الفصل الخامس والثلاثون
**
بعد أن وصل سليم إلى المنزل، وضع أمل التي كانت نائمةً في سرير سارة بعدما قامت الأخرى بفتحه لها.
كاد أن يخرج، لكن سارة أوقفته وهي تخاطبه بسعادة:
- هل رأيت كيف هي فتاة صالحة؟
نظر إليها سليم متحدثًا بهدوء:
- أتمنى من الله أن يصلح حال البقية، وأن يهديهم إلى طريقه. ففي مجتمعنا وزماننا هذا، يعلمون الصواب من الخطأ، ورغم ذلك يعاندون ويكابرون متمسكين بمعتقداتهم وآرائهم.
زفرت سارة وهي تقوم بخلع حجابها، مطلقةً لشعرها الأسود العنان ليظهر، ثم تحدثت بأسفٍ مخلوطٍ بالسعادة:
- أجل، هذا صحيح، ومع الأسف. لكنني سعيدةٌ حقًا بأنها أصبحت مسلمة.
ثم أكملت ببعض الخوف:
- لكن كيف سيكون تعامل عائلتها معها، وخاصةً والدها؟ إنه صعب التعامل، وقد أخبرتني عنه كثيرًا.
تنهد سليم بقلة حيلة، ثم أجابها بعجز:
- سيكون الله معها يا سارة، لا تقلقي. عليكم بدعمها وتشجيعها فقط. كل شخص يقوم بتغيير دينه وطائفته يواجه الصعاب في بداية الأمر، لكن من لديه صدقٌ في توبته فسوف يقوم بمواجهة تلك المصاعب بعون الله.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرته ببطء:
- لكن والدها راهب وله مكانةٌ في الكنيسة الكاثوليكية، ولا أظنه سيتغاضى عن فعلٍ كهذا.
نظر إليها سليم، ولا يعلم لماذا تذكر أحد الأشخاص، ليسألها مستفسرًا:
- هل تعلمين اسمه؟
أومأت وهي تجيبه بتأكيد:
- أجل، اسمه جرير.
فتح سليم عينيه بصدمةٍ كبيرة.
أجل، إنه ذلك الراهب الذي كان يدّعي وجود العديد من الأخطاء في القرآن الكريم، والذي استفزه بشدةٍ في إحدى الندوات التي ألقاها.
إنه يعرفه حق المعرفة، فهو يكن له عداوةً أكثر من المسلمين أنفسهم.
شعر ببعض الشفقة تجاه ريليان، لكنه أجاب سارة بهدوء:
- إنني أعرفه، إنه صعب التعامل حقًا.
نظرت إليه سارة بفضول، متسائلة:
- حقًا؟ هل تعاملت معه من قبل؟
أومأ لها مجيبًا بتذكر:
- أجل، لقد جاء ثلاث مرات إلى ندوة "رحلة الإيمان والإسلام"، وكان يبحث عن طرقٍ ملتوية للتشكيك في الدين الإسلامي والقرآن الكريم، وكان يجادل في أكثر من أمر، لكن بفضل الله كنت له بالمرصاد. سوف يعود، وأنا متأكد من ذلك، فهو ذو رأسٍ عنيد.
نظرت إليه سارة بنعاسٍ شديد، ثم أومأت له بتفهم بعدما توقف عن الحديث.
وضعت يدها على فمها إثر تثاؤبها، ثم تحدثت:
- حسنًا، يبدو أنني سأنام وأنا واقفة.
ضحك سليم بخفة لصوتها، ثم اقترب منها وقبّل جبينها بحبٍ وحنان:
- حسنًا، تصبحين من أهل الجنة يا حبيبتي.
ابتسمت له بحبٍ أخوي كبير:
- وأنت من أهلها يا سليم.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في منزل ريم، وبعد عدة ساعات، سمعت صوت الباب يُفتح، ليدلف بعدها إبراهيم كالعاصفة. استقبلته ريم بتوتر وهي تشاهد علامات الغضب ترتسم على وجهه، لتقترب منه في محاولةٍ لأن تثنيه عن ضرب سما بعدما اقترب من غرفتها، ولكن دون جدوى، فقد كان السيف قد سبق العذل. دلف إبراهيم إلى الغرفة بعدما أبعد ريم عن طريقه، ليغلق الباب خلفه بغضبٍ كاد أن يحطمه.
جلست ريم بخوف، وهي تدعو الله ألا يحدث بينهما شيء، لتستمع إلى صوت الضرب الذي كانت تتلقاه سما.
فتحت الباب بسرعة، لتحمد الله أن إبراهيم لم يغلقه بالمفتاح، ثم توجهت نحوه في محاولةٍ لتخليص سما من بين يديه. نظرت إليه لتجده ممسكًا بها، ينهال عليها ضربًا بيديه وقدميه في كل مكان، بينما كانت الأخرى تتلوى على الأرض في محاولةٍ للفرار منه. حسنًا... إنه المشهد نفسه، يتكرر مرةً أخرى أمام ناظريها.
أسرعت نحو إبراهيم، تخاطبه برجاءٍ وتوسل:
- أرجوك يا إبراهيم، توقف... سوف تموت بين يديك.
لم يستمع إليها، بل أمسك سما من جذور شعرها الأسود، متحدثًا بغضب:
- أين هاتفكِ؟ أين أخفيته يا سما؟
لم يتلقَّ منها أي رد، فأمسك خفها المنزلي وضربها به على رأسها. حاولت ريم أن تدافع عنها، فوقفت بينهما كحائل، لكن هيهات... فما كان أمام ثورٍ هائج رأى وشاحًا أحمر إلا أن يبطش بكل من يقف في طريقه. جاءت ضربةٌ قوية على يدها، جعلتها تتأوه من شدة الألم.
كانت تدفع إبراهيم بعيدًا عن سما، وهي تخاطبها برجاء، رغم الألم الذي ينهش يدها:
- أرجوكِ يا سما، أخبريه أين الهاتف، وارحمي نفسكِ من هذا الضرب.
لكن سما لم تكن تستوعب ما يحدث، فالضربة التي تلقتها على رأسها أفقدتها الوعي لعدة دقائق.
نظر إبراهيم إلى جانبه الأيمن، ليجد وصلة شاحن الهاتف، فأمسكها، ثم أبعد ريم عن طريقه، واتجه نحو سما الفاقدة للوعي، ليبدأ جولةً أخرى من الضرب.
بدأت ريم تذرف الدموع على مصير سما، فتوجهت نحو إبراهيم، ودفعته بكل ما أوتيت من قوة محاولةً الدفاع عنها، لكنها لم تنجح إلا بعدما وقع بصر إبراهيم على دمى سما المحشوة، فاتجه نحوها يمزقها بغضبٍ عارم.
نظرت إليه ريم برجاء أن يتركها، فسما كانت متعلقةً بها تعلقًا شديدًا، لكن دون فائدة. حاولت مرةً أخرى مع سما بعدما أفاقتها، في محاولةٍ لإقناع إبراهيم بأن يكف عما يفعله، ولكن الوقت كان قد تأخر... فقد قضى إبراهيم على جميع دماها.
عندما نظرت سما إلى الأرض ورأت دماها ممزقةً بطريقةٍ وحشية، شعرت بقهرٍ مزق قلبها.
وبعدما انتهى إبراهيم من فعلته، كاد أن يضربها مرةً أخرى، لكن ريم وقفت بينهما، بعدما مسحت دموعها، تتوسل إليه بحرقة:
- أرجوك يا إبراهيم، أتوسل إليك أن تتوقف. سوف تخبرك أين هو، أعدك، لكن اهدأ ولا تضربها.
نظرت إلى سما، وتحدثت إليها باستعطافٍ ورجاء:
- سما، حبيبتي... من أجلي، أخبريه أين وضعتِ الهاتف.
وبعد ثوانٍ، رفعت سما إصبعها بصعوبة، تشير إلى مكان الهاتف الذي كانت قد أخفته فوق خزانة الملابس.
أخذه إبراهيم، ثم خرج من الغرفة دون أن ينطق بكلمة.
حاولت ريم مساعدة سما على النهوض من فوق الأرض، لتخاطبها سما برجاءٍ يقطع القلب:
- أرجوكِ يا ريم... ساعديني لأتخلص منه... أرجوكِ، انظري إلى هذه الدمى... ما ذنبها؟
نظرت إليها ريم بحسرةٍ وشفقة، ثم ابتسمت لها محاولةً التخفيف عنها:
- اهدئي يا سما... اهدئي حبيبتي، ونامي الآن، وغدًا سأحاول إصلاحها، فلا تقلقي.
استجابت لها سما، ونهضت بمساعدة ريم، لتتوجها نحو السرير.
وضعت ريم الغطاء عليها، وقبل أن تطفئ ضوء الغرفة، نظرت إليها بإشفاقٍ وحزن، ثم خرجت.
---
في صباح اليوم التالي، وبعد خروج إبراهيم إلى عمله، والذي كان قد قضى الليل عند ريم رغم أنه كان يوم سما، توجهت ريم بسرعة نحو غرفة سما.
دلفت إلى الداخل، ونظرت إليها متحدثةً بابتسامةٍ هادئة:
- كيف حالكِ الآن يا سما؟
رفعت سما نظرها إليها، فتجمدت ريم في مكانها وهي ترى الكدمة الزرقاء التي أحاطت بعينها.
تحدثت بأسفٍ بالغ:
- أعتذر يا سما... لقد حاولت أن أمنعه من الدخول إليكِ منذ البداية.
اعتدلت سما، وقد تألمت كثيرًا من الحركة، فجسدها بأكمله كان مزينًا بالكدمات الملونة، ثم خاطبتها بغصة:
- وما ذنبكِ أنتِ فيما حدث حتى تعتذري؟
بدأت بالبكاء بشدة ما إن وقعت عيناها على أشلاء الدمى.
توجهت ريم نحوها في محاولةٍ لجمعها، ولكن بلا جدوى.
وبعد مدة، خاطبتها سما وهي ترى استحالة إصلاحها:
- دعيها يا ريم... لا عليكِ، فلن تستطيعي إصلاحها كما كانت من قبل.
اتجهت ريم نحو الخزانة، وأخرجت حقيبةً بلاستيكية كبيرة، ووضعت الدمى بداخلها، ثم خاطبتها:
- سأضعها الآن فقط، وفيما بعد سنحاول إصلاحها معًا. والآن سأحضر لكِ الطعام لتتناولي إفطاركِ.
خرجت ريم، ثم عادت بعد عدة دقائق، تحمل صينية الإفطار، وكانت تضغط على يدها من شدة الألم.
تحدثت بلطف:
- تناولي إفطاركِ، سأوصل الأولاد إلى مدارسهم، وأعود قبل أن يذهب الباص.
نظرت سما إلى الطعام، ثم أومأت لها بهدوء.
وبعد مدة، عادت ريم لتجد الطعام كما هو، فخاطبتها معاتبةً بخفة:
- لماذا لم تأكلي يا سما؟ لقد أحزنتِني.
نظرت إليها سما نظرةً طويلة أثارت استغرابها، ثم تحدثت بتردد:
- ريم... أريد أن أخبركِ بشيءٍ حدث معي.
أومأت لها ريم بقلق، فأكملت سما بترددٍ أكبر:
- لقد رأيت حلمًا... لكنه كان أشبه بالواقع، وتذكرت حين أخبرتِني عن حلمكِ.
قاطعتها ريم مستفسرة:
- عن أي حلمٍ تتحدثين؟
أجابتها سما بتردد:
- ذلك الذي كان له علاقة بالجن العاشق... حلمي كان يشبهه كثيرًا.
نظرت إليها ريم وهي تحاول التفكير بعقلانية، ثم تحدثت بجدية:
- سما... لا بد أن تخبري إبراهيم بهذا الحلم، وعليه أن يسأل أحد الشيوخ عنه.
قاطعتها سما بسرعة:
- لا أريد... فقط أخبريني ماذا فعلتِ أنتِ، وأنا سأفعل مثله.
أجابتها ريم وهي تسترجع تلك الأيام:
- لكنني لم أفعل شيئًا، ولم أخبر أحدًا بذلك الحلم من قبل. راجعت نفسي وتصرفاتي، وأدركت أن السبب لا بد أن يكون تقصيرًا في حق الله، فأصبحت أواظب على الصلاة، وذكر الله، والاستغفار، وقراءة القرآن، فلم يتمادَ معي ذلك الجن. أما أنتِ يا سما، فاعذريني... أنتِ لا تحافظين على صلاتكِ أصلًا.
أغمضت سما عينيها، ثم زفرت بتنهيدةٍ مثقلة:
- أعلم... لكنني أخشى أن يظن إبراهيم أنني أختلق هذا الكلام.
نظرت إليها ريم بإشفاق، ثم قالت:
- لا أعتقد أنه سيفكر بذلك، ولا بد أن تفعلي شيئًا قبل أن يفسد هذا الأمر جميع نواحي حياتكِ. عندما يعود، اطلبي منه أن تتحدثي معه بهدوء.
خرجت ريم من عندها، بعدما أقنعتها أن تنتظر عودة إبراهيم لتخبره بذلك الحلم.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد مرور أسبوعٍ كامل، كانت ريليان تخرج من باب مدرستها، وهي تنتظر سارة لتذهبا سويًا نحو المنزل، بعد أن غادرت رلين مع ديفيد عقب أن ودعتهما. كانت متحمسةً لذلك اللقاء الذي ستشاهد فيه كيفية أداء الصلاة، فقد أرادت أن تتقنها جيدًا، بعدما حفظت سورة الفاتحة كاملة، وآخر ثلاث سورٍ من القرآن الكريم، كما طلب منها سليم.
طوال هذا الأسبوع، كانت تقرأ من الكتيبات إلى جانب دراستها، كما أصبحت تدافع عن المسلمين في منزلها كلما ذُكروا بسوء، فقد رأت أن ذلك حقٌ عليها بعدما تعلمته. نعم، لقد أصبحت شديدةً في هذا الأمر، ولم تعد تسمح لعائلتها بأن يتمادوا في الإساءة إليهم.
أما بالنسبة لأمبر، فقد أخبرته، محاولةً التهرب منه، ألا يزورها حتى تنتهي من اختباراتها، وقد احترم الآخر رغبتها.
نظرت إلى سارة التي تقدمت نحوها، فتوجهت إليها وعانقتها بمحبة، ثم تحدثت بسعادة:
- لقد اشتقتُ إليكِ كثيرًا.
ابتسمت لها سارة بمحبة، تبادلها العناق والابتسامة، ثم قالت:
- وأنا أيضًا اشتقتُ إليكِ، هل ستأتين معي اليوم؟
أومأت ريليان برأسها مؤكدة:
- بالطبع، سأأتي، فقد اشتقتُ إلى خالتي ابتهال كثيرًا.
ابتسمت لها سارة، ثم توجهتا نحو الطريق العام.
وقعت عينا سارة على ملابس ريليان، والتي كانت تتكون من سروالٍ واسع، وقميصٍ طويلٍ يخفي ذراعيها بالكامل، بينما بقي شعرها منسدلًا، فلاحظت ريليان نظرتها، وتحدثت بتفهم:
- لن أرتدي الحجاب الآن يا سارة، فما زالت عائلتي لا تعلم بإسلامي. حاولت أن أرتدي ثيابًا طويلةً ومحتشمة، لكنني لم أجد غير هذه الملابس، وأحمد الله عز وجل أن المدرسة تسمح لنا بارتداء ما نريده خلال فترة الاختبارات.
تحدثت سارة، وقد تذكرت أمرًا:
- صحيح، كيف كان اختباركِ؟
أجابتها ريليان بابتسامةٍ امتزجت بالشكر والحمد:
- الحمد لله، كان سهلًا بفضل الله. وأنتِ، كيف كان اختباركِ؟
تنهدت سارة براحة، ثم قالت:
- الحمد لله، كان سهلًا أيضًا.
ابتسمت لها ريليان بسعادة، وأكملتا سيرهما.
وبينما كانت ريليان تنظر إلى الطريق، لمحَت أحد الأشخاص يتقدم نحوهما.
اتسعت عيناها فجأة، وتجمدت خطواتها في مكانها، ثم التفتت بسرعة نحو سارة، التي كانت تنظر إلى القادم برعبٍ واضح، وقد انعكس الخوف على ملامحها.**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!