الفصل الثامن والتسعون
**
أولًا: ممنوع الاقتراب من سارة حتى تنتهي السنة الدراسية، واعتبرها ما زالت في منزلي.
ثانيًا: لا أريد أن يتراجع مستواها الدراسي، وإن لاحظت ذلك، فسآخذها لتكمل السنة في منزلي.
ثالثًا: ستضمن عدم تعرض والديكِ لها بأي شكل.
أنهى تقليده، ثم انحنى من شدة الضحك، وهو يمسح دموعه التي خرجت من عينيه، وقال ساخرًا "سامحك الله يا سليم، وتقول إن هناك شروطًا أخرى ستخبرني بها لاحقًا! ما الذي أبقيته ولم تقله؟ هل بقي أن تعيش بيننا أيضًا؟!"
تنهد وهو لا يزال يبتسم، ثم نهض متجهًا نحو المطبخ، فتح الثلاجة، وأخرج الحليب ليضعه بجانب الإفطار، وقلبه، رغم كل المزاح، كان يعد الأيام، حتى يأتي ذلك الشهر.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
عاد سليم في المساء، عاد بجسدٍ أنهكه التعب، وبروحٍ أثقلتها حربٌ لا يراها أحد، دلف إلى المنزل بخطواتٍ بطيئة، وكأن كل خطوة تسحبه أكثر إلى ذلك المشهد الذي حاول طوال اليوم الهروب منه.
منذ ساعات الصباح الأولى، لم يعرف طريقًا سوى المسجد، جلس هناك طويلًا يصلي، يدعو ويستغفر، كان يرفع يديه إلى الله بقلبٍ يرتجف، يرجوه أن يكون أمبر كاذبًا، أن يكون كل ما قاله مجرد محاولةٍ خبيثة لتحطيمه، وأن تكون ريليان بريئة كما يعرفها.
لكن المشكلة لم تكن في تصديق أمبر، المشكلة كانت في الصور التي زرعها حديثه داخل عقله، صورٌ لم يطلبها، ولم يرغب بها، لكنها كانت تلاحقه في كل لحظة.
جلس على الأريكة شاردًا، يحدق أمامه دون أن يرى شيئًا، مرر يده على وجهه، يمسح دموعًا لم تتوقف منذ ساعات، كان يحاول أن يكون قويًا، لكنه لأول مرة شعر أن قوته لا تكفي.
وضع وجهه بين كفيه، هامسًا بألم " يا رب... لا تجعل ظني بها يخطئ"
خرجت ابتهال من غرفة ريليان بعدما تأكدت أنها ما زالت نائمة، ثم اقتربت منه بهدوء، ووضعت يدها على كتفه.
- بني!
رفع رأسه إليها، كانت عيناه تحملان تعب يومٍ كامل، وخوف رجل لا يعرف كيف ينقذ من يحب، سألها بصوتٍ مبحوح:
- هل هي مستيقظة أمي؟
هزت رأسها نفيًا، ثم تنهدت بثقل:
- لا... إنها نائمة منذ وقتٍ طويل.
ثم صمتت قليلًا قبل أن تكمل:
- حتى إنها لم تؤدِّ صلواتها، سليم أخبرني بكل ما حدث.
أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يستعد لإعادة عيش الكابوس مرة أخرى، ثم بدأ يقص عليها كل شيء، من لحظة وصوله إلى منزل عائلتها، وعثوره عليها، حتى كلمات أمبر التي ما زالت تطارده.
عندما انتهى، نظرت إليه ابتهال باستنكارٍ ولوم:
- وهل تصدق حقًا أنه اقترب منها يا سليم؟ أم أنك تفكر للحظة أن ريليان قبلت بذلك حقًا؟ لا تقل لي انك تصدق؟!
تنهدت بأسى تكمل حديثها الذي آلمه:
- يا بني... أنت أخطأت، إن ظننت ذلك فستكون لا تعرف زوجتك، لكني اعرف انك لا تعرف ريليان فقط، أنت تعرف قلبها، وتعرف كل شيءٍ عنها فكيف صدقت ذلك؟!
خفض سليم نظره، يجبها بألم:
- لا أصدقه أمي، والله لا أصدقه، أعلم أنه قال ذلك فقط ليغضبني... ليجعلني أبتعد عنها، لكن صوته، وكلماته، وخيالي... كلها لا تتركني.
ابتلع غصته وأكمل بقهرٍ كبير:
- خاصة عندما تذكرت حالتها عندما وجدتها، ثيابها، شعرها، ضعفها... أمي أنا أحاول، أقسم لك أنني أحاول، لكنني أشعر أنني أختنق، أخشى أن أدخل عليها الآن فأقول شيئًا يؤذيها، أخشى أن أظلمها وأنا أكثر شخصٍ يجب أن يحميها.
ربتت ابتهال على كتفه بحنان تشجعه:
- لا تكن أنت ما حدث عليها يا بني، ها أنت بنفسك تقول إنك لا تصدقه، إذًا اذهب إليها واحتويها، هي الآن لا تحتاج إلى رجلٍ يحاكمها، بل تحتاج إلى زوجٍ ساندها.
ثم تابعت بتعقلٍ كبير ناظرةً اليه بقوة:
- هل تظن أن فتاةً تحدت عائلتها كلها، وتركت حياتها السابقة من أجل ما آمنت به، ستفعل بك هذا؟ هل ستفعل فعلتها، وهي من ارادت الاسلام في بداية امرها من حبها لك؟! هل ستفعل ذلك من تحملت نبذ عائلتها؟!
ربتت على كتفيه تشجعه بكلماتها ونظراتها:
- اذهب إليها يا سليم، وأنا هنا، إن شعرت أنك ستفقد السيطرة على غضبك سأتدخل.
ظل صامتًا للحظات، ثم سأل بتردد:
- هل أخبرها بأمر شقيقتها التوأم الآن؟
فكرت ابتهال قليلًا، ثم أجابت:
- لا أعلم، لكنني أفضّل أن تعرف منك حتى لا تنصدم فيما بعد، لا تجعلها تعيش في ظلامٍ أكثر، اذهب يا بني ولا تتركها لظنونها.
أومأ سليم، ثم رفع نظره إلى الأعلى، كان الصعود إلى غرفته أصعب من أي معركة خاضها، وقف أمام الباب طويلًا، ثم فتحه ببطء، استقبله الظلام والهدوء، مد يده وأشعل الضوء.
كانت ريليان مستلقية على السرير، لكنها لم تكن نائمة، اقترب منها وجلس بجانبها، ظل صامتًا للحظات قبل أن بخرج صوته مبحوحًا:
- افتحي عينيكِ ريليان، أعلم أنكِ مستيقظة.
فتحت عينيها ببطء، نظرت إليه بحزنٍ عميق آلمه، لتخاطبه بعتاب:
- لماذا جئت؟ أكمل يومك في الخارج، هيا اذهب.
شد سليم يديه حتى لا يظهر ألمه، يجيبها بهدوء:
- ماذا تعنين؟ كل ما حدث أنني احتجت لبعض الوقت لأفكر.
اعتدلت في جلستها، والدموع بدأت تتجمع في عينيها:
- إذًا أنت لا تصدقني، أنت صدقت أمبر.
هز رأسه بسرعة عندما وجدها تبكي:
- لا، لم أصدقه يا ريليان، لكن الأمر كان أكبر مما أستطيع تحمله، أنا لا أحتمل فكرة ما قاله، ولا أحتمل تخيلها.
ضحكت بخفة موجوعة، وكأن كلامه جرحها أكثر:
- انظر إلى نفسك يا سليم، انظر الى تناقضك، أنت تقول إنك لا تصدقه، لكنك تتحدث وكأنك رأيت ذلك بعينيك، أنا أقسم لك، لم أفعل شيئًا، كل ما أتذكره هو حديثي مع رلين، ثم... ثم وجدت أمبر بجانبي.
نهض سليم عندما تكرر اسمه بغضبٍ كبير:
- لا تذكري اسمه يا ريليان، إرجوكِ، أنا أحاول أن أتماسك.
وقفت هي الاخرى وقد اقتربت منه بعينين ممتلئتين بالقهر:
- أتعلم ما يؤلمني أكثر من كل شيء؟ ليس أمبر... ولا ما حدث... بل أنك أنت تفكر بذلك عني.
ثم توقفت فجأة بسبب الدوار الذي هاجمها بقوة، أسرعت نحو المرحاض ولم تنتظر ثانيةً أخرى، مما جعل سليم يلحق بها بخوف، فوجدها جالسة على الأرض، منهكة، تغمض عينيها وهي تحاول التقاط أنفاسها.
اقترب منها فورًا يساعدها، أبعد شعرها عن وجهها بحنانٍ رغم كل ما بداخله من ألم، وبعد أن هدأت قليلًا عادوت الكرة لكنها تألمت أكثر، خاطبها بضيق:
- كفاكِ يا ريليان... لم يبقَ شيء في معدتكِ.
نظرت إليه بضعف، ثم اجابته بوهن:
- ابتعد...لست طفلة.
رغم كل شيء ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه، حتى وهي منهارة ما زالت هي، بعد لحظات قام بغسل وجهها وفمها، حاولت الخروج من المرحاض، فأوقفها بتذكير:
- انتظري...لم تصلّي بعد، تعالي لنتوضأ.
نظرت إليه نظرةً غامضة بينما ارتفع حاجبها، متحدثة بمرارة:
- ماذا أفعل؟
فهم ألمها، وفهم أنها لا تسأل عن الوضوء فقط، قبل أن تكمل، قال بهدوء:
- هل تعلمين من خطط مع أمبر؟
نظرت إليه بانتباه، فأكمل حديثه وهو يقترب منها:
- رلين.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!