صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 139 من 150
وضع القراءة:

الفصل المئة وتسعة وثلاثون

**
أغمضت عينيها بملل، وهي تتمتم في داخلها بأنها تعرف هذا الأسلوب جيدًا، ثم استمعت إليه وهو يقول بنبرةٍ آمرة:
- اسمعيني يا ريم، لقد اشتريت شاشة تلفاز جديدة، ووضعتها في صالة المنزل، أما الشاشة التي كانت في الصالة فقد نقلتها إلى غرفتي، وسأحضر شاشةً أخرى أصغر لأضعها في غرفة الأطفال.
توقف لحظة، ثم سألها بلهجةٍ متعالية:
- هل أنتِ معي؟
أجابته بهدوء، محاولةً إنهاء المكالمة بأقل قدرٍ من الخسائر:
- أجل... أكمل.
أخذ نفسًا، ثم وضع قدمًا فوق الأخرى، وكأنه يلقي أوامر لا تقبل النقاش:
- وسأجدد الأريكة المنفردة الموجودة في الصالة... وإياكِ، عندما تعودين، أن أرى أي حيوانٍ جالسًا عليها. هل فهمتِ؟
أغمضت عينيها لثوانٍ، وابتلعت الإهانة التي أصابتها للتو، ثم قالت بهدوءٍ موجوع:
- إبراهيم... منذ أكثر من سنة، وأنا لا أهتم بالتلفاز أصلًا، ولا أشاهد أي برنامج.
قاطعها بسخريةٍ واتهامٍ اعتادت عليه:
- وهل ستخبرينني أنني لا أعرفكِ؟ أنا أحفظكِ جيدًا يا ريم.
حاولت أن تدافع عن نفسها، ولو لمرةٍ واحدة فقط، علّه يصدقها:
- إبراهيم، أنا لا أخرج من غرفة الأطفال منذ أن انتقلت سما إلى غرفتي... إلا نادرًا جدًا.
زفر بقوة، وكأنه لم يسمع منها شيئًا، ثم قال بلهجةٍ حاسمة:
- ريم، أنا أخبرتكِ بما لدي، وانسي تمامًا أن تنامي تحت المكيف.
فتحت فمها لتجيبه، لكنه فعل ما اعتاد عليه دائمًا...
أغلق الهاتف في وجهها.
أنزلت الهاتف، ثم انفجرت ضاحكة رغم مرارة الموقف.
عادت إلى كيان وسنابل، وروت لهما مضمون المكالمة كاملة.
وما إن انتهت، حتى شهقت كيان صارخةً باستنكار:
- ماذا؟! من الذي وصف بالحيوان تحديدًا؟!
تنهدت ريم، وهي تزفر بحرقة:
- أنا وطفلاي... ولا أعلم إن كانت سما تدخل معنا في الشتيمة أم لا.
ابتسمت كيان بسخريةٍ لاذعة، وقالت:
- لا يا عزيزتي... هو يقصدكم أنتم فقط، لأن الجديدة لها كل شيء.
كادت سنابل أن تنفجر بوابلٍ من الشتائم، إلا أن ريم قاطعتها سريعًا:
- سنابل... ليس الآن، كيان ما زالت هنا، وهي صغيرة.
عقدت سنابل ذراعيها وقالت بغيظ:
- فلتسمع! هي ليست صغيرة أصلًا.
اتسعت ابتسامة كيان، وقالت بسرعةٍ وفرحة:
- ريم، اشهدي! لقد اعترفت أخيرًا أنني لست صغيرة.
ضحكت ريم بقوة، وهي تشير إليها:
- تم تسجيل الاعتراف وتوثيقه، ولا مجال للتراجع.
التفتت سنابل إلى كيان وقالت باستفزاز:
- لا، لا... أنتِ صغيرة. لم أكن أقصد ما خرج مني، وستبقين طوال عمركِ صغيرة.
قلبت كيان عينيها بملل، وسط ضحكات ريم، ثم قالت:
- اتركي عنكِ هذا الآن... ريم، ما علاقة المكيف بالشاشة؟
زفرت ريم بقوة، ثم شرحت لهما:
- غرفتي فيها مكيف، وكذلك الصالة. وعندما كنت أنام في الصالة كان ذلك فقط بسبب المكيف، حتى لا أنام مع عمر وعلي في الغرفة نفسها... أقصد الغرفة التي احتلوها. فهو يقصد بكلامه أنني أنام في الصالة فقط لأجل المكيف.
سألتها سنابل وقد انعقد حاجباها:
- لحظة... أي غرفة فيها المكيف الآن؟
أجابتها كيان بهدوءٍ مصطنع:
- الغرفة المحتلة من قبل العدو... هل فهمتِ، أم نعيد الشرح؟
ضحكت سنابل بصوتٍ عالٍ، ثم قالت:
- لست بهذا الغباء، لقد فهمت... أكملي يا ريم.
تنهدت ريم بغصة، وقالت بصوتٍ خافت:
- وماذا أكمل؟ أنا وأطفالي نموت من الحر... لكن لا يهم.
ثم نهضت وهي تحمل هاتفها، وقالت بابتسامةٍ باهتة:
- سأغلق الآن... أمي تناديني، في أمان الله.
««::::::::::::-::::::::::::»»
أغمضت خديجة عينيها بقوة، واضعةً يدها على بطنها عندما اجتاحتها بعض التقلصات الخفيفة، فتحت عينيها ببطء، محاولةً أن تعتدل في جلستها، لكنها شعرت بذراعين تحيطان بها بإحكام، وكأنهما ترفضان أن تبتعد.
توقفت أنفاسها.ط، حاولت أن ترى جيدًا من يحتضنها، وما إن وقعت عيناها عليه حتى اتسعتا بصدمةٍ كبيرة، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.
رمشت مراتٍ متتالية، وظلت تحدق في ملامحه، تخشى أن يخدعها بصرها.
وفي تلك اللحظة... تحرك سليم قليلًا، ثم فتح عينيه ببطء، لترتسم على شفتيه ابتسامته الدافئة التي طالما كانت وطنها، وقال بصوتٍ هادئ كشف عن بندقة عينيه:
- صباح الخير. خديجة قلبي.
ارتجفت أناملها وهي تمتد نحو وجهه، أخذت تتحسس ملامحه واحدةً تلو الأخرى، تمرر أصابعها المرتعشة على وجنتيه، وأنفه، ولحيته، وكأنها تتأكد أنه ليس سرابًا.
ثم همست بصوتٍ اختلطت فيه الدهشة بالبكاء:
- هل... أنت حقيقي؟
ابتسم ابتسامته الساحرة التي كانت تذيب كل خوفٍ يسكنها، ثم اقترب منها، وطبع قبلةً طويلة على جبينها، وهمس برقة:
- بقدر حبكِ لي... أنا حقيقي.
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ مرتجفة، وسقطت دمعةٌ دافئة من عينيها، وهي ما تزال تمسك وجهه بكلتا يديها، ثم قالت وكأنها طفلة وجدت ضالتها بعد طول فقد:
- إذًا... أنت حقيقي...أنت حقيقي، وهذا يعني أنك خرجت من السجن، وسوف تبقى معي إلى الأبد... أليس كذلك؟
ضحك بخفة، بينما كانت عيناه تمتلئان بعشقها، ثم أجابها بحنان:
- نعم... سأبقى معكِ إلى الأبد، بإذن الله.
ظلت تحدق في عينيه البنيتين، الشبيهتين بلون القهوة، وكأنها تحفظ تفاصيلهما من جديد، لم تكن قادرة على استيعاب أنه ينام إلى جوارها، وأنها بين ذراعيه، وأن هذا الدفء الذي افتقدته طويلًا عاد إليها أخيرًا،
قطع شرودها صوته الهادئ، وهو يمسك بمعصمها برفق:
- أراكِ ما زلتِ ترتدينها.
أنزلت بصرها نحو الساعة التي تزين معصمها، فابتسمت بحب، ثم رفعت عينيها إليه قائلة:
- أجل، إنها تشعرني بالأمان، تشعرني أنك معي دائمًا، في اختباراتي وفي لياليَّ التي أخاف فيها وفي كل موعدٍ مع الطبيبة، كلما نظرت إليها... أشعر أنك لم تتركني أبدًا.
امتلأت عيناه بالحنان، ضمها إليه بقوة، وقبّل رأسها بعشقٍ عميق، وكأنه يعتذر لها عن كل لحظة غاب فيها عنها.
ابتعدت عنه قليلًا، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بابتسامةٍ يغلفها الشوق:
- هل تسمح لي أن أستمع إلى أجمل لحنٍ في هذه الحياة؟
نظر إليها باستغراب، ثم سألها مبتسمًا:
- وما هو؟
ابتسمت، ثم وضعت يدها فوق قلبه، وما إن فعلت ذلك، حتى ارتسمت ابتسامةٌ عفوية على شفتيه.
قربها منه أكثر، ثم أسند رأسها فوق صدره، وهمس بصوتٍ دغدغ أوصالها:
- استمعي خديجتي.
أغمضت خديجة عينيها...وبدأت تستمع إلى نبضات قلبه، لم تكن مجرد نبضات... بل كانت وطنًا افتقدته طويلًا...وأمانًا ظنت أنها خسرته إلى الأبد...وسيمفونيةً لم تُخلق إلا لتطمئن روحها وحدها.
احتضنته بخوفٍ شديد، حتى كادت تخنقه، كانت تخشى أن يكون كل ما تعيشه الآن مجرد حلم...وأن تستيقظ بعد لحظات لتجده قد اختفى مرةً أخرى، ورغم يقينها بأن الأحلام لا تدوم... تمسكت بذلك الحلم بكل ما أوتيت من قوة.
همست بصوتٍ مرتجف، وقد اختلط بكاؤها بابتسامتها:
- لا أعرف كيف يمكن للحب أن يكبر أكثر...لكنني أحبك كل يوم أكثر من اليوم الذي قبله، اشتقت إليك يا سليم...اشتقت إليك حتى أوجعني الغياب، أرجوك لا تختفِ مرةً أخرى أنا وطفلتاك بحاجة إليك، ضمني بقوة....بقوةٍ تجعلني أصدق أنك هنا...قبل أن تتبخر من بين يدي كالسراب.
ابتسم سليم، لكن ابتسامته كانت تخفي دمعةً حبست نفسها داخل عينيه، ثم شدد احتضانها بكل ما يملك من قوة، حتى أصبحت بين ضلوعه، وكأنه يريد أن يخبئها داخل قلبه، حيث لا يصل إليها فراقٌ ولا خوف، ولا يستطيع القدر أن ينتزعها منه أبدًا.
««::::::::::::-::::::::::::»»
**
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.