الفصل الثلاثون
**تغاضت ريليان عن هذه المهزلة التي تحدث أمامها، نظرت إلى الباص، فوجدته قد تحرك، تحدثت بصدمةٍ كبيرة:
- الباص! لقد ذهب.
أجابها أمبر بهدوءٍ وابتسامة، غامزًا:
- لقد أرسلت للسائق أنني سأوصلكم إلى هناك.
صرخت مايا بسعادة، وهي تعانقه:
- يعيش أمبر، يعيش!
لم تجد ريليان مجالًا للرفض، فتوجهت نحو سيارته، واحتلت المقعد الأمامي.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
توالت الأيام، والأسابيع، والأشهر، وكلُّ إنسانٍ كان يخوض معركته الخاصة بصمت؛ فمنهم من كان يداوي جراحًا لا يراها أحد، ومنهم من كان يبني نفسه من جديد، ومنهم من كان يحمل في صدره أسئلةً أثقل من الجبال، ومنهم من ابتسم للحياة بعدما ظنَّ أن الابتسامة لن تعود إليه يومًا.
لقد مضت قرابة أربعة أشهر، وأوشكت السنة الدراسية على إسدال ستارها الأخير. كانت سارة وريليان تخوضان اختبارات نهاية العام، بينما كانت الأيام تركض مسرعةً نحو الموعد الذي تخشاه ريليان أكثر من أي شيء يوم زفافها!
كانت الأيام تمر عليها ثقيلةً كأنها أعوام، وكلما اقترب ذلك اليوم ازداد قلبها اختناقًا، حتى أصبحت تنظر إلى التقويم وكأنه يعدُّ ما تبقى من حريتها.
أما جوليا، فقد أعدَّت كل شيءٍ بعنايةٍ بالغة؛ الثياب، والحلي، والمستلزمات، وكل ما تحتاج إليه العروس، وهي تظن أنها ترسم لابنتها طريق السعادة.
وكان أمبر يعاملها بمنتهى اللطف طوال تلك الأشهر، يبتسم لها، ويسأل عنها، ويحاول أن يخفف عنها كلما لاحظ شرودها، بينما كانت هي تتعامل معه بأدبٍ واحترام، لكنها تحرص في كل مرةٍ على أن تضع بينهما حدودًا لا تتجاوزها، فقد تعلمت في الإسلام غض البصر، وحفظ القلب، والابتعاد عما لا يرضي الله. كانت تفعل ذلك وهي تعلم أنها لا تملك خيارًا آخر في الوقت الحالي، فتكتفي بالدعاء أن يكتب الله لها فرجًا قريبًا.
أما سمر، فلم يتغير شيءٌ بينها وبين ريليان. فقد جمعتهما الصدف أكثر من مرة، وفي كل مرةٍ كانت الكلمات تتحول إلى شجار، والنظرات إلى نارٍ صامتة. لم تستطع أيٌّ منهما احتمال الأخرى، وكأن بين قلبيهما حاجزًا من نفورٍ لا ينكسر.
أما سارة، فقد جعلت همَّها الأكبر أن تمسك بيد ريليان في طريقها نحو الإسلام. كانت تعلمها ما تعرفه، وتراجع معها ما حفظته، وتجيب عن أسئلتها بصبرٍ ومحبة، وتشعر بسعادةٍ حقيقية كلما رأت نور الطمأنينة يزداد في قلبها.
ولم تكتفِ بذلك، بل أصبحت تذهب مع مشرفات المسجد إلى مركز الأيتام لزيارة الأطفال، وهناك... تعلقت بقلبٍ صغير.
كانت طفلةً تُدعى "أمل"، ذات بشرةٍ بيضاء، وعينين بلون الغابة بعد المطر، وشعرٍ أسود طويلٍ ينسدل حتى أسفل ظهرها، لم تتجاوز السادسة من عمرها، لكنها كانت تحمل في ابتسامتها براءةً قادرةً على مداواة القلوب.
أحبتها سارة منذ اللقاء الأول، ولم تمضِ أيامٌ حتى أصبحت أمل تنتظر قدومها بشوقٍ لا يقل عن شوق سارة إليها، فإذا دخلت ركضت نحوها وارتمت بين ذراعيها وكأنها وجدت الحضن الذي افتقدته طويلًا.
فسارة، رغم رجاحة عقلها، كانت إذا تحدثت مع الناس رأوا فتاةً أكبر من عمرها بكثير، تعرف كيف تزن كلماتها، وكيف تحتوي من أمامها بحكمتها.
لكنها أمام سليم كانت كل ذلك يختفي، كانت تعود طفلةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تتشبث به، وتشاكسه، وتغضب إن تأخر في الرد عليها، وتفرح لأبسط كلمة مدحٍ يسمعها منها، لأنه لم يكن بالنسبة إليها مجرد أخ، كان الأب الذي سلبه منها القدر، وكان السند الذي لم يسمح لليتم أن يسرق طفولتها.
ولذلك، لم يكن سليم يرد لها طلبًا ما استطاع، وكان يغمرها بالحنان والاهتمام، محاولًا أن يسدَّ في قلبها الفراغ الذي تركه رحيل والدهما، حتى لا تشعر يومًا بأنها أقل من غيرها.
أما ريم، فقد تغير فيها شيءٌ لم تستطع تفسيره، في البداية ظنت أنه مجرد تعبٍ نفسي، أو ضغطٍ مؤقت، لكن الأيام أثبتت لها أن الأمر أعمق من ذلك.
لقد بدأت تفقد إحساسها بكل شيء، لم تعد تنتظر إبراهيم، ولم تعد تغضب إن غاب، ولم تعد تفرح إن حضر، ذلك القلب الذي كان يخفق لمجرد سماع اسمه... أصبح صامتًا بصورةٍ مخيفة.
كانت سابقًا، رغم كل ما تعيشه، تتمسك بواحدٍ في المئة من الأمل، تؤمن أن إبراهيم سيعود كما كان، وسيحبها كما أحبها يومًا.
أما الآن... فقد مات ذلك الواحد في المئة، واختفى دون رجعة، بل إنها أصبحت تتمنى أحيانًا ألا يأتي في يومها، حتى لا تضطر إلى التظاهر بأي مشاعر.
ولم تعد تتألم حين تراه يهتم بسما، أو يضحك معها، أو يمزح أمامها، بل كانت تنصح سما بنفسها كيف تحافظ على إبراهيم، وكأنها تتحدث عن رجلٍ لا يعنيها.
وكان أكثر ما يرعبها...أنها لم تعد تعرف إن كانت قد توقفت عن حبه، أم أن الحب مات في قلبها منذ زمن، وهي فقط لم تنتبه إلى جنازته؟!
أما فضيلتنا الشيخ الدكتور سليم!
فقد كانت حياته تسير بإيقاعٍ ثابت، حتى أصبح يومه يشبه اليوم الذي قبله، يستيقظ في جوف الليل، يناجي ربه طويلًا، ويقف بين يديه خاشعًا، يسكب ما في صدره من دعاء، ويجد في سجوده راحةً لا يجدها في أي مكانٍ آخر.
ثم يتوجه إلى المسجد قبل الفجر، يؤمُّ الناس في الصلاة، ويجلس بعد ذلك معهم يقرأ ورده من القرآن، ويستغفر الله، ويسبحه، ويحمده، ويكبره، حتى تمتلئ روحه سكينةً وطمأنينة.
ثم يعود إلى منزله، يبدل ثيابه، ويخرج لممارسة رياضة الجري، قبل أن يتجه إلى جامعته، فيقف أمام طلابه معلمًا، وناصحًا، ومربيًا، وبعد انتهاء يومه الطويل، لا يعرف الراحة طريقًا إليه.
فمرةً يكون على منبر مسجد، ومرةً في قاعة محاضرات، ومرةً في لقاءٍ دعوي، ومرةً يجيب عن أسئلة الناس، ويقضي حوائجهم.
أما ريليان...
فكلما استعصى عليها أمرٌ من أمور الدين، كانت تسأله، أو تطلب من والدته أن تدعوه ليشرح لها، وكان يجيبها بكل رحابة صدر، ولم يكن يستطيع إنكار حقيقةٍ بات يعلمها جيدًا، أنها تتعلم بسرعةٍ لافتة، وأن قلبها يقبل على الحق بإخلاص، وكان يفرح كلما رأى أثر الهداية يزداد وضوحًا على وجهها.
لكن كان هناك أمرٌ آخر لا يستطيع إنكاره أيضًا، كانت ريليان تتسلل إلى خاطره أحيانًا دون استئذان، تمر صورتها في ذهنه فجأة، أو يتذكر سؤالًا سألته، أو موقفًا جمعهما.
فيستغفر الله مباشرةً، ويصرف قلبه عنها، ويجاهد نفسه بكل ما أوتي من قوة، حتى لا يسمح لذلك الخاطر أن يستقر في قلبه لحظةً واحدة، وكان ينجح في كل مرة، لكن كثرة المجاهدة كانت تتعبه أكثر مما يعترف به، ورغم ذلك كله، لم يكن أكثر ما يقلقه هو التعب، بل كان يخشى اقتراب نهاية هذه السنة.
فحتى الآن لم تعثر والدته ابتهال على الفتاة التي تراها مناسبةً له، وأصبح سؤالٌ واحدٌ يطرق عقله بين الحين والآخر دون أن يجد له جوابًا...
هل حقًا لم تجد أمه الفتاة المناسبة؟ أم أنها، في أعماق قلبها، ما زالت تتمنى أن تكون سمر هي زوجته؟
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
وقفت ريليان أمام المسجد بعدما انتهت من مذاكرتها لاختبار الغد، فاليوم لم يكن لديها اختبار:
نظرت إلى ثيابها التي أهدتها إياها ابتهال، والمكوَّنة من فستانٍ طويلٍ جدًا باللون الرمادي، وحجابٍ باللون الزهري.
إنها لا ترتديها إلا عندما تحضر إلى هذا المكان، فما زالت لم تدخل الإسلام، لكنها أصبحت تملك حصيلةً كبيرةً من المعلومات خلال هذه الأشهر القليلة.
نظرت إلى سارة التي ترجلت من السيارة، وبيدها طفلةٌ صغيرة تمسك بيدها، تقدمت الصغيرة نحو ريليان، معانقةً قدمها بسعادة.
انحنت ريليان إليها لتقبل وجنتيها وأرنبة أنفها بحب، متحدثةً بهدوء:
- كيف حالكِ، أمل؟
أجابتها الأخرى بسعادةٍ كبيرة:
- بخير، ليان، وأنتِ؟
ضحكت ريليان بقوة، ثم كتمت صوت ضحكتها، فقد عرفت أن صوت المرأة ليس عورةً بإطلاق، فإن النساء كن يشتكين إلى النبي ﷺ، ويسألنه عن شؤون الإسلام، ويفعلن ذلك مع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وولاة الأمور بعدهم، ويسلمن على الأجانب ويردون السلام، ولم يُنكر ذلك عليهن أحدٌ من أئمة الإسلام، ولكن لا يجوز لها أن تتكسر في الكلام ولا تخضع بالقول؛ لقوله تعالى:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].
لأن ذلك يغري بها الرجال، ويكون فتنةً لهم، كما دلت عليه الآية الكريمة.
أجابتها بصوتٍ خفيض:
- اسمي ريليان، وليس ليان، أمل.
نظرت إليها الصغيرة بضيق:
- لا أعرف أن ألفظه، اسمكِ ليان، وانتهى الأمر.
ابتسمت لها بقلة حيلة، ثم أمسكت يدها وهي تخاطب سارة:
- كيف حالكِ، سارة؟
سارت سارة بجانبها، ليتوجهن نحو الداخل، ثم أجابتها:
- بخير، لكنني تعبت من المذاكرة هذه السنة.
أجابتها ريليان بهدوءٍ وتشجيع:
- هانت، سارة، سوف تنتهي هذه الدراسة على خيرٍ بإذن الله، كوني واثقةً به.
نظرت إليها سارة بصدمة، فهي لأول مرة تتحدث بهذا الأسلوب، ثم خاطبتها بحماسٍ شديد:
- هل تعلمين ما هو موضوع الخطبة هذه المرة؟
نفت الأخرى برأسها، مجيبةً بتساؤل:
- لا أعلم، هل تعلمين أنتِ؟
أجابتها سارة بتأكيد:
- أجل، وهو موضوعٌ كنتِ تريدين سماعه بشدة.
نظرت إليها ريليان بعدم تصديق:
- تمزحين! أقسمي، سارة.
كتمت سارة ضحكتها بصعوبة:
- أقسم بمن أحلَّ القسم.
اتسعت ابتسامتها وهي تدلف إلى الداخل، فأخيرًا سوف تسمع ما طلبته، وكانت تنتظره بشدة.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!