الفصل الثامن والثلاثون
طرق سليم باب غرفة سارة، ثم دلف بعدها ناظرًا إليها.
نظرت إليه سارة، فتوجهت نحوه وارتمت بين أحضانه، وهي تتحدث ببكاءٍ شديد:
- أرجوك، دعنا نذهب يا سليم. أريد أن أطمئن عليها، فأنا أعلم أنهم سيقومون بقطع رأسها وإلقاء جسدها للكلاب.
ضحك سليم من طريقة تفكيرها، ثم تحدث بعدما هدأ:
- من أخبركِ بذلك؟
أجابته وهي تمسح دموعها بطفولة:
- لقد رأيتُ ذلك على الإنترنت، لقد عذبوا الرجل، ثم بعد ذلك قاموا بقطع رأسه وإلقاء جسده للكلاب.
كتم سليم رغبته في الضحك مرةً أخرى، ثم تحدث وهو ينظر إليها بهدوء:
- لا يفعلون ذلك، أريحي رأسكِ من هذه الأفكار.
نظرت إليه برجاءٍ كبير:
- أرجوك، دعنا نذهب إليها. هاتفها مغلق، ووالدها صعب التعامل. لقد أخبرتني ذات مرة أن والدها لا يحبها، ولا يعاملها كما يعامل بقية أشقائها.
تنهد بقوة، فقد كان في حيرةٍ من أمره.
كان يشعر بشعورين متناقضين؛ أحدهما يدفعه للذهاب حتى يطمئن عليها، والآخر يجعله يتردد، فهو لا يعرف بأي صفةٍ سيذهب، وكيف سيعرّف عن نفسه، وماذا سيفعل من الأساس إن ذهب.
كاد أن يتحدث، ليستمعا إلى صوت رنين جرس المنزل.
ابتعد عنها متسائلًا:
- هل تعلمين من الطارق؟
نفت برأسها، ثم أجابته بتفكير:
- ربما خالي، فهو ليس موجودًا في البيت سوى سمر.
ثم تحدثت متذكرة:
- سليم، لقد أوشكت السنة على الانتهاء، وأمي لم تجد لك فتاةً مناسبة.
تنهد بهدوء، ليرتفع صوت الرنين مرةً أخرى.
خاطبها وهو يتوجه نحو الباب:
- ليس وقت حديثكِ يا سارة، سوف أذهب لأرى من الطارق، فليس من المعقول أن يكون خالكِ، لأنه يملك مفتاح المنزل بالفعل.
توجه سليم نحو الباب، ثم فتحه بابتسامةٍ هادئة.
نظر إلى الشخص الواقف أمامه بتفحص.
كان شابًا في منتصف العشرينات، بعينين سوداوتين كسواد الليل، وبشرةٍ حنطية تزينها لحيةٌ خفيفة. كان شابًا وسيمًا، وتبدو على ملامحه السكينة والهدوء.
تحدث سليم بهدوء:
- تفضل، كيف يمكنني خدمتك؟
تحدث الشاب بنفس الهدوء:
- هل هذا منزل الآنسة سارة محمد؟
أومأ سليم بهدوء، لكن في داخله تولد غضبٌ كبير، ليخاطبه بتحقيق:
- أجل، لكن ماذا تريد منها يا أخي؟
أجابه الآخر بابتسامةٍ فرحةٍ قليلًا:
- أنا همام، وأكون عم أمل، تلك الفتاة الصغيرة.
أومأ سليم بتفهم، ثم سأله بهدوء:
- لقد فهمت، لكن ماذا تريد منها؟
تحدث الآخر باتزان، وهو ينظر إلى شيءٍ في حقيبته:
- لقد أخبرتني أمل عنها، وأرادت إيصال هذه لها.
نظر سليم إلى العلبة المتوسطة الحجم، ثم أخذها منه شاكرًا:
- حسنًا، شكرًا لك، وأوصل سلامي لأمل.
تحدث همام ببعض الخجل والتردد:
- هل يمكنني لقاءها؟ أريد أن أخبرها بشيء، إنها رسالة من أمل.
رفع سليم حاجبه باستنكار:
- بالطبع لا يمكنك. إن أردت شيئًا فقله لي، فأنا شقيقها.
فرك همام رأسه بخجل:
- لا داعي لذلك، لقد أخبرتني أن أقول لها، وألا يستمع إليها أحد.
أومأ سليم برأسه، ثم خاطبه بجمود:
- أعتذر، لا يمكنك إخبارها.
بادله همام الابتسامة، ثم أدار جسده نحو الخارج مغادرًا.
أغلق سليم الباب، ليجد سارة ووالدته وسمر يقفن خلفه.
عقد حاجبيه بتساؤل:
- ما الأمر؟
تحدثت سارة ببعض الارتباك:
- أعطني الهدية يا سليم.
ناولها سليم الهدية، فأمسكت بها بين يديها.
لتسأل سمر باستفسار:
- من هذا؟ ومن أمل؟ لم أفهم شيئًا.
نظرت إليها سارة بضيقٍ من تدخلها:
- لا شأن لكِ يا سمر.
ثم نظرت إلى سليم متسائلة:
- سليم، هل نذهب؟
عقد حاجبيه باستنكار:
- إلى أين نذهب يا سارة؟ اذهبي إلى غرفتكِ وانظري إلى الهدية. هيا، وأنا سوف أذهب لتبديل ثيابي.
اعترضت طريقه، وتحدثت بقوة:
- سليم، سوف نذهب، وإلا خاصمتك. لو أن أبي موجود لكنت...
قاطعها بضيق، فقد لمست جرحه:
- حسنًا يا سارة، لكن ليس الآن. أعدك.
قبلت وجنته بسعادة، وتحدثت بحب:
- أحبك يا أجمل أخٍ في العالم كله.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعدما فجّرت ريليان قنبلتها التي أخفتها طويلًا، خيّم الصمت لوهلة، ثم انفجرت الشهقات المذعورة في أرجاء المنزل. تعلّقت بها العيون بذهولٍ مطبق، وكأن الكلمات التي خرجت من فمها كانت أشد فتكًا من الرصاص. رفعت بصرها نحو رلين، تتشبث بنظراتها، تريد أن تكمل، أن تشرح، أن تقول أي شيء، لكن يد جرير هوت على وجنتها بقوةٍ مرعبة.
دوّى صوت الصفعة في المكان، حتى بدا وكأن الجدران ارتجفت معها، اندفع جسدها الصغير إلى الأرض بعنف، وشعرت بألمٍ حارقٍ يجتاح وجهها حتى كاد يفقدها الوعي. أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما بصعوبة، غير آبهةٍ بالألم الذي مزّقها، فما كان يشغلها في تلك اللحظة سوى ردة فعل رلين.
حاولت أن تلتقي عيناها بعينيها؛ لكن أصابعًا غليظة انطبقت حول عنقها ككماشةٍ من حديد، شهقت، واتسعت عيناها رعبًا وهي تنظر إلى والدها. لم تعد ترى أمامها الأب الذي عرفته يومًا، بل إنسانًا ابتلعه الغضب حتى جرّده من كل رحمة، وكأن ملامحه قد تحولت إلى وجهٍ لا تعرفه.
كانت تتوقع غضبه... لكنها لم تتوقع أن ترى الموت في عينيه، تلوّت بين يديه محاولةً الإفلات، راحت تضرب ذراعه بيديها المرتجفتين، وتحرك رأسها بيأس، بينما كانت تستنجد برلين بنظراتٍ دامعة ترجُو منها أن تتحرك... أن تنقذها... أن تفعل أي شيء.
لكن رلين بقيت جامدةً في مكانها، كانت الصدمة قد سلبتها القدرة على الحركة، وكأن الزمن توقف عندها منذ اللحظة التي سمعت فيها إعلان ريليان.
تحدث جرير وهو يقبض على عنقها بقوة، وقد ارتجّ صوته من شدة الغضب:
- ماذا فعلتِ؟! ماذا فعلتِ؟! ماذا فعلتِ أيتها الحمقاء؟! هل جننتِ؟! هل تركتِ ملة آبائكِ واعتنقتِ تلك الطائفة الإرهابية؟!
حاولت أن تنطق، لكن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيها.
لم يخرج من بين شفتيها سوى صوتٍ مبحوحٍ متقطع، بالكاد يُسمع:
- إنها... ليست... إرهابية... يا... أبي...
ولم تكد تُتم كلماتها حتى دوّت صفعةٌ ثانية، كانت أعنف من الأولى، ارتطم رأسها بالأرض، وشعرت بطعم الدم يملأ فمها، بينما بدأ خيطٌ دافئٌ ينحدر من أنفها، أما جرير، فلم يكن يرى دمها، كان يرى، في نظره، انهيار كل ما بناه خلال ستة عشر عامًا.
قبض على عنقها بقسوةٍ أشد، حتى بدأت ملامحها تزرق شيئًا فشيئًا، ثم صاح بجنون:
- اصمتي! اصمتي! لا أريد أن أسمع صوتكِ! لقد جلبتِ لنا العار! ماذا ستقولين للرب عندما تقفين بين يديه؟! ماذا سيقول الناس عنا؟! كيف سأرفع رأسي بعد اليوم؟! لعنة الرب عليكِ... ولعنة المسيح!
بدأ العالم يتلاشى أمام عينيها، صار وجه والدها يظهر ويختفي، والأصوات من حولها تتحول إلى طنينٍ بعيد، شعرت بأن رئتيها تحترقان، وبأن الموت يقترب منها ببطءٍ مرعب.
اندفعت جوليا باكية، وقد استعادها وعيها أخيرًا، أمسكت بذراع جرير بكل ما تملك من قوة وهي تصرخ بانهيار:
- جرير... ستقتلها! أرجوك... اتركها! إنها ابنتك!
لكن جرير دفعها بعنفٍ حتى كادت تسقط، دون أن يحيد بصره عن ريليان، في تلك اللحظة، لم يكن يرى ابنته، بل كان يرى، في اعتقاده، فتاةً هدمت كل ما آمن به، وأحرقت سنوات عمره كلها بكلمةٍ واحدة.
تحرك أمبر أخيرًا بعدما استوعب ما يحدث، ورأى شقيقته تلفظ أنفاسها الأخيرة بين يدي والده، ودموعها تنساب بصمتٍ على وجنتيها.
اقترب منه سريعًا، وأمسك بذراعه محاولًا إبعاده، وقال بصوتٍ هادئٍ يخفي اضطرابه:
- أبي... ابتعد عنها... واهدأ. يمكننا أن نتحدث... يمكننا أن نجعلها تعود...
لكن كلمات أمبر كانت كأنها لم تُقل، صرخ جرير بجنون، وهو ينظر إلى جسدها الذي بدأ يخور بين يديه:
- أقسم بالرب أن أقتلها! لا أحد يتدخل بيني وبين هذه الجاحدة! إنها ليست ابنتي! سأتخلص منها... ومن العار الذي جلبته لنا!
وفي تلك اللحظة، دوّى في أرجاء المنزل صوت بكاء أليتا، ثم تبعه بكاء ألكسندر الصغير، ارتفع بكاؤهما المرتجف، فزاد المشهد قسوةً.
اقترب ستيف بسرعة، وقد بدت الصدمة على وجهه، وقال بصوتٍ حاول أن يبقيه ثابتًا:
- أبي... ابتعد عنها... انظر إلى أليتا... وألكسندر... ومايا... إنهم يشاهدون كل شيء...
ساد صمتٌ ثقيل، فأغمض جرير عينيه بقوة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، ثم... أفلت عنقها، لم يكتفِ بذلك، بل دفعها بعيدًا بكل ما أوتي من قوة، ارتطم جسدها بالأرض بلا أي مقاومة، واستقرت ساكنةً تمامًا.
لم تتحرك... لم ترتجف... حتى أن صدرها لم يعد يُرى وهو يعلو ويهبط بدت كجسدٍ فارقته الحياة.
أما جرير، فأطلق سبّةً مدوية، ثم هوى بقبضته على الحائط بكل ما يختلج داخله من غضب، حتى اهتزت الجدران تحت ضربته.
هرع أمبر إليها، وارتمى على ركبتيه بجانبها، وقلبه يرتجف وهو يناديها بصوتٍ مرتعش:
- ريليان... ريليان... افتحي عينيكِ...
لكنها لم تجب، كانت ملامحها شاحبة، وأنفاسها خافتة إلى حدٍ مخيف، وجسدها مستسلمًا كدميةٍ بلا روح.
ابتلع أمبر غصته، ثم حملها بين ذراعيه بحذرٍ شديد، وكأنها قد تتفتت بين يديه من شدة ما أصابها، واتجه بها نحو غرفتها وسط صمتٍ ثقيل، لم يكن يُسمع فيه سوى شهقات البكاء، وأنفاس الجميع التي أثقلها هول ما حدث.
««:::::::::::::::::::::::::::::::»»
في صباح اليوم التالي، توجه إبراهيم إلى عمله، ثم قام بالاتصال بشيخٍ نصحه به أحد أصدقائه، ليعطيه الآخر موعدًا لمقابلته في المسجد.
دلف إبراهيم إلى المسجد بتردد، فهو لا يحضر إلى هذه الأماكن مطلقًا، لأنه لا يؤدي فروضه، لكنه أصبح مؤخرًا يؤدي صلاة الظهر يوم الجمعة فقط.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم سأل أحد الأشخاص عن ذلك الشيخ، فأرشده إلى مكانه.
نظر إليه إبراهيم، فوجده أصغر منه سنًا، بملامح هادئةٍ نوعًا ما.
خاطبه متذكرًا:
- مرحبًا أيها الشيخ، إنني إبراهيم الذي هاتفك قبل قليل.
نظر إليه الشيخ متسائلًا:
- الذي سأل عن الجن العاشق؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!