الفصل المئة وأربعة وثلاثون
**
رفع سليم عينيه إلى الأعلى، يناجي الله بقلبٍ مثقلٍ بالهموم، راجيًا منه أن يكون معه وأن يخرجه من كربته هذه. وبينما كان غارقًا في دعائه، انتبه إلى الشخص الذي جلس بجانبه، ليلتفت ويجده شابًا أبيض البشرة في أواخر العشرينات من عمره، فابتسم له بهدوء، مما جعل الآخر يهمس له متحدثًا:
- اسمي رامي، وأنا أعمل كطبيب في مشفى كبير. لدي طفلٌ بعمر الخمس سنوات وطفلة في بداية عامها الأول. لقد زُججتُ هنا ظلمًا، فقد قمت بالتبليغ عن المشفى لأنهم يقومون بتجارة الأعضاء، لكنهم نفوا ذلك واستطاعوا إخراج أنفسهم بسهولة. وأنت، ما هي تهمتك؟
نظر إليه سليم بهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيبه:
- اسمي سليم، دكتور وشيخ وداعية إسلامي. أنا متزوج وزوجتي حامل بطفلنا الأول. بصراحة، قضيتي معقدة أكثر منك بعض الشيء، لأنها تتعلق بأكثر من تهمة، ولا أستطيع تحديدها جميعًا لأنني ما زلت غير مستوعبٍ لما حدث.
تحدث رامي بصوتٍ خافت، وقد ظهر القلق في ملامحه بعدما نظر حوله:
- أأنت الدكتور سليم محمد صاحب ندوات "رحلة الإيمان والإسلام"؟
أومأ له سليم مؤكدًا، ليتغير وجه رامي قليلًا ويهمس له بتحذير:
- احذر، إنهم يكرهونك للغاية. لا يحبون الاستماع إلى برنامجك المسجل، وكما تعلم لا يوجد تلفاز هنا، فنحن لا نملك سوى المذياع.
ثم أكمل بإعجابٍ واضح:
- كنت أتمنى أن ألتقي بك، فأنت تقدم معلومات قيمة ومفيدة، وأحمد الله الذي جمعني بك. إياك أن تخبرهم أنك سليم محمد، سيؤذونك بشدة.
ابتسم له سليم بهدوءٍ عجيب، كأن الأمر لا يعنيه أمام يقينه بالله، ثم أجابه:
- لا يهمني يا رامي إن علموا أم لا، ما دمت لا أفعل شيئًا معيبًا فلا أخشى أحدًا. أخبرني يا رامي، من الشخص الذي تحدث معي بتلك الغلظة؟
تنهد رامي بضيق قبل أن يجيبه:
- إنه سعدون، رئيس المسجونين هنا، وكلمته مسموعة بين الجميع. حاول أن تكسب وده، وإلا فقد تواجه الكثير من المتاعب.
أجابه سليم بعدم اكتراث:
- لا يهمني يا رامي. دعنا نصلي الفجر، هل أنت مستعد؟
ابتسم الآخر بسعادة:
- أجل، إنني مستعد.
رفع سليم يديه بمحاذاة أذنيه ليشرع في الصلاة، وبجانبه رامي الذي وقف خلفه مبتسمًا يؤدي الصلاة معه، وكأن الله أرسل له في هذا المكان القاسي قلبًا يطمئنه بأنه ليس وحده.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
زفرت ريم بقوة، وهي تحاول إخفاء ضيقها من الحديث المتكرر، ثم تحدثت:
- لقد مللت حقًا، أرجوكما لا تتحدثا عنه أمامي. لقد جئت عند والدتي كي أريح رأسي منه.
هزت سنابل رأسها بقلة حيلة، وهي تنظر إليها بإشفاق:
- ريم، نحن نتحدث لمصلحتكِ، وأنتِ تعلمين ذلك، ثم إن...
قاطعتها كيان بضجر:
- سنابل، أغلقي الموضوع. ألم تكوني أنتِ من تخبرينها أن طلاقها أفضل لها ولأولادها؟ ما الذي تغير الآن؟
ضحكت سنابل بقوة وهي تنظر إلى كيان بسخرية:
- انظروا من التي تتحدث! التي كانت ترفض طلاقها، والآن أصبحت متمسكة به. كيان حبيبتي، نحن نتحدث عن إبراهيم الذي لا خلاص منه، لذلك عليها أن تكسبه إلى صفها، وعليها أن تبعد سما عن طريقه. لقد أعطيتها بعض النصائح لتطبقها عندما تعود إليه، وأتمنى أن تنجح معه.
أجابتها كيان ببعض الضيق والنفور:
- لكنه زانٍ وسكير أيضًا يا سنابل، إنه لا يستحق كلمة رجل. وأجل، لقد أخبرتني أنكِ أعطيتها بعض النصائح.
أسرعت سنابل بالكلام بصدمة مما سمعت:
- ريم! هل أخبرتها عن النصائح؟ ما زالت كيان صغيرة على هذه الأمور يا فتاة، هل عرفتِ بها؟
أجابتا الاثنتان بصوتٍ مرتفع وفي اللحظة نفسها:
- لا، لم أخبرها.
- لم تخبرني.
تنفست سنابل براحة كبيرة، لتتحدث ريم بعد لحظات:
- هل أخبرتكما عن مضمون آخر محادثة بيني وبين المدعو زوجي؟
نفت الاثنتان، لتكمل ريم بصوتٍ يحمل شيئًا من الغصة:
- كنت أهاتفه كأي محادثة بيننا، ثم أخبرني أنه مشغول، وقبل أن يغلق قال إنه يساعد سما في تنظيف المنزل.
ثم أطلقت ضحكة ساخرة وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
- هل تتخيلان عمن أتحدث؟ إنه إبراهيم بشحمه ولحمه، الرجل الذي لم يكن يساعدني أو حتى يرفع إبرة في المنزل. تعلمان أن معظم طعامهم جاهز! وحتى عندما كنت أعد الطعام كان يساعدها. أقسم أنني لا أطلب الكثير، كل ما أريده هو الخلاص منه.
تدخلت كيان بسرعة وكأنها وجدت فرصة لإنقاذها:
- اطلبي الطلاق يا ريم، هذه فرصتكِ. أخبري والدتكِ أنكِ تريدين الطلاق، أو أخبري كبار عائلتكِ، وسيقفون بجانبكِ.
تحدثت سنابل بهدوء يخالف اندفاع كيان:
- عمتها وزوج عمتها يعلمان بأنه متزوج.
عقدت كيان حاجبيها بضيق بعدما تذكرت الأمر:
- ولماذا لم تخبراني بذلك؟ وأيضًا لم تخبراني عن تلك النصائح! لقد خاصمتكما.
أجابتها سنابل مازحة باستفزاز:
- يا فتاة، هذه مواضيع للكبار، لا تتدخلي أنتِ. هيا أغلقي واخلدي للنوم، ولا تنسي أن تفرشي أسنانكِ وتحكمي الغطاء جيدًا، لا نريد محادثتك.
قلبت كيان عينيها للداخل وهي تجيبها:
- أنتِ مملة يا سنابل، اعترفي، لا تستطيعين خصامي.
تحدثت ريم بضجر:
- هي، أنتما لا تبدآن الآن، سينتهي الأمر ببكاء كيان، فدعوني أخبركما بسرٍ ما.
انتبهت الاثنتان إليها، لتتحدث ريم بابتسامة صادقة:
- أحبكما، ولا أستطيع الابتعاد عنكما، ولا أعلم ماذا سيحدث لي إن تركتماني.
تحدثت كيان بغرور مصطنع:
- قديم، أخبرينا غيره.
أكملت ريم بغصة كبيرة:
- أخاف أن أعود لإبراهيم وتحدث مشكلة إن علم بذلك، ولا أعلم إن كانت سما قد أخبرته أنني أحادثكما أم لا. تعلمان أنني أخبرته أنني أريد تحميل تطبيق للتواصل الاجتماعي (الواتس اب)، فأجابني ببروده وغطرسته المعهودين: وهل تحتاجينه لشيءٍ مهم؟ لا يوجد لكِ أصدقاء ولا أقارب ولا حتى أي شخص، أمكِ وأنا فقط من يحادثكِ، لذلك لا تحتاجينه.
أكملت متنهدة بثقل:
- أتعلمان؟ أنا في الأصل لا أريد هذا التطبيق، فهو سيراقبني عن طريقه، لكنني أردت أن أعرض عليه الأمر لشيءٍ في نفسي.
تنفست سنابل بقوة، فقد أرادت تغيير الموضوع لتخفيف ما تشعر به ريم، ثم تحدثت بجدية:
- أتعلمان آخر حلمٍ حلمت به؟
نفتا بجهل، لكنهما انتبهتا بحماس، فأحلام سنابل كثيرًا ما كانت تحمل تفاصيل غريبة وقريبة من الواقع. كانت في البداية تظنها مجرد أحلام عابرة، لكن حين كانت بعض الأحداث تتحقق أمامها، أصبحت تستخدمها لتحذير من حولها مما قد يحدث لهم.
أخذت سنابل نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بسرد حلمها، مستحضرة تفاصيله:
- طبيب متدين، وبالأخص شيخ وداعية إسلامي مشهور، متزوج، عريض المنكبين نوعًا ما وفارع الطول. إنه الآن في السجن ظلمًا، لكن الأهم أن من يقف خلف الأمر سيقوم بإرسال شخصٍ لقتله عن طريق قنبلة ستوضع أسفل سريره، وبعدها سيعتبر الأمر مجرد مزحة.
أوقفتها ريم صارخة بقوة:
- انتظري يا سنابل، هل اسمه سليم محمد؟
أومأت سنابل بتأكيد وهي تحاول تذكر التفاصيل:
- أجل، اسمه سليم، لكن لم يظهر اسم والده.
فتحت ريم عينيها بصدمة مما تسمعه، ثم خاطبتها بقلق:
- ولماذا تم سجنه يا سنابل؟ إنه شخص لا يؤذي نملة، ما التهمة الموجهة إليه؟
ثم انتبهت ريم فجأة، وكأن سؤالًا آخر خطر في ذهنها، لتسألها بقلق:
- لحظة يا سنابل، من أين عرفتِ تفاصيل سليم هذه؟
رفعت سنابل كتفيها دلالةً على عدم معرفتها، ثم أجابت:
- لا أعلم سوى أنهم سيحاولون قتله، كل ما سمعته كان همسًا بأنهم سيضعون قنبلة تحت فراشه.
ثم أكملت بغرورٍ مصطنع:
- ممن برأيكِ علمت؟ بالطبع رأيته في الحلم. وبصراحة، إنه جميل جدًا، لو كان غير متزوج لعرضت عليه الزواج، لكن أخبريني، هل تعرفينه يا ريم؟
أومأت ريم بقلقٍ كبير:
- كان يجب أن أتوقع ذلك. عمومًا أجل، أعرفه، إنه ابن صديق والدي رحمه الله. لقد طلبت أمي منه أن يساعدني مسبقًا في مشكلتي مع إبراهيم، لكنني رفضت أن يعلم أي شخصٍ بالأمر عداكما.
تساءلت كيان بتفكير:
- أريد أن أعلم ما التهم الموجهة إليه، ربما لم يكن مظلومًا.
ثم تابعت بعدما تذكرت أمرًا آخر:
- صحيح يا سنابل، كيف حال عائلتكِ المتبناة؟
ابتسمت سنابل ابتسامة حانية:
- بخير الحمد لله، لكن للتصحيح أنا أنتسب لعائلتي الحقيقية وليس لعائلة آريس، هو فقط تكفل بي. لا تقلقي، فآريس وديالا يعاملانني وكأنني ابنتهما الحقيقية، وأنتما تعلمان أنني أسكن في منزلٍ ملحقٍ بهما يا كيان.
ابتسمت كيان من دفء صوت سنابل، لتتحدث ريم بعجلة:
- أكملا حديثكما معًا، سوف أذهب لأخبر والدتي.
وقبل أن تغلق الهاتف، ترددت قليلًا ثم سألتهما:
- يا فتيات، كدت أنسى... هل يمكنني زيارة سليم في السجن وإخباره بنفسي؟ أرغب بمقابلته بشدة.
أجابتها كيان بهدوء:
- لا يمكنكِ ذلك يا ريم، فخروجكِ من المنزل دون إذن زوجك أمر لا يصح، وبالتأكيد لن تكذبي عليه إن سألكِ أين كنتِ، وستقوم القيامة إن علم أنكِ ذهبتِ لرجل، فهو دائمًا يظن بكِ خيرًا. لذلك انسي الأمر يا فتاة.
أيدت سنابل حديثها، لتجيبهم ريم بعناد:
- سوف أذهب إليه يا كيان، ربما يكون هذا سببًا للحصول على حريتي وطلاقِي منه. لن تمنعاني، انتهى الأمر.
زفرت سنابل بقوة بعدما أغلقت ريم الهاتف، ثم خاطبت كيان بحنان:
- اذهبي لدراستكِ يا كيان، أريد درجة كاملة منكِ، اتفقنا؟ وأنا سأغلق، فديالا تريد أن تخلد للنوم.
أومأت لها كيان بابتسامة:
- في أمان الله.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
تقدم سليم نحو الغرفة، ولا يعلم سبب شعوره بالارتباك. كانت دقات قلبه تتسارع بشكلٍ غريب، وكأنه يستعد لمواجهة أمرٍ مجهول. فمنذ شهرٍ كامل لم يزره أحد سوى همام، الذي كان يأتيه ليخبره بآخر التطورات مع عائلته.
لقد أصبحت زوجته في منتصف شهرها السادس، ودراستها منزلية كما طلب منها، وكانت سارة تشاركها الدراسة، فقد جاءت إلى منزله ولم تغادره حتى الآن. كما علم أن خاله هاشم عرف بخبر سجنه وحاول التدخل لمساعدته، لكنه لم يستطع، فالأدلة الموضوعة ضده كانت قوية جدًا.
فتح باب الغرفة ليدلف بترددٍ واضح، لتقابله فتاة ترتدي خمارًا أسود لا يظهر منه شيء. أخفض بصره سريعًا مستغفرًا ربه، بينما تقدمت الأخرى نحوه بتوترٍ أكبر.
حمحم سليم بصوته متحدثًا بهدوء:
- تفضلي يا آنسة، ماذا تريدين؟
تأملته بتفصيلٍ كبير، ثم أخذت نفسًا ثقيلًا وكأنها تستجمع شجاعتها قبل أن تجيبه:
- أريدك.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
تقدم سليم نحو الغرفة، ولا يعلم سبب ذلك الارتباك الذي تسلل إلى قلبه فجأة. كانت دقات قلبه تتسارع بصورةٍ غريبة، وكأنه مقبلٌ على مواجهة أمرٍ مجهول لا يعلم خفاياه. فمنذ شهرٍ كامل لم يزره أحد سوى همام، الذي كان يأتيه ليخبره بآخر التطورات التي تخص عائلته ويحاول طمأنته قدر استطاعته.
كانت خديجته قد أصبحت في منتصف شهرها السادس، ودراستها تحولت إلى المنزل كما طلب منها، وكانت سارة تشاركها الدراسة، فقد جاءت إلى منزله ولم تغادره حتى هذه اللحظة. كما علم أن خاله هاشم عرف بخبر سجنه وحاول التدخل لمساعدته، لكنه لم يستطع فعل شيء، فالأدلة الموضوعة ضده كانت قوية للغاية.
أمسك بمقبض الباب وفتحه بهدوء، ثم دلف إلى الداخل بخطواتٍ مترددة، وكأن جزءًا منه يخشى معرفة سبب هذا اللقاء المفاجئ.
وقعت عيناه على فتاة ترتدي خمارًا أسود لا يظهر منه شيء، فأخفض بصره فورًا مستغفرًا ربه، بينما تقدمت هي نحوه بخطواتٍ يغلب عليها التوتر والارتباك.
حمحم سليم بصوته بهدوء، محاولًا إخفاء فضوله:
- تفضلي يا آنسة، ماذا تريدين؟
ظلت تتأمله للحظاتٍ طويلة، وكأنها تحاول التأكد من أمرٍ ما، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهي تستجمع شجاعتها، قبل أن ترفع عينيها نحوه وتجيبه بصوتٍ متردد:
- أريدك.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!