الفصل السالع والخمسون
**توقفت أنفاس ريليان، هل ما سمعته حقيقي؟ أم أنها تحلم، وستستيقظ بعد قليل ليختفي كل شيء وكأنه لم يكن؟ هل حقًا سيتقدم إليها؟ يا الله... إنها تشعر بسعادةٍ لم تعرفها من قبل، أهذا هو جزاؤها لأنها أسلمت؟
هل استجاب الله دعاءها بهذه السرعة؟ لقد كانت تتمناه قبل إسلامها، ولم يتحقق، أما الآن، فما إن رفعت يديها تدعوه فجرًا، حتى وجدت أبواب الأمل تُفتح أمامها.
بلغت دقات قلبها مسامعها، ولم تخرج من شرودها إلا عندما لوحت سارة بكفها أمام وجهها وهي تقول:
- تحويل... من الفضاء إلى ريليان! هل تسمعيننا؟
أخفضت ريليان رأسها، وأخذت تفرك أصابعها بتوتر، ثم قالت وهي تحاول استيعاب ما تسمعه:
- لم أفهم جيدًا يا خالتي... كيف سيكون هذا؟ أتقصدين أنه سيتقدم لي من أجل حمايتي من عائلتي وأبي؟ لأنه ليس منطقيًا أن يطلبني وهو لم يختلط بي أصلًا... أليس كذلك؟ أم أنكِ أنتِ من أخبرته بذلك؟ خالتي... لا أفهم، أشعر أنني مشوشة.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه إبتهال، ثم قالت:
- سأكون معكِ صريحة يا ريليان. هذا القرار اتخذه سليم بنفسه، ولم أجبره عليه أبدًا، بل تفاجأت به مثلكِ. وحتى إنه سيكون زواجًا حقيقيًا، تستقرين معه بقية عمركِ بإذن الله... إن وافقتِ عليه.
ثم تنهدت، وأكملت توضح ما يجول في نفسها:
- في البداية رفضت قراره، لأنني ظننته زواجًا من أجل مصلحتك، لكنه أوضح لي أنه زواج حقيقي، فالزواج ليس مجالًا للتلاعب بمشاعر الناس يا عزيزتي، بل هو حياة تقوم على المودة، والرحمة، والتوافق بين الزوجين، ويُراد لها أن تستمر إلى آخر العمر.
ابتسمت لها، وربتت على يدها بحنان، ثم قالت:
- وإن كنتِ تحتاجين إلى وقتٍ للتفكير، فخذي راحتكِ، فلن يجبركِ أحد على شيء. ويمكنكِ أن تصلي صلاة الاستخارة حتى لا تتسرعي في قرار قد تندمين عليه لاحقًا.
ثم أضافت برفق مربتة على كتفها:
- فكري بعقلكِ قبل قلبكِ يا حبيبتي، فهذا قرار مصيري.
اعتدلت في جلستها، بعدما أبعدت سارة عنها برفق، ثم اتجهت نحو الباب وهي تقول:
- سارة، بإمكانكِ أن تعلميها كيفية صلاة الاستخارة، لكن لا تضغطي عليها، اتفقنا؟ أما أنا فسأذهب لإعداد طعام الغداء، فسليم ينتظر حتى يأكل قبل أن يذهب إلى موعده. انتبها على نفسيكما.
أوقفتها ريليان باستفسار:
- خالتي... ماذا تعني صلاة الاستخارة؟
توقفت إبتهال قبل أن تغادر، ثم التفتت إليها، وهي تمسك بمقبض الباب، وقالت:
- انظري يا عزيزتي، هذه الصلاة يصليها المسلم عندما يحتار في أمرٍ من أمور حياته، ويريد أن يختار الله له الخير، كالسفر، أو الزواج، أو غيرهما.
ثم تابعت:
- فيها يدعو العبد ربه، ويسأله أن يختار له ما فيه الخير، وأن ييسر له الأمر إن كان خيرًا، أو يصرفه عنه إن كان فيه شر، ويجعل قلبه راضيًا بما يقدره الله له.
ثم نظرت إلى سارة، وأعادت بصرها إلى ريليان:
- ستعلمكِ سارة دعاء الاستخارة، وستقولينه في صلاتكِ، حسنًا؟
ثم ابتسمت وهي تفتح الباب:
- لقد تأخرت في إعداد الطعام، سأذهب الآن، فسليم ينتظر الغداء قبل أن يغادر.
أدارت سارة أنظارها نحو الباب الذي أغلقته إبتهال خلفها، ثم أعادتها إلى ريليان التي كانت تنظر إليها بوجهٍ أحمر، وقد ظهرت السعادة بوضوح في عينيها.
بدأت الابتسامة ترتسم على وجه سارة، فتقدمت نحو ريليان وعانقتها بسعادة كبيرة وهي تقول:
- سوف تكونين زوجة أخي يا ريليان... لا أصدق أن سليم طلبكِ لنفسه.
ثم قبلتها على وجنتيها، وهي تتخيل رد فعل سمر، لتنطلق ضاحكةً عندما تخيلت شكل ابنة خالتها.
أبعدتها ريليان عنها باستغراب، وقالت:
- ما الأمر يا سارة؟
فتحت إبتهال الباب بعدما استمعت إلى صوت ضحكات سارة العالية، لتنظر إليها الأخرى محاولةً التوقف، سألتها باستفسار:
- ما بكِ؟ هل انفك سلكٌ من أسلاك رأسكِ؟
وبعد أن أوقفت سارة نوبة ضحكها، اعتدلت واقفةً على قدميها وهي تحاول كتم سعادتها، ثم تحدثت بصدمةٍ مصطنعة، مقلدةً رد فعل سمر:
- ماذا فعلتِ يا عمتي؟! هل سيتزوج سليم بتلك الصغيرة؟!
وأشارت بإصبعها نحو ريليان، ثم أكملت:
- إنها تخاطب نفسها فقط، للتوضيح.
ثم جلست على المقعد، ووضعت رأسها بين كفيها، وقالت:
- هل ذهب سليم مني؟! هل فضّل فتاةً أخرى عليَّ؟! أنا ابنة خاله وأنا أحق به... لا بد أنها سحرته، هذا مؤكد.
توجهت نحو الدولاب، وخاطبته وكأنه والدها:
- أبي، هل رأيت كيف رفضتك عمتي؟ إنها لا تريد نسبك وقرابتك.
ثم التفتت بنصف جسدها إليهما، وأوضحت:
- هذا رد فعلها في المنزل وهي تخاطب والدها، أي خالي هاشم.
خاطبتها إبتهال رغم ضحكها، وقالت بضيق:
- ليس إلى هذا الحد يا سارة. صحيح أن سمر تحب سليم، لكنها عاقلة وليست بهذه العقلية.
ضربت سارة بقدمها الأرض، وقالت بإصرار:
- أمي، دعيني أكمل ردات فعلها.
توقفت ريليان عن الضحك عندما سمعت جملة إبتهال بأن سمر تحب سليم، صحيح أن الحديث كان قد دار أمامها في ذلك اليوم، لكنها عندما سمعت الحقيقة بشكلٍ واضح، شعرت بشيءٍ يثقل قلبها.
نظرت إلى إبتهال متسائلة:
- خالتي... هل حقًا سمر تكن مشاعر لسليم؟
التفتت إليها إبتهال متنهدة، ثم أجابت:
- أجل، هذا صحيح. لكنها ليست رغبةً مني في حدوث ذلك، فأنا لا أحبذ زواج الأقارب. كثيرًا ما يجلب هذا النوع من الزواج مشاكل بين الإخوة أكثر من الزوجين أنفسهما.
ثم تابعت:
- وأنا لا أتحدث عن سليم وسمر تحديدًا، بل بشكلٍ عام، فكثير من الخلافات بين الإخوة تبدأ بسبب أبنائهم. لذلك أرى أن الأفضل تجنب الأمر، وهاشم يعلم أنني لا أفضل زواج الأقارب، لكنه يقول إن سليم رجل يخشى الله ولن تحدث مشاكل بينهما.
ثم التفتت إلى سارة موبخةً إياها:
- وأنتِ، كفى ذنوبًا، استغفري ربكِ واذهبي لدراستكِ.
ضحكت سارة بخفة، وشاركتها ريليان الحديث:
- أمي، أنا في إجازة ولست في دراسة.
حركت إبتهال رأسها بقلة حيلة من تصرفات ابنتها الطفولية، وقالت:
- إذًا راجعي حفظ القرآن، ولا أريد أن أسمع صوتكِ.
تذكرت سارة شيئًا، فخاطبتها وهي تكتم ضحكتها:
- صحيح يا أمي... ألم تكوني ذاهبة لإعداد الطعام؟ لأن سليم...
قاطعتها إبتهال متنهدة:
- لقد ذهب، ويبدو أنه لم يأكل شيئًا يا قرة عيني. سأذهب لإعداده الآن، إما أن نتناوله، أو ننتظره حتى يعود في المساء.
بعد ذهابها، جلست سارة زافرةً براحة، ثم نظرت إلى ريليان وقالت وهي تضيق عينيها:
- ريليان، إن رفضتِ أخي فسأرتكب بكِ جريمة، وسأخنقكِ بيدي هاتين. لا أريد سمر تلك صاحبة الصوت الذي يشبه صوت الغراب أن تكون زوجته، إنها ثعلبة ماكرة.
ثم ضربت جبهتها متذكرةً شيئًا، وقالت:
- لقد نسيت أن أخبركِ... إنها تعلم بأمر مبيتكِ هنا، ولا شك أنها علمت بدينكِ السابق. لقد واجهتني بالأمر بعد ذهابكِ، وتهربت منها.
ابتلعت ريليان ريقها بخوف، ونظرت إليها بعينين مضطربتين، فاعتدلت سارة بهدوء، وقالت مطمئنة:
- لا تقلقي يا ريليان، فأنتِ الآن مسلمة، وهذا هو المهم. وأرجو أن تكوني من نصيب أخي سليم. تعالي، سأعلمكِ كيفية الوضوء وصلاة الاستخارة.
أخرجت ريليان نفسًا عميقًا، ثم اعتدلت واقفةً، متوجهةً نحو المرحاض، وفي داخلها شعور مختلط بين الخوف والسعادة.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!