا أعرف شكلكِ جيدًا حتى الآن، وبالتالي أنا لم أركِ، أي أنني صادق. هل فهمتِ؟
أومأت برأسها متفهمةً وهي تبتسم، ثم نظرت إلى الباب المفتوح بخوف:
- ماذا تفعل؟ أغلقه.
أجابها بهدوء رزين:
- يمكنكِ الذهاب إلى منزلك يا آنسة، فليس من الأخلاق أن تبقي في بيت رجل ليس محرمًا لكِ.
تقدمت نحوه متوسلة:
- أرجوك، اسمح لي بالبقاء، أعدك بألا أزعجك أبدًا.
نظر إلى مقبض الباب نافيًا:
- لا يجوز يا آنسة، يمكنكِ الذهاب إلى منزلك.
مسحت دمعة خانتها، ثم ابتسمت بخفة. يبدو أن مخزون الدموع لديها فائض حقًا. كم هي غبية! كيف خطر لها هذا التفكير الأرعن بأن تبقى معه في مكان واحد؟
توجهت نحو حقيبتها وأخذتها، ثم زفرت بتقطع وهي تتجه نحو الباب، ناظرةً بتأمل إلى تفاصيل وجهه المحببة لقلبها:
- شكرًا لك يا سليم، وشكرًا لمساعدتك لي، أوصل سلامي لخالتي ابتهال ولسارة.
هز رأسه بخفة، لكنها توقفت قبل أن تخرج حين شعرت باهتزاز هاتفها.
استغفر ربه متنهدًا:
- أستغفرك ربي وأتوب إليك. يا آنسة، من فضلك اذهبي إلى بيتكِ.
تحدثت باكيةً وهي تتوسل إليه:
- إن ذهبتُ الآن فسوف يذيقني والدي أشدَّ العقاب، خاصةً أنني هربت من هناك. إنني لا أريد أمبر.
ثم أكملت بكلماتٍ لم يفهمها جميعها:
- أنت لا تعلم كيف هو والدي، إنه شديد جدًا، ولا يستمع إليّ، خاصةً إن علم أنني هنا في منزل شخصٍ مسلم، فسألقى حتفي لا محالة. أرجوك، فقط هذه الليلة، وأعدك أن أرحل صباحًا.
تنهد متأثرًا بحالها، خاصةً بعدما استمع إلى بكائها المرير. إنه لا يحتمل أن يشاهد شخصًا يبكي أو يلجأ إليه ولا يساعده، لكن إن ساعدها فقد يلحق بها ضررًا أكبر مما سيفعله برفضه. كان حقًا في حيرةٍ كبيرة من أمره.
زفر بثقل، ثم أفسح لها المجال للدخول مخاطبًا إياها بتردد:
- حسنًا يا آنسة، يمكنكِ البقاء هذه الليلة فقط، وفي الصباح يمكنكِ المغادرة. وأتمنى أن تكوني بخير، لكن يجب أن تطمئني والدتكِ على الأقل.
ابتسمت بسعادةٍ كبيرة غير مصدقةٍ ما سمعته أذناها، ثم مرت من جانبه نحو الداخل وهي تحمد الرب على مساعدته لها للمرة الثانية.
استمعت إلى صوته الرزين، فالتفتت إليه لتجده ما زال واقفًا أمام الباب:
- يمكنكِ تبديل ثيابكِ بثياب سارة، لا أظنها ستعارض الأمر، وإن احتجتِ إلى الطعام فلكِ ذلك، فالبيت تحت تصرفكِ.
خاطبته مستفسرة:
- أين ستذهب؟
أجابها بهدوء:
- سوف أكون بالخارج، وإن احتجتِ إلى شيء فأنا في الحديقة.
نظرت إليه بحزن. هل سيترك البيت من أجلها حقًا؟ لم تعد تستوعب تصرفاته هذه، فسألته باستفسارٍ حقيقي:
- ولماذا تبقى في الحديقة؟ يمكنك البقاء هنا أيضًا، فهذا بيتك بالنهاية.
أخذ نفسًا عميقًا ليجيبها بسلاسة، وكأنه يتعامل مع طفلة صغيرة:
- لا يجوز يا صغيرة أن نكون معًا على انفراد في البيت نفسه، فهذه تُسمّى خلوةً محرمةً في دين الله. ولو كانت بين أصلح الرجال وأتقى النساء فهي حرام في دين الله جل وعلا.
ثم أردف:
- قال صلى الله عليه وسلم: «لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان». هل فهمتِ؟
هزّت رأسها بتفهمٍ نوعًا ما. حسنًا، سوف تحترم قراراته ورغباته.
ابتسمت قليلًا عندما أغلق الباب خلفه، ثم نظرت حولها متنهدةً، واتجهت نحو غرفة سارة لتبدل ثيابها بأخرى مكونة من سروالٍ منزلي أبيض وقميصٍ أحمر قانٍ، ثم مسحت مستحضرات التجميل بضيق، والتي جعلتها تبدو أكبر من عمرها. صحيح أنها تضعها في أوقاتٍ أخرى، لكن ليس بهذا القدر المزعج.
خرجت من الغرفة متجهةً نحو حقيبتها، وجلست على الأريكة لتخرج هاتفها مفكرةً في حجةٍ ترسلها لأمبر.
ضغطت بأناملها لتكتب:
«عزيزي أمبر، أعتذر لتركك بمفردك، لكنني ذهبت إلى بيت صديقتي المقربة جدًا، فهي كانت بحاجةٍ إليّ. أعدك بيومٍ أعوضك فيه عما حدث، اعتذارًا مني.»
بعد ذلك ضغطت على رقم والدتها، فأجابتها الأخرى بقلق:
- أين أنتِ يا ريليان؟ سأموت من القلق يا بنيتي.
أجابتها بهدوءٍ تخفي توترها:
- أنا بخير يا أمي، إنني عند صديقتي. لقد هاتفتني وطلبت مساعدتي، وأنا في بيتها الآن.
ثم أكملت بتوجس:
- أمي، كيف عرفتم؟
أجابتها جوليا وقد بدا عليها بعض الارتياح:
- أحمد الرب أنكِ بخير. لقد هاتفني أمبر ليسأل إن كنتِ قد عدتِ أم لا، لأنه بحث عنكِ ولم يجدكِ. لقد أراد إخبار والدك، لكن رلين منعته، لأنك تعلمين شدة غضب والدك. لكن هل ستبقين هناك طويلًا؟
تنفست براحةٍ تامة لعدم إخبار والدها، لكن كيف أخبرها أمبر أنه موجود عنده؟ هل أراد إخافتها فقط؟
حسنًا، سوف تحاسبه على ذلك لاحقًا.
أخذت نفسًا عميقًا مبتسمة:
- سوف أبيت عندها اليوم إن لم يكن لديكِ مانع، وقد أرسلت رسالةً لأمبر أخبره فيها بالأمر.
ابتسمت لها جوليا بحنان:
- لا بأس، ابقي عندها. أما والدك فسأتدبر الأمر، لكن يجب أن يوافق أمبر.
تنهدت بارتياح:
- أجل، لا تقلقي يا أمي.
بعد أن أغلقت مع والدتها، هاتفت رلين مبتسمةً. وما إن أجابت الأخرى حتى قالت:
- شكرًا لكِ يا رلين.
أجابتها الأخرى بضيق وهي تزم شفتيها:
- أين ذهبتِ؟ لقد متُّ قلقًا عليكِ يا ريليان. أنتِ لا تعلمين ماذا يحدث لي إن أصابكِ مكروه. أين أنتِ؟
تحدثت بحزنٍ دفين وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها:
- أعتذر يا رلين، لكن صديقتي كانت بحاجةٍ إليّ، ولم أقصد ما حدث. سامحيني.
أجابتها رلين بمحبةٍ كبيرة:
- المهم أنكِ بخير. كدت أموت عندما كاد أمبر أن يخبر والدي. لقد منعته أنا وأليس بصعوبةٍ كبيرة.
تحدثت بامتنان:
- شكرًا يا رلين، إنني أحبكِ، هل تعلمين؟
ابتسمت رلين بشعورٍ مماثل:
- وأنا أحبكِ أيضًا يا حبيبتي. هل ستتأخرين؟
هزّت ريليان رأسها وهي تنهض متجهةً نحو المطبخ:
- أجل، سوف أبيت عندها اليوم وآتي صباحًا. إنها تواجه مشكلةً وخائفة أيضًا.
أجابتها رلين بطيبة:
- أتمنى أن تكون بخير، أوصلي لها تحياتي وأمنياتي بالخير.
شعرت ريليان بغصةٍ في حلقها بسبب كذبها على توأم روحها:
- حسنًا يا حبيبتي، سوف أغلق الآن.
رفعت رأسها إلى الأعلى، لا تريد أن تبكي، لا تريد ذلك. أخذت كوب الماء ترتشفه بمرارة وهي تشعر بضيقٍ في صدرها. هناك شيء يضغط عليها، لكنها لا تعلم ما هو.
خرجت إلى الخارج، وأخذت تبحث بعينيها في الخلاء حتى وقع بصرها عليه. اقتربت من النافذة ببطء، وكأنها تخشى أن يبدد أي صوتٍ تلك اللحظة، ثم أسندت يديها إلى حافتها ونظرت إليه.
كان سليم جالسًا على مقعدٍ بهدوء، يغوص بين صفحات كتابه في تركيزٍ وسكينة، حتى بدا وكأن العالم بأسره قد انكمش حوله.
طال تأملها له، وغرقت عيناها في ملامحه دون أن تشعر. زفرت زفرةً خافتة، بينما أخذ قلبها يخفق بقوةٍ غير مألوفة، حتى خُيِّل إليها أن نبضاته تُسمع من شدة اضطرابها. اجتاحها شعورٌ دافئ لم تعهده من قبل، وارتعشت أطرافها ارتعاشةً خفيفة، كأن شيئًا ما يتسلل إلى أعماق قلبها لأول مرة.
همست في داخلها، وقد تراقص الأمل رغمًا عنها:
"هل... يمكن أن ينظر إليَّ يومًا ما؟"
لكنها ما لبثت أن أفاقت من شرودها، فانكمش ذلك الأمل سريعًا، وعاتبت نفسها بمرارة، وكأنها تخشى أن تخدع قلبها قبل أن يخدعها الواقع:
"لا تبني أحلامًا ستستيقظين بعدها على سرابٍ يا ريليان... فلا تؤلمي قلبك بانتظار ما قد لا يأتي أبدًا."
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.