الفصل السادس والتسعون
**
ابتلعت رلين ريقها بخوف، شعرت بأن الدم انسحب من وجهها، إن علم والدها أنها شاركت في الخطة، وإن اكتشف كذبها عليه بالأمس، فلن يرحمها.
وللمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، شعرت بالخوف الحقيقي منه، واحست بشعور ريليان عندما كانت تخافه وتهابه.
نظرت إلى مايا وسألتها بصوتٍ مرتعش:
- ماذا يريد أبي؟... هل قال لكِ شيئًا؟
هزت مايا كتفيها نفيًا، فأجابتها جوليا:
- حسنًا... نحن قادمتان، يمكنكِ النزول يا حبيبتي.
انتظرت حتى خرجت مايا، ثم وجهت نظرها الحاد إلى رلين، وقالت بمرارة:
- بدلًا من أن نذهب لنبارك لأخيكِ بزواجه، أصبحنا نلهث خلف مصائبكِ وسخافاتكِ.
ثم أردفت ببرودٍ جعل قلب رلين يرتجف:
- استعدي لتلقي مصيركِ على يد والدكِ، يبدو أنه علم بكل شيء، ولولا أنه لا يريد أن يؤذي ريليان من أجلكِ، لما سكت حتى الآن، صحيح أن جرير يريد التخلص منها، لكن أن يقترب منها رجلٌ غريب، لا أظن أن هذا أمرٌ يستطيع تقبله.
ظلت رلين واقفةً مكانها، عاجزةً حتى عن تحريك قدميها، بينما كان الخوف ينهشها من الداخل، تنهدت جوليا، ثم قالت بنبرةٍ أكثر هدوءًا، لكنها لم تخلُ من القسوة:
- هيا يا رلين، لا تقفي هكذا، لقد حان وقت أن تتحملي نتائج أفعالكِ.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
صعدت ابتهال إلى الأعلى بعدما انتهت من إعداد المشروب الساخن، لتجد سارة تقف أمام باب الغرفة، وقد شبكت أصابعها ببعضها وهي تحدق في الباب بقلق.
تقدمت منها وسألتها بخوف كبير:
- لماذا تقفين هنا؟ ألم تخرج بعد؟
هزت سارة رأسها نفيًا، ثم أجابتهت بصوتٍ خافت:
- لا... لقد خرجت من الحمام، لكنني تركتها تأخذ راحتها لترتدي ثيابها... لم أشأ أن أضغط عليها أكثر، لكنها تأخرت
أومأت ابتهال بتفهم، وما هي إلا لحظات حتى انفتح الباب ببطء، خرجت ريليان، لم تكن تلك الفتاة نفسها التي دخلت قبل قليل.
كانت ملامحها شاحبة حدَّ الوجع، وعيناها متورمتين من شدة البكاء، وخطواتها بطيئة متثاقلة، وكأن كل خطوة تستنزف ما تبقى فيها من قوة، لم ترفع رأسها نحوهم، ولم تنطق بحرف.
اكتفت بالتوجه نحو السرير، وجلست عليه ثم تمددت بصمتٍ ثقيل، بينما كانت أصابعها ترتجف فوق طرف ثوبها دون أن تشعر.
اقتربت ابتهال منها، وجلست بجوارها، ثم مررت أصابعها بين خصلات شعرها بحنانٍ أمومي، تخاطبها برفقٍ بالغ:
- اعتدلي يا صغيرتي واشربي هذا، سيهدئ أعصابك قليلًا، هيا يا ابنتي.
رفعت ريليان رأسها ببطء، كانت الدموع لا تزال عالقة برموشها، وكأنها لم تجد وقتًا لتجف، أما نظرتها! فكانت مليئة بالخوف، والانكسار، والرجاء في آنٍ واحد.
ابتلعت غصتها، ثم سألت بصوتٍ مرتجف كم يبحث عن ابرة في كومة قش:
- أين... أين سليم يا أمي؟... لماذا لم يأتِ؟ ألمقل انه سينتظرني؟
ابتسمت ابتهال ابتسامةً حانية، رغم أن قلبها كان يتفتت لرؤية حالتها، تجيبها محاولةً التخفيف عنها:
- حمدًا لله... لقد اشتقت لسماع صوتك يا صغيرتي، ظننت أنني لن أسمعه اليوم.
لكن ريليان لم تستطع مجاراتها، ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة جديدة على وجنتها، وقد اختنق صوتها بالبكاء:
- لا تغيري مجرى الحديث يا أمي أخبريني الحقيقة، هل... هل لم يعد يريد أن يراني؟ هل... صدق أمبر؟ هل... لم يعد يريدني في حياته؟
انكسر صوتها تمامًا، ثم أجهشت بالبكاء وهي تقول:
- أقسم لكِ... والله أقسم لكِ أنني لم أفعل شيئًا، لم أفعل ما قاله، أقسم بالله.
ثم وضعت يدها فوق صدرها وكأن أنفاسها بدأت تضيق، وأردفت بشهقاتٍ متلاحقة:
- لا أتذكر شيئًا، كل ما أتذكره أنني كنت أتحدث مع رلين، بعدها كل شيء اختفى، وكأن ذاكرتي مُسحت بالكامل.
التفتت نحو سارة بعينين غارقتين بالدموع، ومدت يدها إليها برجاءٍ مزق قلبها، وقالت:
- سارة أنتِ تصدقينني، أليس كذلك؟ أرجوك اذهبي إليه أخبريه أنني لا يمكن أن أفعل هذا، أخبريه أنني بريئة أرجوكِ انه يصدقكِ.
شعرت سارة أن قلبها ينقبض بقوة اقتربت منها سريعًا، وأمسكت وجهها بين كفيها، متحدثة بحنان:
- ومن قال لكِ إنه لا يصدقك؟ والله لقد أخبرني بنفسه أنه لا يصدق كلمةً مما قاله أمبر.
لكن ريليان هزت رأسها بعنف، وأبعدت يديها وهي تبكي بحرقة:
- لا أنتِ لا تفهمين، رأيته، كان صوته مختلفًا، نظرته كانت مختلفة، حتى عندما حملني لم ينظر إلى وجهي كان يتجنبني أنا أعرفه يا سارة، لقد صدق، صدق أنني خنته.
انهارت كلماتها الأخيرة مع بكائها، حتى شعرت وكأن قلبها يُنتزع من بين أضلعها، تبادلت سارة النظرات مع ابتهال، وكان واضحًا أن استمرار الحديث عن سليم لن يزيدها إلا انهيارًا.
لذلك أخذت سارة نفسًا عميقًا، ثم قالت محاولةً رسم ابتسامة:
- هل تعلمين شيئًا يا ريليان؟
نظرت إليها ريليان باستغراب، بينما كانت تمسح دموعها، ابتسمت سارة بخبثٍ لطيف وقالت:
- لأول مرة في حياتي أخاف من سليم، أقسم لكِ... اليوم بدا وكأنه أسدٌ هائج، كنت أشعر أنه سينقض عليّ في أي لحظة، احمد الله أنني ضعيفة، فلو كنت سمينة مثلكِ، لكنت أول ضحاياه.
نظرت إليها ريليان بعبوسٍ باهت، وقالت باعتراضٍ طفولي رغم دموعها:
- لستُ سمينة يا سارة، بل أنا أضعف منكِ.
ضحكت سارة فورًا، ثم التفتت إلى والدتها:
- أليس كذلك يا أمي؟ أنا الأضعف.
ابتسمت ابتهال وقالت مسايرةً لها:
- لا... ريليان أضعف منكِ فعلًا.
شهقت سارة بتذمرٍ مصطنع:
- سامحكِ الله يا أمي! كنت أنتظر أن تنصفيني، لا أحد يقف في صفي سوى أخي العزيز سويلم.
ارتسمت على شفتي ريليان ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، لكنها اختفت سريعًا، وعادت الدموع لتغرق وجهها، تنهدت سارة بحزن، لقد نجحت في إضحاكها لثانية، ثم أعادها الألم إلى واقعه، تمتمت بأسى:
- والله... لا أستطيع أن أتخيل كيف فعلت رلين بكِ هذا، سامحها الله.
قطبت ريليان حاجبيها باستغراب، وسألت بسرعة:
- ما علاقة رلين بما حدث؟
أسرعت ابتهال تجيبها وهي ترمق سارة بنظرة تحذير:
- لا شيء يا ابنتي، استلقي وارتاحي فقط، وعندما يعود سليم سأوقظك.
نهضت سارة بسرعة، لكن ريليان أمسكت معصمها بقوة، وسألتها بإصرارٍ امتزج بالخوف:
- سارة، لا تخفي عني شيئًا، ما علاقة رلين؟ أخبريني.
تنهدت سارة، ثم نظرت إلى والدتها، التي كانت تهز رأسها رافضةً، فقالت بتردد:
- كنت أقصد... أنها طلبت رؤيتك ولو لم تطلبكِ، لما خرجتِ من المنزل... هذا فقط.
حدقت ريليان بها طويلًا كانت تشعر أن هناك شيئًا يُخفى عنها. لكنها لم تعد تملك طاقةً للمجادلة، أفلتت يدها ببطء، ثم استلقت على الوسادة.
رفعت بصرها إلى السقف لكنها لم تكن ترى شيئًا، كانت ترى وجه سليم فقط، ترى نظرته، صمته، ابتعاده عنها...وتسمع صوته وهو يطلب منها أن تغتسل دون أن ينظر إليها.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقةً خرجت رغمًا عنها، وحاولت أن تسترجع أي ذكرى، أي صورة، أي دليل يثبت براءتها، لكن رأسها كان فارغًا، وفراغه كان يقتلها أكثر من أي شيء.
أغمضت عينيها بقوة، وانفجرت في بكاءٍ صامت، حتى أخذ جسدها يرتجف بعنف، بينما كانت تحاول كتم صوت شهقاتها حتى لا يسمعها أحد.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!