الفصل الثامن والستون
**
أما ريم، فقد كان أسبوعها يمضي كبقية الأيام، اعتياديًا، لا تفعل سوى الدعاء بأن يكون إبراهيم بخير بسبب التحاليل التي يجريها.
زفرت بتوتر وقلق لتجيبها:
- لا أعلم يا كيان، إنني قلقة. هل تعلمين أنني لم أعلم إلا بالأمس؟ حتى إن سما لم تعلم إلا في الصباح قبل ذهابه.
تنهدت كيان وهي تنظر إلى الساعة التي قاربت على التاسعة مساءً:
- أتمنى أن يخرج بالسلامة يا ريم، لكن كيف لم يخبركم بذلك؟
زفرت ريم لتخاطبها بعقلٍ مشغول:
- تعلمين أن الأمس كان يومي، لذلك أخبرني قبل أن يخلد للنوم. كنت أظنه أخبر سما، لكن المسكينة لم تكن تعلم. ذهبت لأحضر له بعض الثياب من غرفته هو وسما، فسألتني مستفسرة عن القطع التي أخذتها، وانطلقت كالإعصار نحو غرفتي عندما أخبرتها أنه ذاهب لإجراء العملية الآن، وأن أخاه وصديقه ينتظرانه. إنها تقلقني ببكائها الذي لم ينقطع.
سألتها كيان بشك، متعجبةً مما تسمعه:
- وأنتِ يا ريم، ألا تشعرين بالخوف عليه؟
أجابتها ريم متنهدة وهي تنظر إلى عمر وعلي:
- بصراحة، أجل أشعر بالخوف، لكن ليس من أجلي، بل من أجل أبنائه. فموضوع التخدير الكامل يقلقني.
أجابتها كيان مستنكرة ما تفوهت به ريم:
- اعذريني يا ريم، لكنكِ لستِ صادقة في إجابتك. خوفكِ هذا ليس من أجل أبنائكِ فقط، بل بسبب حبكِ له الذي ما زال موجودًا.
أجابتها ريم مدافعةً عن نفسها بإصرار:
- لا يا كيان، ليس من أجلي ولا من أجل حبي المنعدم له. هل تعلمين؟ ربما لأنني تذكرت إجراء عمر لعملية، فتذكرت الأجواء حينها. أتعلمين أنه لم يكن معي وقتها؟ كنت وحيدة وابني داخل غرفة العمليات، لا أعلم مصيره، وكلما اتصلت به أخبرني أنه مشغول وليس متفرغًا.
لم تفهم كيان ما علاقة هذا الأمر بالحديث، لكن يبدو أن ريم كانت تخرج ما في داخلها لتشعر ببعض الراحة.
وبعد فترة خاطبتها بسبب اتصال والدة زوجها، فقد كان أخو إبراهيم يخبر والدته بوضع إبراهيم، وهي بدورها تهاتف ريم وتخبرها بآخر التطورات.
زفرت ريم بتوتر لتجيبها:
- أكاد أجن يا كيان، لقد دخل غرفة العمليات منذ الساعة الثالثة والنصف وحتى الآن لم يخرج، مع أنه كان من المفترض أن يكون قد خرج منذ أربع ساعات.
بدأ القلق يتسرب إلى كيان، فدعت الله أن يخرجه سالمًا، ليس من أجله فقط، بل من أجل ريم وأبنائه، ثم خاطبتها بابتسامة مطمئنة:
- أغلقي يا ريم، وإن حدث أي تطور أخبريني، حسنًا؟ لكن الجئي إلى الله وادعي له.
تنهدت ريم والخوف ما زال يعتريها:
- حسنًا، دعيني أذهب إلى سما التي تبكي، وأحاول أن أخفف عنها بعض الشيء أولًا.
أومأت كيان بهدوء:
- حسنًا يا ريم، اذهبي واستغفري الله وادعي في صلاتكِ أن يخرج سالمًا.
نظرت ريم إلى سما التي تحتضن عمر، ثم نقلت أبصارها إلى علي الذي غفا بجانبها:
- إنني أفعل ذلك يا كيان، وصدقيني لم أتوقف إلا عندما حادثتكِ.
أغلقت ريم الاتصال مع كيان، وما هي إلا ثوانٍ حتى ارتفع رنين هاتفها مرة أخرى. نظرت إليه لتجده والدة زوجها، فأجابتها بتلهف واضح:
- أخبريني يا أمي، ما الأخبار؟ هل خرج؟ هل هو بخير؟
أجابتها سعاد بابتسامة مرتاحة:
- أجل، لقد خرج للتو وهو بخير، الحمد لله.
زفرت ريم بهدوء، ناظرةً إلى سما التي تنظر إليها بترقب. وبعد أن أغلقت مع سعاد اقتربت منها وابتسمت لها براحة:
- لقد خرج وهو بخير، الحمد لله.
رمشت سما بأهدابها بعدم تصديق، ثم عانقت ريم بسعادة كبيرة وهي تخاطبها ببكاء:
- إنه بخير... الحمد لله، الحمد لله.
ابتسمت ريم لها بعدما ابتعدت عنها، ثم نظرت إلى عمر:
- لقد خرج والدك وهو بخير.
أومأ بهدوء ليجيبها:
- الحمد لله على سلامته.
تنهدت ريم وهي ترى الجدار المبني بين أبنائها وإبراهيم، لكن ما باليد حيلة. أرسلت رسالة إلى كيان تخبرها أنه خرج قبل قليل، ثم ذهبت نحو علي وأيقظته حتى ينام على سريره.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
أغلق سليم باب الغرفة بهدوء بعدما أخبرته والدته أن ريليان تنتظره في الداخل.
كان كل شيء قد انتهى... انتهى اليوم الذي طالما حمل في داخله الكثير من التردد والخوف والتساؤلات. انتهى حفل الزفاف الذي أقامه في منزله، فلم يشأ أن يكون في قاعة أو مكانٍ صاخب، فقد أراده عائليًا هادئًا، يشبهه ويشبه ما يتمناه لهذه البداية الجديدة.
لم يحضر سوى جيرانه، وزوجات أصدقائه، وأقاربه من جهة والده، وهمام وعائلته، وأمل بالتأكيد. أما خاله هاشم، فلم يحضر رغم محاولاته، ولم يشأ أن يستجيب له، وبالتالي لم تحضر سمر.
كان الحفل إسلاميًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فالرجال منفصلون عن النساء، وقد جهز سليم الطابق السفلي للنساء وكأنه قاعة أفراح خاصة بهن، وقد وافقت ريليان على ذلك بعدما أعجبتها الفكرة وشعرت براحة تجاهها.
أحضر فرقة نسائية تنشد بالدف، وكانت أصواتهن الهادئة تبعث الطمأنينة في النفوس، خالية من أي موسيقى.
أما الرجال، فكانوا في الخارج، في حديقة المنزل، يتناوبون على إلقاء الكلمات والمحاضرات الدينية؛ حديث عن الزواج وآدابه، وآخر عن حسن معاملة الزوج لزوجته، ومثل هذه الأمور التي تليق ببداية حياة جديدة.
وبالطبع لم تخلُ الجلسة من المزاح مع سليم، خصوصًا حول أهمية صلاة الفجر، وأنه لن يتركها أو يتأخر عنها من أجل امرأة مهما كانت.
تقدم منها بابتسامة هادئة عندما وجدها ترتدي الحجاب الذي بدا متناسقًا مع فستانها الأبيض.
توقف للحظة متعجبًا...
لقد كان الزفاف للنساء فقط، فلماذا ارتدته؟
كان الأمر غريبًا بالنسبة له، لكنه لم يسألها، واكتفى بالنظر إليها بصمت.
بدأت دقات قلبه تتسارع عندما جلس بجانبها، لترفع ريليان عينيها نحوه بوجهٍ يشع خجلًا واحمرارًا. لم تكن تضع مساحيق تجميل، سوى ذلك الخط الأسود العريض الذي يحيط بعينيها البندقيتين، والذي لم يزدها إلا جمالًا ورقة.
لأول مرة يكون في غرفة مغلقة مع امرأة، لكن هذه المرة لم تكن امرأة غريبة عنه... كانت زوجته الآن.
حاول أن يستجمع ثباته، رغم ذلك الارتباك الذي لم يعتده، ثم خاطبها بابتسامة هادئة وصوتٍ خرج مترددًا قليلًا:
- مبارك لكِ.
أجابته بصوت مرتعش، وهي تفرك كفيها ببعضهما من شدة التوتر:
- شكرًا لك.
ظل ينظر إليها للحظات، وكأنه يحاول استيعاب أن هذه الفتاة الجالسة أمامه أصبحت شريكته في الحياة.
ثم اعتدل بهدوء، وخلع سترة بدلته السوداء، وبعدها فك أزرار أكمام قميصه، ليقول لها:
- المرحاض أمامكِ، يمكنكِ تبديل ثيابكِ. سأنتظركِ لنصلي لله تعالى.
أومأت له بخجل، ثم أمسكت بطرف فستانها متوجهة نحو المرحاض، بعدما أخذت ثيابها وملابس الصلاة.
جلس سليم على المقعد بعدما وضع سجادة الصلاة على الأرض، وظل ينظر أمامه بشرود.
لم يكن يفكر في شيء محدد، فقط كان يشعر بثقل اللحظة.
لحظة أن يبدأ حياة جديدة.
لحظة أن يصبح مسؤولًا عن قلبٍ آخر.
قاطع شروده صوت إغلاق الباب، فرفع عينيه إليها برفق.
ابتسم بهدوء عندما اقتربت منه بخطوات خجلة، وقالت بصوتٍ منخفض:
- أنا جاهزة.
اعتدل في جلسته ليقف على سجادة الصلاة، مستفتحًا حياته الجديدة بشكر الله وحمده، ومن خلفه وقفت ريليان تؤدي الصلاة معه.
وبعد أن انتهيا، التفت إليها وهو ما زال جالسًا، ثم رفع يده ووضعها على رأسها، داعيًا بصوتٍ هادئ:
- اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه.
بقيت للحظات صامتة، تشعر بثقل المشاعر التي اجتمعت في قلبها.
اقترب برأسه نحو جبينها بتردد، وكأنه يخوض شعورًا جديدًا عليه، ثم قبّله بهدوء.
ابتعد بعدها وهو يأخذ نفسًا عميقًا، بينما كانت هي تنظر إليه بابتسامة خجولة وقد غلب الاحمرار وجهها.
قالت بصوتٍ يحمل أمنية صادقة:
- أتمنى أن أكون زوجة كما يحب الله ويرضى... وأن نكون رفاقًا في هذه الدنيا، ورفاقًا إلى جنة الخلد.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!