الفصل المئة وسبعة وعشرون
**
عقدت كيان حاجبيها باستغراب، ثم سألتها:
- أي جملة؟ خذي نفسًا عميقًا وأجيبيني بهدوء.
تحدثت ريم بابتسامةٍ حزينة أوجعت قلبها قبل غيرها:
- كان يسأل عن الأطفال... وخاصةً الصغير، الذي دائمًا ما يقول عنه إنه سماؤه.
رمشت كيان عدة مرات محاولةً استيعاب ما سمعته، ثم سألتها بضحكةٍ خفيفة:
- لم أفهم... وما الذي يجعلكِ تشعرين بالضيق في سؤاله؟
أخذت ريم نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء وهي تجيبها:
- إنه يلقب عليّ بسمائه... نسبةً إلى سما.
ثم أكملت، بعدما قابلت صمت كيان:
- انظري يا كياني، كان إبراهيم دائمًا يقول لعليّ: "سما... والدتك."
هنا، وفار الدم في عروق كيان، حتى إنها لم تستطع الصمت أكثر، فصاحت بصدمة:
- ماذا؟!
تنهدت ريم وهي تنظر إلى عليّ بحزنٍ بالغ:
- أقسم لكِ... لدرجة أنني كنت أشعر بأن عليّ يحب سما أكثر مني، وبالفعل لم يعد يقترب مني مرةً أخرى إلا بعدما غادرت المنزل. وأنا متأكدة أنه عندما أعود، سيعاود إبراهيم التصرف بالطريقة نفسها مرةً أخرى.
عقدت ريم حاجبيها باستغراب عندما لم تسمع أي صوتٍ من كيان، فقالت:
- أين ذهبتِ يا كيان؟!
أجابتها كيان بعد عدة ثوانٍ، بنبرةٍ حاولت بها التخفيف عنها:
- لقد صُدم الهاتف مما سمع، وأصابه عطلٌ بسيط، لذلك لم أجبكِ! هل أقتل هذا الطفل؟! لا... انتظري، الأسوأ منه زوجكِ! الرحمة يا رب!
تنهدت ريم بضعف، ثم أجابتها وهي لا تزال تحتضن عليّ:
- انظري يا كيان، إنه يقول لي عندما أطلب منكِ شيئًا لا تحققينه لي بسرعة، ولا تسمحين لي به، أما سما... ففي الحال تلبي لي ما أريد.
أغمضت كيان عينيها لثوانٍ وهي تحاول تهدئة نفسها، ثم خاطبتها بهدوءٍ يخفي غضبها:
- حاولي يا ريم أن تشرحي له الأمر، افهميه أن الأم قبل أي شخص، وأنه لا يوجد في الدنيا من يشبهها. أخبريه أن الأم هي الراعية، وهي الحضن الدافئ، وهي القلب الذي لا يتوقف عن العطاء، وأن كل ما تفعله إنما تفعله لمصلحة أطفالها... أما زوجات الأب، فمهما فعلن، فلن يكنّ كحنان الأم أبدًا.
سارعت ريم بإجابتها:
- أقسم أنني أخبره بهذا دائمًا، باستثناء موضوع زوجات الأب، وحتى والدة إبراهيم تخبره بالأمر نفسه.
لوّت كيان فمها بسخرية، ثم قالت:
- إذًا... إما أنه مجنون، أو مجنون جدًا، لا يوجد عندي تفسيرٌ آخر.
قاطعتها ريم ضاحكةً بخفوت حتى لا توقظ أطفالها:
- لا... إنه مجنون، ثقي بي.
ابتسمت كيان بخفة، ثم قالت بعدما غاصت في التفكير:
- أممم... يا ريم، حاولي أن تختلقي له قصةً تجعله يكره فكرة زوجة الأب ولا يتعلق بها. أخبريه أن هناك رجلًا غبيًا تزوج امرأتين... لا، انتظري... ثلاثًا! وكان ذلك الأب الغبي يقول دائمًا إن زوجات الأب طيبات وحنونات، فصدق الأطفال كلامه وابتعدوا عن أمهم، وظنوا أن الجميع يحبهم مثلها. لكن فجأة اختفت الأم، وظهرت زوجات الأب على حقيقتهن، فأصبحن يضربن الأطفال، ويعذبونهم، ويحرمونهم من كل شيء، لأنهن في الأصل لن يكنّ يومًا كحنان الأم... وهذه تكون قصة ما قبل النوم، ما رأيك؟
انفجرت ريم ضاحكة، واضعةً يدها الأخرى على فمها حتى لا يستيقظ أحدٌ من أطفالها.
زفرت كيان بضيق، ثم قالت معاتبة:
- يا فتاة، لا تضحكي! أنا أتحدث معكِ بجدية، حاولي أن تخترعي قصةً من عقلكِ الباطني.
أومأت ريم، وكأن كيان تراها أمامها، ثم قالت:
- حسنًا، عندما أعود إلى منزلي سأخبره بها، وأرى ماذا ستكون ردة فعله.
قلبت كيان عينيها من تهرب ريم، ثم قالت باحتجاج:
- لااا... أريدكِ أن تحكيها له هنا، في بيت والدتكِ.
أجابتها ريم محاولةً تبرير موقفها:
- لا، أريد أولًا أن أرى ردة فعله عندما يراها، ثم أحكم على ما أراه.
ضربت كيان كفًا بكف، ثم قالت بقلة صبر:
- رحمك يا الله... صدق من قال: إنني أنفخ في قربةٍ مخرومة!
عادت ريم تبرر من جديد:
- لا أريدهم أن يتذكروها هنا يا كيان، حتى لا يخطئوا بذكرها أمام أي شخص.
أجابتها كيان بهدوء، بعدما زفرت باستسلام:
- كلا، لن تنتظري ولا شيء من هذا القبيل، تحدثي معه بشكلٍ عام، إنها مجرد قصة يا فتاة.
تنهدت ريم باستسلامٍ أخير أمام إصرار كيان، الذي كان أشبه بالسحر، ثم قالت:
- حسنًا... سأحكيها لعليّ غدًا.
تنهدت كيان بارتياح، ثم قالت وهي تحاول إضفاء شيءٍ من المرح:
- واجعليهن شريرات... مصاصات دماء مثل دراكولا! اجعليهن متوحشات، يقطعن الأطفال ويرمونهم للكلاب الضالة... ولا تنسي أن تسجلي لي القصة، فأنا أيضًا أريد أن أسمعها، ولعلني أنام عليها!
ضحكت ريم وهي تهز رأسها:
- لقد أصبحت فيلم رعب، لا قصة أطفال.
أجابتها كيان بلا مبالاة:
- وهذا هو المطلوب تمامًا! أكررها لكِ، أريد أن أسمع قصة الرعب يا ريم، وإن احتجتِ أي مساعدة، فأنا في الخدمة.
ابتسمت ريم، وقد تسلل شيءٌ من الراحة إلى قلبها بعد طول ضيق، ثم قالت:
- حسنًا... سأخبره بها، وسأسجلها لكِ أيضًا، حتى ترتعبي.
لوّت كيان فمها بعدم تصديق، ثم قالت:
- بصراحة... أشك في ذلك، لكنني سأنتظرها.
لم تتمالك ريم نفسها أكثر من ذلك، فانفجرت ضاحكةً بقوة، لتجيبها كيان بفخرٍ وهي تبتسم:
- عيبٌ عليكِ يا فتاة، أنا أعرفكِ جيدًا... لكن ما زال لديّ أملٌ فيكِ، ولن أُحبط.
أجابتها ريم بعدما هدأت ضحكاتها قليلًا:
- سوف أبهركِ بالقصة، وستعجبين بها كثيرًا.
قالت كيان بحماس، مقلدةً ذلك الصوت الذي تحفظه:
- ياااااا رب... بصوت ريّا... ماذا كان اسمها؟
ضحكت ريم بخفة، ثم أجابتها:
- عبلة كامل.
ضربت كيان جبهتها وهي تتذكر، ثم قالت:
- أجل... أجل، لقد أخبرتِني بذلك أكثر من مرة، لكن ماذا أفعل بعقل السمكة الذي أملكه؟
كتمت ريم ضحكتها بعد لحظات، ثم تغيرت ملامحها قليلًا وهي تقول بصوتٍ أثقله التفكير:
- أتعلمين يا كيان... بالأمس، كنت أريد أن أخلد إلى النوم، فوجدت عليّ يقف أمامي ويقول: "لقد حلمت أنني استيقظت من نومي، ووجدت إبراهيم موجودًا هنا عند جدتي."
ابتسمت له وقلت:
- حسنًا... وماذا بعد؟ ماذا حدث؟
أجابني بسرعة:
- قلت: الحمد لله... كان مجرد حلم، لا أريده أن يأتي إلى هنا.
انفجرت كيان ضاحكةً حتى التفت إليها جميع من في المنزل، فسارعت إلى كتم ضحكتها وهي تقول:
- أسعده الله حقًا! ألم أقل لكِ؟ هذا خطيبي.
تنهدت ريم بعدما سيطرت على ضحكتها هي الأخرى، ثم قالت بمزاح:
- حسنًا يا خطيبة ابني... اذهبي إلى النوم.
رفعت كيان إصبعها محذرةً إياها، وقالت بجديةٍ مصطنعة:
- أريد القصة غدًا، وسأنتظرها يا ريم، وإلا فلا تحدثيني أبدًا... تصبحين من أهل الجنة.
فتحت ريم عينيها على اتساعهما، ثم قالت بسرعة:
- انتظري يا كيان، لا تغلــ...
لكنها لم تُكمل عبارتها، فقد كانت كيان قد أغلقت الهاتف بالفعل.
زفرت ريم بضيقٍ وهي تُنزل الهاتف عن أذنها، ثم هزّت رأسها بابتسامةٍ عاجزة، وعادت بنظرها إلى عليّ النائم ببراءة، لتتنهد بحيرة، وقد بقيت كلمات كيان تتردد في رأسها، تتساءل إن كانت قصةٌ خيالية قادرةً حقًا على تغيير ما زرعته الأيام في قلب طفلٍ صغير.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!