الفصل المئة وخمسة وعشرون
**
ضحكت خديجة بمكر:
- لا، لن أخبركِ، فربما يكون صحيحًا، لذلك سأجعله مفاجأة لكِ أيضًا.
التفتت سارة تفكر بطريقة أخرى لمعرفة جنس الجنين، ثم سألتها بمراوغة:
- هل أحضرتم الثياب أم ليس بعد؟
نفت خديجة بضيق:
- لا، ليس بعد، لقد أخبرني سليم أننا سنذهب اليوم لإحضار الثياب الخاصة بالأطفال.
اتسعت ابتسامة سارة، ثم خاطبتها برجاء:
- أرجوكِ خداوج، أريد أن آتي معكم.
نظرت خديجة نحو ابتهال التي كانت تشعل النار على القدر، ثم أجابت بتردد:
- لا أعلم إن كان سليم سيوافق أم لا، أنتِ تعلمين أنه لا يحب أن يذهب أحد للتسوق معه.
أجابتها سارة بصوتٍ يحمل حزنًا خفيًا:
- أعلم خديجة... لكنني أريد ذلك.
شعرت خديجة بالألم الذي تخفيه سارة طوال المكالمة، لكنها شعرت به أكثر الآن، فقد كانت تعلم كم كانت سعيدة بحملها، وكم خططت لكل شيءٍ يخص طفلها.
تنهدت بقلة حيلة قبل أن تجيبها:
- سوف أخبر سليم بذلك، لا تقلقي.
ابتسمت سارة بانكسارٍ حاولت إخفاءه:
- حسنًا، سأنتظركم خديجة.
أغلقت خديجة الهاتف معها، ثم ابتسمت بحزن وهي تخاطب ابتهال التي كانت تخفي تأثرها:
- هيا، اذهبي وأكملي دراستكِ عزيزتي.
نظرت خديجة نحو الساعة بضيق وسألتها:
- هل حقًا سيتأخر كما أخبرنا قبل قليل أمي؟
أومأت ابتهال وهي تحرك الخليط الذي بين يديها:
- لديه أمسية في المسجد، لا تنسي أن اليوم متعبٌ عليه بسبب مرض صديقه، لذلك سوف يتأخر، وقد أخذ دوره أيضًا.
فتحت خديجة كتابها بضيق، ثم أمسكت قطعة حلوى كانت بجانبها وبدأت بتناولها بغضب، مما جعل ابتهال تنفجر ضاحكة:
- على رسلكِ خديجة، لا تنسي أنكِ حامل، ومن الممكن أن تزدادي أكثر من ذلك ولن يعجب بكِ سليم بعدها.
توقفت خديجة عن تناول ما بيدها بخوف، فضحكت ابتهال أكثر:
- أمزح معكِ، بالصحة والعافية حبيبتي، لكن تناولي التمر أفضل لكِ.
ابتسمت خديجة بتذكر:
- أتعلمين أمي؟ كلما نظرتُ إلى التمر أتذكر رمضان، لقد كان جميلًا جدًا، ثم إن العيد الذي كان هديةً من الله لنا بعد صيامنا كان أجمل. لأول مرة أشعر بالراحة والسعادة التامة فيه. كنا نصوم، لكن ليس كما علمتُ في ديني... حقًا إنه لدينٌ عظيم.
ثم ابتسمت وهي تغلق كتابها:
- والآن أستأذنكِ لأكمل دراستي.
أومأت لها ابتهال بمحبة:
- وفقكِ الله صغيرتي.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بينما كانت كيان منهمكة في كتابة تقريرها الجامعي، قطع تركيزها إشعار رسالةٍ وصل إلى هاتفها، أمسكت به بلا اهتمام في البداية، لكن ما إن وقعت عيناها على اسم ريم حتى فتحتها سريعًا.
كانت الرسالة قصيرة، لكنها كانت كافية لقلب مزاجها رأسًا على عقب:
"مرحبًا كياني، كيف حالكِ؟ أردتُ أن أخبركِ أن سما قد عادت إلى إبراهيم."
اتسعت عيناها بعدم تصديق، ثم حدقت في الشاشة لثوانٍ وكأن عقلها يرفض استيعاب الكلمات، قبل أن تكتب لها بسرعة:
- يا فتاة، هل ما أقرأه صحيح؟!
لم تتأخر ريم في الرد، وكأن الأمر بالنسبة لها عادي لا يستحق كل هذا الغضب:
- قبل كل شيء، كيف حالكِ؟ ثم أجل، إنه صحيح بكل تأكيد.
وضعت كيان الهاتف أمامها للحظات، تغلي بداخلها من هدوء صديقتها الغريب، ثم أمسكت به مجددًا تهاتفه بانفعال:
- ما هذا يا ريم؟! لم أشعر أنكِ تبالين أبدًا! أنا التي لا علاقة لي بالأمر سوى أنني صديقتكِ، ومع ذلك أشعر بالغضب والقهر من هذا الخبر المشؤوم، فكيف أنتِ؟! أوه، أعتذر... نسيت أنكِ لوحٌ من الثلج!
تنهدت ريم طويلًا قبل أن تجيبها بهدوءٍ موجع:
- صدقيني كيان، لا أشعر بشيء... حتى عندما أخبرتُ سنابل قالت لي: لا أعلم هل أحزن أم أفرح؟ وأنا كذلك لا أعلم كيف أشعر.
توقفت قليلًا قبل أن تضيف بصوتٍ يحمل غصةً خفية:
- من جهة، سيعود إبراهيم كما كان إلى علاقاته المحرمة، ومن جهة أخرى... علمتُ مقدار حجمي عنده، وهو أنني لا شيء بكل المقاييس... لا شيء يا كيان.
شعرت كيان بوخزة في قلبها من كلماتها، فأسرعت بتغيير مسار الحديث محاولةً ألا تغرقها أكثر في ألمها:
- أخبريني ريم، أريد أن أعرف التفاصيل... كيف عادت إليه بعد كل ما كانت تقوله؟ بعد أن أقسمت أنها لن تعود مهما حدث؟
أجابتها ريم باستسلام:
- لا أعلم أي تفاصيل كيان، وصدقيني لا أريد أن أعرفها أبدًا... وإن أردت معرفتها فسيكون ذلك من أجلكِ ومن أجل سنابل فقط.
ثم تابعت بهدوء:
- كيان حبيبتي، سأغلق الآن، يجب أن أجهز الطعام لعمر وعليّ، وإذا علمت أي شيء سأخبركِ به.
أغلقت كيان الاتصال، وبقيت تحدق في الفراغ بشرود، كيف يمكن لكل ذلك الحب أن يتحول إلى هذا البرود؟! هل أصبحت ريم حقًا بلا مشاعر تجاه إبراهيم؟ أم أن كثرة الجروح قتلت داخلها كل إحساس؟
هل كان إبراهيم هو من حطم ذلك الحب بتصرفاته وخياناته؟ أم أنها هي من عجزت عن الحفاظ على مشاعرها كما كان يخبرها دائمًا؟
أسئلة كثيرة دارت في عقلها، لكن إجابة واحدة كانت واضحة أمامها...أن هناك قلبًا ما قد تحطم بصمت.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في المساء، كان سليم يجلس بجانب خديجة يتناقشان حول تأخره، لتنظر إليه بضيقٍ مصطنع وهي تعقد ذراعيها:
- لماذا تقضي وقتك مع غريمتي أكثر مني؟ أنا أغار حقًا من ذلك.
انفجر ضاحكًا وهو يضمها إليه:
- يا لكِ من فتاة ماكرة... ألا تريدينني أن آخذ أجرًا؟
ابتعدت عنه بضيق، لكن عينيه تعلقتا بملامحها للحظات، وكأن غضبها الصغير كان قادرًا على إسقاط كل حصونه.
تمتم دون أن يشعر، بصوتٍ وصل إلى مسامعها:
- كيف لتلك العينين أن تربكا قلبي بهذا الثقل؟ لقد أخذتِ نصف زين الخلائق في عينيكِ... لله دركِ.
هدأت ثورتها شيئًا فشيئًا، وارتسم الخجل على وجنتيها، ليبتسم ويقبلها بحنان قبل أن تحاول تغيير الموضوع:
- سليم... هل أنا قصيرة حقًا؟
رفع حاجبه مستنكرًا قبل أن يجيبها مبتسمًا:
- أنتِ لستِ قصيرة... أنتِ وردة لم تأخذ حقها من ماء الحياة جيدًا، لذلك لم تطولي كثيرًا.
ثم أضاف بحب يملس على وجنتها:
- وهل أخبرتكِ من قبل أنكِ جنة الدنيا وأجمل ما فيها؟
ارتمت بين ذراعيه تخفي وجهها في عنقه، لكن صوت ابتهال قطع لحظتهما وهي تناديه، ابتعد عنها بعد زفرة هادئة، ثم قبل جبينها بحب:
- جهزي نفسكِ، سنذهب لشراء ثياب الطفل ومستلزماته.
صمت قليلًا قبل أن يكمل بصوتٍ أكثر هدوءًا:
- وقبل ذلك سنذهب لأخذ سارة... ولا أريد الحديث عن الأمر، لأنني حقًا متألم لأجلها.
أغمضت خديجة عينيها بحزن، تشعر بألم سارة رغم فرحتها بطفلها القادم.
توجه سليم إلى الأسفل، لكنه توقف فور وصوله إلى الصالة، كانت ابتهال تقف أمام الباب، وملامح القلق والخوف واضحة على وجهها.
عقد حاجبيه باستغراب:
- ما بكِ أمي؟ هل حدث شيء؟
نظرت إليه بصمت للحظات، ثم أشارت نحو الباب وابتلعت ريقها بصعوبة:
- يريدونك.
اقترب سليم بخطوات بطيئة، وفتح الباب ليجد أمامه مجموعة من رجال الأمن، توقفت أنفاسه للحظة عندما رأى المذكرة القضائية في يد أحدهم، تحدث الرجل بعملية وهو ينظر إليه مباشرة:
- ءأنت الدكتور سليم محمد؟
أجابه سليم بهدوء حذر:
- نعم، تفضل ماذا هناك؟
رفع الضابط المذكرة أمامه ثم تحدث بصرامة:
- سليم محمد... أنت مطلوب للقبض عليك. تفضل معنا.
تجمدت ملامح الجميع في المكان وتعلقت عينا خديجة به بصدمة، بينما بقي هو واقفًا لا يفهم كيف تحولت لحظة السعادة التي كان ينتظرها إلى هذا الكابوس المفاجئ.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!