الفصل الرابع والثمانون
**
طرقت سارة باب الشقة بهدوءٍ وتريث، لينفتح الباب بسرعةٍ كبيرة، ويندفع شيءٌ صغير نحوها ليعانقها.
جثت على ركبتيها، لتبادل أمل العناق، ثم خاطبتها بابتسامة:
- لقد اشتقتُ إليكِ يا أمل.
بادلتها أمل العناق، ثم ابتعدت عنها قليلًا وقبّلتها قائلة:
- وأنا اشتقتُ إليكِ يا سارة، شكرًا أخي سليم.
ابتسم لها سليم بحبٍ يشوبه بعض الحزن عندما تذكر مصيرها، ثم انحنى ليقبّل وجنتيها بحنان، وأردف:
- لا داعي لذلك يا حبيبتي، لقد أحضرتها كما وعدتكِ.
أومأت له أمل بابتسامة، ثم احتضنت ابتهال التي كانت الدموع تترقرق في عينيها.
خاطبتها بحب:
- كيف حالكِ يا أمي؟
غمرتها ابتهال بضعفٍ وحنانٍ أموي، ثم همست:
- لقد أصبحتُ الآن بخير عندما رأيتكِ.
انحنت ريليان إلى مستواها بعدما تركت يد سليم التي كانت متعلقة بها، فقد أخبرها بعد أن أدّيا قيام الليل بهذا الأمر، لكنه لم يرضَ أن تبيت معهم، لتوافق الأخرى على مضض.
ابتسمت لها، ثم خاطبتها بحنان:
- وأنا اشتقتُ إلى ملاكي الصغير.
بادلتها أمل الابتسامة، ثم قبّلت وجنتها قائلة:
- أحبكِ كثيرًا يا ليان.
ضحك سليم بخفةٍ على الاسم الذي تناديها به أمل، مما جعل ريليان تلكزه في ذراعه بضيق حتى يتوقف عن الضحك.
أجابتها ريليان مبتسمة:
- وأنا أيضًا أحبكِ أيتها الملاك الصغيرة.
اتسعت ابتسامة أمل، وكأنها انتبهت للتو إلى أمرٍ ما، فخاطبتها بدهشة:
- لقد ارتديتِ الحجاب يا ليان!
أومأت لها ريليان بابتسامة، ثم احتضنتها بقوة.
ابتعدت عنها أمل، ثم دلفت إلى الداخل وهي تجر سارة من يدها بسعادةٍ كبيرة، ولحقت بهما ابتهال بعدما أخذت الحقائب من سليم، والتي أحضروها من محل الألعاب.
كادت ريليان أن تلحق بهن، فأوقفها سليم مخاطبًا إياها بعدما دلف معها:
- سأعود في المساء لأقلّكِ إلى البيت، هل اتفقنا؟
أومأت له بخفةٍ وهي تبتسم، ليقترب منها ويقبّل جبينها، ثم يوصيها:
- اهتمي بنفسكِ جيدًا، ولا ترهقي نفسكِ كثيرًا، فمنذ الأمس وأنتِ متعبة، حسنًا؟
أومأت له متنهدةً بحبٍ لاهتمامه بها:
- لا تقلق، توكل على الله الآن.
نظر إليها وكأنه ينتظر شيئًا ما، لتضحك بخفة بعدما تذكرت طلبه بالأمس، ثم وبخته:
- البيت ليس لنا يا سليم، لا تكن كالأطفال الآن.
قطّب حاجبيه بضيق، وقد بدا كالأطفال حقًا، ثم أردف:
- همام ليس هنا، إنه ينتظرني بالأسفل. هيا، لا أريد أن أتأخر عليه.
قلبت عينيها للداخل، ثم ارتفعت على أطراف أصابع قدميها وقبّلته من وجنته، وهمست له بحب:
- استودعكَ الله.
تنهد بقوةٍ وحب، ثم أجابها بابتسامة:
- استودعتكِ الذي استودعتِني إياه، حبيبتي.
أغلقت الباب بسعادةٍ كبيرة بعدما غادر، لكنها توقفت فجأة وفتحته مرةً أخرى، تريد اللحاق به، لتجد الرواق خاليًا.
أغلقت الباب مجددًا، ثم وضعت يدها على قلبها الذي كان يقرع كالطبول، وهمست بعدم تصديق:
- هل قال حبيبتي؟
ظلت واقفةً في مكانها، حتى أخرجها صوت هاتفها من شرودها.
أخرجته من حقيبتها، لتقرأ الرسالة التي أُرسلت إليها:
"أغلقي فمكِ واذهبي إليهم، وعندما أتصل بكِ جهزي نفسكِ لنعود إلى البيت."
ضحكت بخفة، ثم توجهت إلى الداخل وعلى محياها ابتسامة سعيدة، لتجد سارة تجلس بأريحية وقد خلعت حجابها، فخلعته هي الأخرى، ثم جلست أرضًا وانخرطت في اللعب معهم.
««::::::::::::-::::::::::::»»
في المساء، كانت ريم تتحدث مع كيان عما حدث، مما أثار غضب الأخرى كثيرًا.
خاطبتها بضيق:
- اسمحي لي أن أشتمه.
ضحكت ريم بقوة، فهي تعرف شتيمتها، ثم أجابتها:
- الطريق لكِ، لكن اتحفيني بشيءٍ جديد هذه المرة.
ضحكت كيان على حديثها، ثم تمتمت بسخرية:
- حسبي الله ونعم الوكيل، هل هذا أب؟ لا يبدو أنه سوى مشروب سفن أب، لا أعلم كيف يفكر! هل من أجل قصاصة ورق قام بضربه، وينكر ذلك، وفوق هذا ينكر أنه فعلها؟ لا أريد أن آخذ ذنوبًا يا ريم، فهو لا يستحق حسناتي. آخر الزمان سأعطيها لشخص مثل البُرهم هذا.
انفجرت ريم ضاحكة، ثم سألتها بعدما هدأت:
- وماذا تقصدين بالبُرهم هذا؟
ضحكت كيان بخفة، ثم شرحت بحماس:
- البر: أي الطريق، والهم: أي الهم الذي يحدث للإنسان، فتصبح طريق الهم.
جلست سما بجانبهم، ثم خاطبت ريم:
- أوصلي سلامي لها.
نقلت ريم حديثها إلى كيان بابتسامة:
- سما توصل لكِ سلامها.
أومأت كيان بهدوء، فهي حتى الآن لا تصدق سما البتة، ثم أجابت:
- سلمنا الله وإياكِ من كل شر.
توقفت ريم عن الحديث، ثم سارعت بكتابة رسالة لكيان:
"لقد وصل إبراهيم، سأتحدث معكِ عندما يخلد للنوم. في أمان الله يا حبيبتي."
أغلقت معها، ليتزامن ذلك مع فتح الباب ودخول إبراهيم، وقد بدا عليه بعض الإرهاق.
وقفت سما تستقبله، ثم قبّلت وجنته مرحبةً:
- حمدًا لله على سلامتك.
أومأ لها، ثم جلس أمام عمر وعليّ اللذين كانا يلعبان ببعض الألعاب الخاصة بهما.
أخرج قطعة حلوى من حقيبته، ثم خاطب عمر:
- تعال يا عمر.
اعتدل عمر بهدوء، ثم توجه نحوه، فأردف إبراهيم بعقل طفل:
- هذه الحلوى لك، ولا يوجد لعليّ شيء، لكن تناولها في الصباح وليس الآن.
نظرت ريم إلى سما، ثم همست لها:
- هل رأيتِ هذه التفاهة بالله عليكِ؟ ألم يكفه الضرب الذي أعطاه إياه بالأمس ليقهره بهذا التصرف؟
تنهدت سما بقلة حيلة، ثم أجابتها:
- ماذا تتوقعين منه يا ريم؟ هداه الله.
اعتدلت ريم، ثم أخذت عليّ الذي بدا الحزن جليًا على ملامحه، ونظرت إلى إبراهيم بضيق، مما جعله يتجاهلها وكأن ما فعله هو التصرف الصحيح.
دلفت إلى غرفتها، فقد حان موعد النوم.
وبعد أن تأكدت من نومهم، أخرجت هاتفها وأخبرت كيان بما حدث، لتحاول الأخرى التخفيف عنها بعدما سألت عن حالتها وحال معدتها التي ضُربت بها من إبراهيم.
طمأنتها ريم بأنها بخيرٍ بفضل الله.
««::::::::::::-::::::::::::»»
رمشت ريليان بعينيها عدة مراتٍ متتالية، تحاول أن تستوعب المكان من حولها، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.
جالت بعينيها المرتبكتين نحو أثاث الغرفة، تتفحص كل زاويةٍ فيها، لتدرك أنها غرفةٌ لم تطأها قدماها من قبل.
حاولت أن تعتدل مستندةً إلى يدها، لكن جسدها تجمد فجأة عندما شعرت بوجود جسدٍ صلبٍ بجانبها.
استدارت ببطءٍ شديد، وقلبها يخفق بعنف، ظنًا منها أنه سليم، لكنها ما إن نظرت حتى ازداد ارتباكها.
لم تتذكر أنها خرجت معه، ولم تتذكر شيئًا بعد جلوسها مع رلين في منزلهم عقب أن أوصلها سليم إليه.
بدأت الذكريات تتجمع في ذهنها شيئًا فشيئًا، وهي تحاول عبثًا أن تجد تفسيرًا لما يحدث.
كانت متأكدة... متأكدة أنها لم تخرج، ولم تتصل به.
نظرت بتوجسٍ نحو الجسد الممدد بجانبها، وشعرت بأنفاسها تضيق، لينسدل شعرها على وجهها من شدة ارتباكها.
وضعت يدها عليه بصدمة، ثم انخفض بصرها وهي لا تزال تحاول فهم ما يحدث، لتخرج منها صرخةٌ قوية ارتج لها أرجاء المكان.
فتح الآخر عينيه ببطءٍ على صوتها، ونظر إليها بهدوءٍ وكأن الأمر طبيعي، ثم خاطبها:
- صباح الخير يا حبيبتي.
بدأت دموعها تنساب على وجنتيها دون أن تشعر، وقد امتزج الخوف بالصدمة وعدم التصديق.
كانت تتمنى في أعماقها أن يكون كل ما يحدث مجرد كابوسٍ طويل، وأن تستيقظ منه في أي لحظة.
أمسك الآخر يدها برفق، ثم خاطبها بنبرةٍ هادئة:
- ألم تشتاقي إليّ يا ريليان؟ ألم تشتاقي لأمبر؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!