الفصل المئة وتسعة وأربعون
**
لكنه لم يتسمع بل تقدم خطوة، فتراجعت هي خطوةً للخلف:
- أرجوك... لا تقترب.
ثم رفعت صوتها نحو الخارج:
- أمل! افتحي الباب... لم أتوقع منكِ هذا أبدًا.
ابتسم همام ابتسامةً خافتة، وقال:
- لا تتعبي نفسكِ...هي ليست بالخارج أيضًا.
ازدادت أنفاسها اضطرابًا، وهمست وهي تواصل التراجع:
- أرجوك يا همام... ابتعد، لا يصح ما تفعله.
وقف أمامها، وعيناه تغرقان بالشوق والندم، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
- لكنني اشتقت إليكِ يا سارة...أعلم أنني أخطأت...ولكـ
قاطعته بعنف، واضعةً كفيها على أذنيها:
- لا أريد أن أسمع حرفًا واحدًا! ابتعد عني...أنا أكرهك يا همام.
شعر وكأن آلاف السكاكين غرست دفعةً واحدة في قلبه. لكنه لم يملك حق الاعتراض...فهي محقة.
اقترب منها خطوةً أخرى فرفعت يدها تمنعه، قائلة بصرامة:
- أنا متزوجة...ابتعد عني.
انطلقت منه ضحكة قصيرة، أثارت استغرابها، ثم نظر مباشرةً إلى عينيها متحدثًا:
- كاذبة، لقد أخبرني كريم بكل شيء صدقيني...كنت أود قتله عندما علمت، لكنني سامحته. بل أنا مدينٌ له. لقد ساعدني كثيرًا.
شحب وجهها، وحدقت به بصدمةٍ حقيقية:
- ماذا؟! كريم؟! مستحيل...كريم لا يمكن أن يفعل ذلك بي.
هزت رأسها بعدم تصديق. بينما تنهد همام بهدوء، ثم اجاب:
- بل فعل. وأنا هنا معكِ...بإذنه لا تقلقي.
ثم وضع يده على رأسه بعدما اجتاحه صداعٌ حاد، قائلًا بصوتٍ متهدج:
- أقسم لكِ يا سارة...لم أرد أن أؤذيكِ، كنت أغبى رجلٍ على وجه الأرض، ظننت أنني سأجعلكِ سعيدة، وأنني سأريحكِ من رجلٍ مريض مثلي، لم أكن أعلم أنكِ تحبينني بهذا القدر...ولم أتخيل يومًا أنكِ لن تتزوجي بعدي، صدقيني...أنا نادم.
ضحكت ضحكةً موجوعة، تكاد تكون أقرب إلى البكاء، ثم اجابته بإستهزاء:
- أحبك؟! هل أنت واعٍ لما تقوله يا همام؟ وعن أي ندمٍ تتحدث؟
ثم انفجر الألم من بين كلماتها:
- هل تعلم كم كنت وما زلت أتألم؟ أنت لم تعش جزءًا يسيرًا مما عشته!هل تعرف شعور أن تكون وحيدًا... مكسورًا....لا تتمنى من الحياة سوى الخلاص؟ هل تعرف معنى أن تعيش خمس سنوات كاملة، تحمل خنجر الغدر في قلبك؟ أن تسمع همسات الناس ولمزاتهم؟
أكمل بغصة آلمته أكثر من ذي قبل، بينما اختنق صوتها:
- أن تنظر إليك بعض العيون باحتقار، وأخرى بشفقة...لأنهم يظنون أنك عقيم...بينما الحقيقة أنها كانت خدعةً منك...وخطةً دبرتَها بدمٍ بارد.....لن أسامحك عليها أبدًا.
توقفت لحظة، ثم أكملت بصوتٍ متجمد، بينما الألم يحطم ما بقي منها:
- أتدري كيف كانت لياليَّ؟ مظلمة...باردة...أنتظر كل صباحٍ أن أستيقظ فأكتشف أن ما حدث مجرد كابوس..لكنني كنت أفيق على الحقيقة ذاتها...كل يوم...كل ذكرى جميلة معك تحولت إلى كابوسٍ يلاحقني أينما ذهبت.
ثم ابتسمت ابتسامةً باردة، تنهي حديثها بضربةٍ في صميم قلبه:
- أتدري يا همام؟ أنا أكرهك...بقدر ما أحببتك. وأتمنى...أن تموت في هذه اللحظة.
أغمض عينيه، يحاول أن يمنع دمعةً خانته. لقد عانت صغيرته أكثر مما تخيل، وفجأة شعر بدوارٍ شديد.
وضع يده على رأسه، وكاد يسقط أرضًا، لكنها أسرعت نحوه، وأسندته بلهفة:
- همام! هل أنت بخير؟
ابتسم رغم ألمه، يخاطبها بصوتٍ واهن:
- ما زلتِ تحبينني يا سارة...وقلقكِ هذا...أكبر دليلٍ على كذب كلماتك.
ساعدته حتى جلس على السرير. ثم مسحت دموعها بعصبية، لقد فضحها خوفها... وفضح قلبها.
اتجهت نحو الباب، وما إن وضعت يدها على المقبض حتى أوقفها صوته، كان صوته هذه المرة منكسرًا...مليئًا بالندم:
- أعلم...أن اعتذاري لن يمحو خمس سنواتٍ من الألم، ولن يعوضكِ عن كل دمعةٍ ذرفتها بسببي، لكن...أعطيني فرصةً أخرى، وأعدك أن أقضي بقية عمري أعوضكِ عن كل ذرة وجعٍ شعرتِ بها.
ثم قال برجاءٍ كاد يبكي معه:
- فقط...فرصة واحدة أرجوكِ.
أغمضت عينيها للحظة، ثم خرج صوتها مهتزًا:
- أعتذر يا سيد همام...لا توجد فرصٌ أخرى لك عندي والآن...افتح الباب، من فضلك.
هز رأسه بإصرار، عجيب اثار مشاعرها:
- لن يُفتح الباب...إلا إذا وعدتِني بفرصةٍ ثانية، وإن كان الأمر عند سليم..فسأذهب إليه بنفسي.
التفتت إليه بسرعة، واتسعت عيناها خوفًا:
- لا! أرجوك... لا تفعل.
أخذت شهيقًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء، متحدثة بعد صراعٍ مرير مع قلبها:
- حسنًا...أعطني بعض الوقت لأفكر.
نظر إليها بعدم تصديق، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. فتنهدت، ثم قالت بصدقٍ ظهر في عينيها:
- أعدك أن أفكر لكن...لا تبنِ آمالًا كبيرة على أنني سأسامحك.
في تلك اللحظة... شعر همام وكأنه امتلك الدنيا بأسرها، فمجرد موافقتها على التفكير...كان بالنسبة إليه بداية حياةٍ جديدة.
رفع هاتفه بسرعة، ثم قال والابتسامة تغمر وجهه:
- أمل...افتحي الباب، وتعالي إليّ.
رمقته سارة بنظرةٍ خاطفة، امتزج فيها الغضب بالحيرة، ثم خرجت من الغرفة، وقلبها يخفق بعنف، بعدما فتحت أمل الباب وهي تبتسم بسعادة، قبل أن تندفع نحو عمها تحتضنه، وقد أدركت أن الأمل الذي كاد يموت ها قد عاد لينبض من جديد.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
أمسكت خديجة هاتفها، طالبةً رقم سليم ليأتي ويصطحبها إلى المنزل، وكادت تضع الهاتف على أذنها، حتى انفتح الباب، ودلفت رلين، وإلى جوارها طفلاها: جرير وسام، التي كانت تشبه والدتها إلى حدٍ كبير.
أسرعت سام، ذات العامين، نحو خديجة، وارتمت بين ذراعيها بسعادة الأطفال الخالصة.
ضحكت خديجة من أعماق قلبها، وحملتها بين يديها باشتياقٍ كبير، ثم أخذت تقبل وجنتيها الناعمتين، اللتين تشبهان حلوى الخطمي في طراوتهما، مما جعل الصغيرة تقهقه بفرحٍ عذب.
رفعت خديجة عينيها نحو رلين، لكن الأخيرة تجاوزتها وكأنها لم ترها أصلًا، واتجهت مباشرةً نحو جوليا، التي كانت تحمل محمد بين ذراعيها، بينما كان جرير الصغير محاطًا بدينا، وبسمة، وماكس، ابن ستيف ذي الأعوام الأربعة.
أطلقت خديجة تنهيدةً طويلة أثقلت صدرها..ما زالت شقيقتها... بل نصفها الآخر تتجنبها، وترفض حتى مجرد الحديث معها، صحيح أنها تلعب مع أطفالها، وتغدق عليهم حبها وحنانها، لكنها معها هي...
جدارٌ من الصمت، وكم كان ذلك يؤلمها، كيف يمكن لروحٍ واحدة أن تنشطر إلى نصفين، ثم يعجز أحد النصفين عن العودة إلى الآخر؟ لقد حاولت معها مرارًا....لكن رلين كانت تصدها في كل مرة، لماذا لا تتقبل الأمر كما فعلت جوليا، وستيف، ومايا، وحتى التوأم؟
لقد عاد الجميع إليها كما كانوا في السابق...إلا رلين...ووالدها جرير ذلك الرجل الذي لا يقابلها إلا بعبوسٍ وضيق، حتى باتت تشعر، كلما دخلت هذا المنزل، أنها غريبة...كائنٌ غير مرغوبٍ بوجوده؛ ولهذا لم تعد تمكث طويلًا، تأتي فقط ليحظى أطفالها بدفء العائلة، وحتى لا تحرمهم منهم.
خرج صوت جرير مرحبًا برلين، وابتسامةٌ هادئة تشق ملامحه التي ازدادت وقارًا مع السنين:
- كيف حالكِ يا حبيبتي؟
ابتسمت له رلين برقة، تجيبه:
- بخير يا أبي، وكيف أصبحت صحتك؟ أراك أفضل من ذي قبل.
أومأ برأسه، ثم انحنى يقبل وجنة دينا، التي كان يعشقها كثيرًا، وقال مبتسمًا:
- والسبب هذه الصغيرة...فهي لا تكف عن إطلاق النكات المضحكة، فتجعلني سعيدًا.
ثم التفت إلى بسمة، وقبل وجنتها أيضًا. لكن الصغيرة عقدت حاجبيها وقالت بعبوسٍ لطيف:
- وماذا عني يا جدي؟
ضحك جرير بحب، ونظر إليها بحنانٍ بالغ:
- وأنتِ أيضًا...تجعلينني سعيدًا بتقليدكِ الرائع للأشخاص، والأصوات المضحكة بذلك الصوت الصغير، أسأل الرب ألا يحرمني منكم.
تبادلت بسمة ودينا نظرةً سريعة، ثم نظرتا إلى خديجة بشيءٍ من التوجس، فقد علمهما سليم، بأسلوبٍ بسيط يناسب عقليهما الصغيرين، أن عائلة والدتهما تختلف عنهما في العقيدة، وأن عليهما ألا ترددا كل ما يسمعانه، لأن الدعاء يكون لله وحده، وقد فهمت الصغيرتان ذلك جيدًا.
أخرج صوت جوليا خديجة من شرودها وهي تسأل:
- متى سيأتي سليم يا ريليان؟
ابتسمت خديجة ابتسامةً خفيفة، بعدما أخذت نفسًا عميقًا تخفي به ما يعتصر قلبها، ثم أجابت:
- لم أحدثه بعد يا أمي...سأتصل به الآن.
التفتت مايا إلى رلين، وسألتها بفضول:
- أين ديفيد؟ ولماذا لم يأتِ معكِ؟
اختلست رلين نظرةً سريعة نحو خديجة، كانت الأخيرة تنظر إليها بانكسار، بينما وضعت يدها فوق انتفاخ بطنها، تنهدت رلين بثقل كانت تريد أن تعود إليها...إلى نصف روحها...لكن شيئًا بداخلها كان يمنعها...شيءٌ لم تستطع تجاوزه بعد.
لذلك أجابت مايا بهدوء:
- ذهب مع أمبر، وابنته ريليان، إلى طبيب الأسنان، ثم سيتوجهان إلى الشركة لإنهاء بعض الأعمال المتراكمة.
أومأت مايا برأسها، وهي تنظر إلى خاتم خطبتها الذي يزين إصبعها، وفي تلك اللحظة، وضعت جوليا الصغيرة، ابنة ستيف ذات الأشهر الثلاثة، في حضن رلين، وقالت ببساطة:
- إذًا خذيها... أريد أن أتحدث مع ماريوس.
رفعت رلين حاجبها باستغراب، ثم قالت مازحة:
- حقًا؟! إنكِ وقحة يا فتاة! أنا هنا ضيفة، والمفترض أن تكوني أنتِ من يحمل الأطفال جميعًا ويهتم بهم.
كادت خديجة تتقدم لتقول:
"أعطيني جوليا الصغيرة." لكن الكلمات ماتت قبل أن تخرج تراجعت في آخر لحظة...فهي لم تعد تحتمل نظرات الرفض، ولا ذلك الضيق الذي ترتسم ملامحه على وجه شقيقتها كلما حاولت الاقتراب منها.
في تلك اللحظة، اهتز هاتفها، فتحت الرسالة.
لتجدها من سليم: "أنا أمام باب المنزل." ابتسمت بخفة، ثم انحنت تضع سام برفق على الأرض، تخاطب اطفالها:
- هيا يا أولاد...لقد جاء والدكم.
أسرع الأطفال جميعًا نحو الخارج، بعدما قبلوا وجنتي جوليا وجرير، أما خديجة...فنظرت إلى رلين نظرةً أخيرة، امتلأت بحزنٍ دفين، ثم اقتربت من جوليا، وقبلت جبينها، وهي تحمل محمد بين ذراعيها، تخاطبها بصوتٍ مثقل:
- سأذهب يا أمي...اعتني بنفسكِ.
ابتسمت جوليا ابتسامةً امتزجت بالمواساة والألم، فحال ابنتيها كان يمزق قلبها، كانت تتمنى أن تراهما كما كانتا...روحًا واحدة، لكن رلين...كانت عنيدة، تمامًا كوالدها جرير.
اجابتها بحنان كبرر تعوضها عن حنانهم:
- أوصلي سلامي إلى زوجكِ... وإلى ابتهال يا حبيبتي.
أومأت خديجة برأسها، ثم وضعت محمد داخل عربته، وأسدلَت خمارها الأسود على وجهها وخرجت من المنزل بعدما دوى صوت زمور سيارة سليم، معلنًا وصوله.
تابعتها جوليا بعينيها حتى اختفت، ثم التفتت إلى رلين، التي كانت تمسح دمعةً هاربة من عينيها، وقالت بعتابٍ موجع:
- إلى متى ستفعلين هذا بنفسكِ... وبها يا رلين؟ أما ترين حالكما؟
نظر جرير إلى ابنته للحظات، بعدما لزمت الصمت، ثم تحدثت بصوتٍ متأثر، غلبه الحزن:
- اتركيها يا جوليا...هي أعلم بما تفعله ثم...
لكن جوليا قاطعته بغضبٍ واضح:
- لا يا جرير! ولا تظن نفسك أفضل منها، أتعلم أن ريليان تبكي في كل مرة تزورنا فيها؟ تبكي شوقًا إليك. الى أبيها وحاميها... ولنصفها الآخر، تريد أن تشعر بحنان والدها الذي حرمتها منه، تريد أن تكون مثل أي فتاةٍ أخرى...لها عائلة تحيط بها وتحبها...لقد مرت سنوات على تغييرها لدينها يا جرير، أما آن لك أن تسامحها؟ أما آن لك أن تضمها إلى صدرك، الذي حرمتها منه كل هذه السنين؟ ألا ترى الألم في عينيها كلما قابلتها بالعبوس والنفور؟
أخذت نفسًا عميقً عندما رأت تأثره ثم زفرته بقوة:
- صحيح أنك تحب أطفالها...لكنني أظن أنك تحاول غرس ديننا فيهم. وأنا أحذرك من ذلك. دعهم يختارون دينهم بأنفسهم. وأبشرك من الآن...المحمدي لن يسمح لك بالتلاعب بأفكارهم أو معتقداتهم. فهم لا يتبعون ديننا، ولم يعودوا يأخذون بكلامك حين تحدثهم عن المسيحية... أرح نفسك...واحتضن ابنتك...دع المياه تعود إلى مجاريها.
ثم التفتت إلى رلين، وأخذت منها جوليا الصغيرة، قائلة بنبرةٍ غلب عليها الحنان رغم ضيقها:
- وأنتِ أيضًا يا رلين... تذكري أيامكما معًا، وتذكري كم كنتِ تحبينها صدقيني..الأمر أبسط بكثير مما تتخيلين.
اعتدلت جوليا، وغادرت المكان، تاركةً خلفها صمتًا ثقيلًا.
صمتًا أجبر كل واحدٍ منهما... أن يراجع نفسه، وأن يحاسب قلبه... على ما فعله بابنته... وشقيقتها
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
فتحت خديجة باب غرفتها، ثم خلعت خمارها بوجهٍ أحمر غارقٍ بالدموع، طوال الطريق التزمت الصمت، ولم تنطق بحرفٍ واحد، على غير عادتها.
تقدمت منها سارة، التي جاءت معهم بعدما أحضرها سليم من المشفى حين هاتفته وأخبرته بانتهاء عملها، سألتها بقلق:
- ما الأمر يا خديجة؟ لم أشأ أن أسألكِ أمام سليم... هل رلين مرة أخرى؟
كان سليم يقف أمام الباب، قبل أن يدلف إلى الداخل، لكنه توقف عندما سمع صوت خديجة المليء بالغصة والانكسار:
- أجل...إنها لا تريد التحدث معي يا سارة. أقسم لكِ أنني أتألم من داخلي، حتى أبي...لا يعطيني فرصة لأتحدث معه.
احتضنتها سارة بحنان، وأخذت تربت على ظهرها محاولةً مواساتها:
- لا بأس يا خديجة...سيأتي يوم وتعود المياه إلى مجاريها، أنا متأكدة، ثم لا ترهقي نفسكِ، صحتكِ أهم، لقد أوشكتِ على دخول شهركِ السابع.
تنهدت خديجة، ثم ابتعدت عنها بهدوء، لكن سارة بقيت تنظر إليها بتردد، وكأنها تحمل أمرًا تخشى إخراجه، ثم اخرجت صوتها بتوتر:
- أريد أن أخبركِ شيئًا يا خديجة...لا أعلم إن كان ما فعلته صحيحًا أم لا، لكن مـ...
توقفت للحظة، تراقب ملامحها، ثم أكملت:
- سأخبركِ بكل شيء، لقد وعدت همام بإعطائه فرصة...
انتشرت علامات الدهشة على وجه خديجة، فأسرعت سارة تبرر موقفها:
- لقد حاصرني داخل الغرفة، واتفق مع كريم على كل شيء، وسيخبر سليم أيضًا... كني منعته، ووعدته فقط بأن أفكر في منحه فرصة.
لم يعد سليم قادرًا على الصمت أكثر، فقد كان مدقد أتى لخديجة يتحدث معها ليجد سارة تشكي لها، تقدم إلى الداخل بغضب، وصوته يحمل صدمةً واضحة:
- ما الذي أسمعه يا سارة؟
تجمدت الاثنتان في مكانهما، لم تعرفا كيف تتصرفان، حاولت سارة إخراج صوتها، لكنه خانها كعادته، فأمسكت يد خديجة تطلب منها المساعدة، حاولت الأخرى تهدئته قائلة:
- اهدأ يا سليم...وافهم الأمر أولًا.
ضغط سليم على يده بقوة، وهو يستعيد أمام عينيه صورة شقيقته بعد طلاقها، هل ستعود إليه بعد كل ذلك الألم؟ وبأي حق يقترب منها ذلك الأحمق؟ ألم يحذره من التعرض لطريقها؟ وكيف يساعده كريم، وهو الذي رأى حال سارة بعد ما حدث لها؟
شعر بالغضب يغلي داخله، فخاطبها بصوتٍ مرتفع:
- لا أريد أن أفهم شيئًا، ولا أريد أن أسمع شيئًا عنه! إياكِ يا سارة أن تخرجي من المنزل دون إذني، أخبريني...أين التقيته؟
نظرت سارة إلى خديجة بتوسل، لكن قبل أن تجيب، تقدمت ابتهال إليهم بقلق بعدما سمعت صراخ سليم:
- ما الأمر يا سليم؟ لماذا صوتك مرتفع هكذا؟
ضحك سليم بسخرية، وهو ينظر إلى سارة:
- ابنتكِ التقت بطليقها السابق، نظرت إليه ابتهال باستغراب شديد:
- وما المشكلة في ذلك يا سليم؟ من الطبيعي أن يتصادفا.
رفع حاجبيه بدهشة حقيقية:
- أمي... هل أنتِ بخير؟ أقول لكِ...طليـــــقها! بسبب الألم الذي سببه لها.
إمسكت ابتهال بيده، واقتادته نحو الأريكة الموجودة في زاوية الغرفة، ثم أجلسَته بجانبها، متحدثة بهدوء:
- اجلس يا سليم، سارة، أحضري كوب ماء لأخيكِ، وأنت يا سليم...خذ نفسًا عميقًا، واستغفر ربك، لعلك تهدأ.
توجهت سارة نحو إبريق الماء، وسكبت كوبًا لسليم، ثم أعطته لابتهال بعدما انتهت، لم تستطع النظر إلى عينيه، كان الخوف والندم يثقلان قلبها. أخذت ابتهال الكوب، وناولته لسليم الذي كان يستغفر ربه محاولًا السيطرة على غضبه.
ثم بدأت تقص عليه كل ما تعرفه، فقد أخبرتها سارة بكل ما حدث في السابق، ظل سليم يستمع بصمتٍ وضيق، فمهما كانت الظروف...لا يوجد مبرر لما فعله همام.
لقد كان الأمر بالنسبة إليه قلة إيمان بحكمة الله، وضعفًا أمام الخوف، هل أصبحت قلوب الفتيات لعبةً بين أيدي الرجال؟
بعد صمتٍ طويل، وبعد أن هدأ قليلًا، وجه حديثه إلى والدته بعقلانية:
- أمي...هذا ليس سببًا مقنعًا، ولن أجعل سارة تعود إليه، هو لم يتألم وحده...كان عليه أن يفكر بنتائج تصرفه الأحمق قبل أن يقدم عليه.
خفضت سارة رأسها بحزن، كانت تخشى هذه اللحظة تحديدًا، فأمسكت خديجة يدها بمواساة.
همست ابتهال لسليم:
- سليم...لا تظلم سارة برفضك وأنت غاضب، أعطهما فرصة... من أجلي، ومن أجل سعادتها.
رفع سليم عينيه نحو سارة، كانت الدموع تتجمع في عينيها، وهي تجاهد ألا تبكي.
أغمض عينيه محاولًا تهدئة النار داخله، حتى يستطيع رؤية الأمر بعقلٍ أكثر، ثم أخرجه صوته بعد تنهيدةٍ ثقيلة:
- اتركوني أنا وسارة بمفردنا، رجاءً.
وقع قلب سارة بين قدميها خوفًا، نقلت نظراتها المترجية إلى ابتهال ثم خديجة، اللتين خرجتا بطاعة، ربت سليم على الأريكة بجانبه، مشيرًا إليها بالجلوس.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!