الفصل المائة واثنان
**
ازدادت دموعها انهمارًا وهي تهمس:
- اللهم إني مقصرةٌ وأنت الكريم، ومذنبةٌ وأنت الحليم، وفقيرةٌ وأنت الغني عني. اللهم تجاوز عني بعفوك ومغفرتك يا أكرم الأكرمين.
أغمضت عينيها، وما زالت تبكي بقوة، ثم تابعت دعاءها:
- اللهم أصلح قلبي، اللهم أصلح سريرتي، اللهم أصلح ديني، اللهم أصلح عملي، اللهم أصلح آخرتي. اللهم إني أسألك الهداية والاستقامة، اللهم اهدنا واهدِ بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى.
ثم أخذ صوتها يزداد خشوعًا:
- اللهم غيّرني لما تريد أنت، واختر لي ما تشاء أنت، واجعل قلبي متعلقًا بك وحدك. وبدّل ما تراه عيني جميلًا بما تراه أنت، واجعلني أرى كل شيءٍ من خلالك أنت. اللهم إني سلّمتك أمري ونفسي في الدنيا، فاجعل دنياي كما تحب أنت، وآخرتي برحمتك أنت، فما لي سواك يا الله.
رفعت رأسها بعدما انتهت من دعائها، لتقرأ التشهد وتختم صلاتها بالتسليم.
نظر إليها سليم الذي كان قد انتهى قبل قليل، فتقدم منها يمسح دموعها بأصابع يده التي ما زالت مبللة بها، فقد أدرك صدق توبتها ورجوعها إلى الله. أمسك يديها برفقٍ، وتحدث إليها بلطفٍ ومحبة:
- سأقول دعاءً الآن وكرريه خلفي، وعليكِ أن تقولي: اللهم إني أمتكِ وابنة عبدكِ وابنة أمتكِ بدلًا من ابن عبدكِ، اتفقنا؟
أومأت له برأسها وهي تتمسك بيده تستمد منه القوة، ليبدأ سليم بالدعاء ناظرًا إلى عينيها اللتين تأخذانه إلى عالمٍ آخر. صحيح أنهما عينان عاديتان، لكن فيهما سحرٌ خاص يحبهما:
- اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت. اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك. أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي. لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين.
ما إن انتهى من دعائه حتى صدح أذان الفجر، معلنًا بداية يومٍ جديد، وبداية أملٍ لا يغيب، ويقينٍ أكبر بربٍ رحيم. رددا خلف الأذان معًا، ثم التفت إليها متسائلًا:
- هل أنتِ أفضل الآن يا ريليان؟ هل ارتحتِ أم ما زلتِ تشعرين بقلة الحيلة؟
ابتسمت له بصدقٍ وأجابته:
- إنني أفضل والحمد لله، وأتمنى أن يغفر الله لي زلتي.
ربت على كتفها بهدوء، وقال مطمئنًا:
- سيكون كل شيءٍ بخير، لا تقنطي من رحمة الله، إنه واسع المغفرة. هيا انهضي لنصلي الفجر، لأذهب بعدها إلى المسجد، فقد تخلفت عنه كثيرًا، ويبدو أن قاسم سيوبخني.
تساءلت بتعجب:
- قاسم؟! من هذا؟
أجابها بضيقٍ وغيرةٍ ظهرت في نبرته قليلًا:
- إنه صديقي، ولا تلفظي اسمه يا ريليان، ولا أي اسم رجلٍ آخر، اتفقنا؟
أومأت له بهدوء، مستغربةً ضيقه، لكنها لم تجادله هذه المرة. اعتدلت على قدميها، ثم خاطبته وهي تفكر:
- لماذا لا نصلي جماعةً مع أمي وسارة؟
ابتسم لها بعشق، وقبّل جبينها:
- بارك الله فيكِ حبيبتي، كما تشائين.
ابتسمت بخجلٍ، وقد توردت وجنتاها، وهو ما لاحظه سليم، لتخاطبه بحب:
- لقد دعوتُ لك أن يهديك المولى، وأن يعطيك حتى ترضى.
وكم أسعده سماع ذلك منها، حين علم أنها تدعو له دون أن تعرف أن دعاءها كان مطرًا على قلبه، يسقي جفاف المسافة والبُعد بينهما. عجز عن الرد، فانحنى ليعانقها، فهذا أقل ما يمكنه فعله لها في هذه اللحظة.
ابتعد عنها بعدها، وهو يمسك بيديها متوجهين نحو الأسفل.
««:::::::::::::-::::::::::::::»»
استيقظت ريم في الصباح وهي تشعر بانقباضٍ غريبٍ في قلبها، وكأن أمرًا سيئًا قد حدث، لكنها لم تعلم سبب هذا الشعور. لم تُلقِ بالًا لذلك الإحساس، ونهضت لتؤدي صلاة الفجر التي فاتتها بسبب تأخر نومها، فقد كانت تنتظر عودة إبراهيم وسما حتى يطمئن قلبها عليهما.
خرجت من غرفتها، لتجد حذاء إبراهيم فقط، بينما لم تجد حذاء سما بجانبه، مما جعلها تبتلع ريقها بتوجسٍ، وهي تدعو الله أن يكون ما يدور في ذهنها غير صحيح.
توجهت إلى المطبخ لتتمكن من إعداد وجبة الإفطار لأطفالها، وفي تلك الأثناء سمعت صوت باب غرفة إبراهيم يُفتح، فالتفتت لتجده يتقدم نحوها.
ابتسمت له ريم بهدوءٍ وترقب:
- صباح الخير. متى وصلتما؟ هل كان ذلك بالأمس؟ لم أشعر بقدومكما.
ابتسم لها إبراهيم، ولا تعلم لماذا استشعرت إجابته قبل أن ينطق بها:
- جئتُ في الثالثة صباحًا، لكنني جئت بمفردي. لقد تركت سما عند أهلها، وألقيت عليها يمين الطلاق.
نظرت إليه طويلًا، وقد أُلجمت بالصدمة. صحيح أنها كانت تتوقع هذا الرد منه، خاصةً عندما لم تجد حذاء سما وشعورها الغريب منذ لحظة استيقاظها، لكن عندما سمعت كلماته انتابتها رجفةٌ لم تستطع تفسيرها.
وأخيرًا خرج صوتها بعدما استجمعت نفسها:
- ما هذا الهراء يا إبراهيم؟ وماذا حدث لترمي عليها يمين الطلاق؟ لا بد أنك تمزح!
نفى برأسه، ثم بدأ يسرد لها ما حدث في الليلة الماضية، لتسارعه ريم بسؤالٍ متعجب:
- ووالدتها؟ كيف تقبلت ما حدث؟
أجابها ببساطةٍ تامة:
- تجمع الجيران وإخوتها، وهبطت والدتها رغم مرضها، وتمسكت بذراعي حتى أصعد إلى الأعلى مرةً أخرى. كما أن أخاها قبّل رأسي أيضًا كي أعود إلى المنزل. لم أشأ في البداية، لكن عندما نظرت إلى والدتها وجدت أن رأسها لا يغطيه سوى قميصٍ قطني، فصعدت معهم إلى الأعلى، وقصصت عليهم ما حدث بيننا.
ثم تابع:
- فقالت لي والدتها: ما الذي يرضيك يا إبراهيم وأنا سوف أفعله لك؟ فأنا لا أريد خسارتك.
رفعت ريم حاجبها باستغرابٍ من موقف والدة سما:
- وما كان ردك إذًا؟
وضع كوب الماء على الطاولة، ثم أجابها:
- أخبرتها أن ما يرضيني قد فعلته بالفعل، فقد ضربتها، وهي من أتت إليكم بالفضيحة أمام الجيران. وابنتكم هي من فعلت ذلك، وأنا سأعود إلى بيتي الآن بدونها، فأنا لم أعد أطيق النظر في وجهها.
نظرت إليه بصدمةٍ من كلماته التي يتفوه بها. هل قال ذلك حقًا؟ كانت تعلم أنه لا يهتم بأحد، وأنه يرى نفسه دائمًا على صواب، لكنها لم تتوقع منه هذه القسوة.
سألته بفضول:
- وما كان ردها؟ أو رد إخوتها؟
اتجه نحو الخارج وجلس على الأريكة، فتبعته ريم بفضول، ليجيبها وهو يضع قدمًا فوق الأخرى:
- وما الذي يمكنهم قوله يا ريم؟ القرار لي. لقد قالت: حسنًا يا إبراهيم، سأتركك حتى تهدأ، وسأحضرها إليك غدًا. وبعد ذلك خرجت من بيتهم إلى الأسفل، وقد رافقني أخوها بعدما أصر على إيصالي.
ثم أردف:
- قال لي: أنا لا أريد خسارتك يا إبراهيم، فهو يظن أنني سأفسد علاقتي به. فأخبرته أن علاقتي به لا علاقة لها بسما البتة.
أحنت ريم زوايا فمها بتعجب:
- وماذا بعد؟
رفع كتفيه للأعلى ثم أنزلهما بخفة:
- لا شيء. تركتهم وعدت إلى هنا. وقد جاءتني منهم اتصالات عديدة منذ الصباح، من أختها وأخيها ووالدتها أيضًا، يطلبون مني التراجع عن قراري، لكنني لن أفعل.
صُدمت ريم كثيرًا من حديثه، ولم تعد قادرةً على التفكير. ففي بداية زواج إبراهيم بسما كانت تريد هذا الطلاق بشدة، لكن سما الآن أصبحت كأختها، تعرف عنها كل شيء، وتشاركها تفاصيل حياتها.
هزت رأسها مستنكرةً أقواله، فهي غير مقتنعةٍ بما يقول، وبالتأكيد قد اختلق معظم الحديث أو أخفى جزءًا كبيرًا منه.
اعتدلت من جانبه، وعادت لإكمال إعداد الإفطار بعدما استيقظ أطفالها، وهي تدعو الله أن يحدث ما هو أصلح لها ولأولادها.
««:::::::::::::-::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!