الفصل الخامس والثمانون
**
قبلَ أربعةِ أيامٍ، بعدما ذهب سليم مع همام، كانت ريليان وسارة تلعبان مع أمل كلَّ ما تطلبه منهما، بينما ذهبت ابتهال لإعداد طعام الغداء لهم.
لقد قضت وقتًا جميلًا معها، حتى تذكرت أمر أخويها التوأم، فارتسمت على شفتيها ابتسامة اشتياق، لكن ما كان يخفف عنها أنها ستذهب إليهما بعد ثلاثة أيام.
في المساء، وأثناء مشاهدتهم إحدى البرامج الكرتونية التي تفضلها أمل على إحدى قنوات التلفاز، ارتفع رنين هاتف ريليان، فالتقطته بأناملها الصغيرة، ابتسمت بحب وهي تجيب سليم، ليأتيها صوته المتنهد والهادئ الذي تعشقه، ملقيًا عليها السلام:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل أنتَ بالأسفل؟
خرج سليم من سيارته، وتوجه نحو باب البناية مجيبًا:
- أجل، أنا بالأسفل، سوف أصعد الآن لألقي السلام على أمي ونذهب. جهزي نفسكِ حسنًا؟
أومأت وهي تجيبه برقة بينما اعتدلت من مكانها:
- حسنًا، إنني بانتظارك.
أغلقت معه، ثم توجهت نحو ابتهال تخاطبها بحماس:
- أمي، سليم سوف يأتي، إنه بالأسفل. أنا ذاهبة لأتجهز كي أغادر معه.
ابتسمت ابتهال وهي تقشر بعض الفاكهة، مجيبةً إياها:
- حسنًا حبيبتي، اذهبي، في أمان الله.
أمسكت ريليان بعباءتها لترتديها، وقبل أن تضع حجابها ارتفع رنين جرس المنزل، فتوجهت أمل نحوه بعدما تحدث سليم من الخارج بأنه هو.
دلف سليم وهو يحملها بين يديه، ليقبل رأس ابتهال وجبين سارة كما اعتاد، ثم وقعت عيناه على ريليان التي جاءت بعدما انتهت من وضع حجابها.
تنهد بهدوء، ثم خاطب أمل:
- هل أنتِ سعيدة الآن؟
قبلت وجنتيه بتأكيد وهي تجيبه:
- إنني أحبكَ كثيرًا، شكرًا لكَ كثيرًا يا أخي.
قطبت ريليان بين حاجبيها بضيق، وظهرت غيرتها الطفولية بوضوح، فتقدمت لتقف بجانب سليم ناظرة إلى أمل:
- أمل حبيبتي، هيا اذهبي إلى سارة وأكملي لعبك، فنحن سنرحل الآن.
ثم التفتت نحو سليم تخاطبه بالضيق ذاته:
- إنني جاهزة، هيا بنا.
ابتسمت لها أمل بهدوء، وقد ظهر بعض الحزن على ملامحها بسبب مغادرتهم، ثم قبلت وجنته مرةً أخرى قائلة:
- مع أنني كنت أريد أن تبقيا هنا، لكن لا مشكلة.
ابتسم لها سليم بهدوء وهو يقرص وجنتيها بلطف:
- كنت أتمنى ذلك، لكن لا يجوز أن نبقى يا صغيرتي حتى سارة، من أجلكِ سأتركها اليوم هنا، لكن لا تعتادي على ذلك، اتفقنا؟
مدت أمل فمها للأمام وهي تعقد ذراعيها بضيق، محاولةً الابتعاد عنه، فتركها سليم وهو ينحني ليضعها أرضًا، قبل أن يبتسم لحركتها.
فسارعت ريليان إلى الإمساك بيده بضيق:
- هيا بنا.
التفت إليها، ليشاهد علامات الضيق على وجهها، فعقد حاجبيه بتعجب:
- ما بكِ؟
زفرت بقوة وهي تتجه نحو ابتهال:
- لا شيء، هيا لنذهب.
قبّلت ابتهال بابتسامة حاولت رسمها، ثم نظرت إلى سليم وهو يتوجه نحوها، لتفتح الباب بعدما تحرك باتجاهه.
بعد مدة، كانا في السيارة، وسليم يقودها، لتوقفه بتردد:
- سليم.
همهم بصوته وهو ينظر للطريق أمامه، فأكملت زافرة:
- أريد بعض الفستق.
نظر إليها بطرف عينيه، فما زال يجهل سر ضيقها قبل قليل، ثم أعاد أنظاره إلى الطريق مرةً أخرى، متوجهًا نحو أحد الأماكن التي يرتادها للبيع.
كانت تجوب بعينيها الشوارع التي تراها للمرة الأولى، فهذه المنطقة لم تقترب منها قط قبل إسلامها، لأنها كانت من الأماكن الممنوعة بالنسبة لهم.
ابتسمت بسعادة وهي تشاهد غزل البنات، ثم خاطبته بطفولة متسرعة:
- سليم، أريد منه أرجوك، أرجوك.
نظر إليها ليكتم ابتسامته، فيبدو أن طفلته اشتاقت لهذه الأشياء، وتذكر سارة كلما كان يحضر لها مثل هذه الحلوى، توقف على اليسار، ثم ترجل من السيارة ليحضر لها بعض الأشياء التي يعتبرها للأطفال ولا تناسب سنهن.
بعد مدة، فتح باب السيارة ليضع ما أحضره بين يديها بابتسامة، لتقوم الأخرى بتفحصها بعيونٍ مستكشفة.
ابتسمت بحزن وهي تتذكر عندما كانت تحضرها لأخويها التوأم بدلًا من أن تأكلها، لأن رلين كانت تعتبرها للأطفال وليس للكبار، ولم تكن تقبل بشرائها معها، وعندما تجدها تأكل منها تنعتها مازحة بالطفلة.
بدأت تأكل بسعادة وهي تحتضن الباقي، بينما كان سليم يخطف بعض النظرات نحوها بين الحين والآخر، توقف عند بائع الفستق، وترجل مرةً أخرى ليحضر لها ما طلبته، ثم عادا إلى المنزل بعد ذلك، وهما يقضيان وقتًا جميلًا معًا.
««:::::::::::::-:::::::::::::»»
في صباح اليوم التالي، وفي شقة ريم تحديدًا، استيقظت قبل أذان الفجر حتى تؤدي قيام الليل، وبعد أن انتهت، بدأت بتجهيز مستلزمات أبنائها للمدرسة، وبعد أن أدت صلاة الفجر قامت بإيقاظهم وتجهيز كل شخصٍ لدوامه الدراسي.
تنهدت عندما أحضرت قطعة الحلوى، ثم توجهت نحو عمر وهي تعطيها له، نظر عليّ إليها بصدمة، لتزفر بهدوء وهي تنحني لمستواه وتخاطبه بلطف:
- ما بك يا عليّ؟ سوف يُطعمكَ عمر منها، أليس كذلك يا عمر؟
أومأ عمر بابتسامة وهو يمد يده نحو عليّ:
- تفضل يا عليّ، خذها كلها، لا أريدها.
تراجع عليّ إلى الخلف وهو يهز رأسه نافيًا، وقد ترقرقت الدموع في عينيه، اقتربت منه ريم بضيق بسبب تصرف إبراهيم وتفكيره الغريب، وأمسكته من كتفيه مبتسمة:
- عليّ، انظر إليّ يا بني. سوف تأكلها أنتَ وعمر معًا، حسنًا؟ ولا أريد أي كلمة أخرى. والدك لم يكن معه مالٌ كافٍ ليحضر لكم، وفي المرة القادمة سوف يحضر لكَ ويحضر لعمر، وسوف تتناولانها معًا، أليس كذلك؟
نظر إليها يريد أن يصدق ما تقوله، لكنه تذكر أنه أحضر لسما في الأمس حلوى كثيرة، تنهد وهو يمسح دموعه، وقد صدق أنها كانت كما أخبرته ريم، لتقبله من وجنتيه بابتسامة:
- الآن أنتَ بطل، هيا اذهب واغسل وجهك، فلم يتبقَّ وقتٌ لموعد دوامك.
ركض عليّ نحو المرحاض ليغسل وجهه كما طلبت منه ريم، فزفرت بضيقٍ كبير وهي تنظر إلى عمر الذي يرتدي كامل ثيابه المدرسية، لكنه شارد الذهن، كانت متيقنة من أنه يفكر في معاملة إبراهيم لهم.
بعد مدة، كان عليّ يقف بجانب عمر ويمسك بيد ريم، وهو يأكل الحلوى بطفولة كبيرة، منتظرين الحافلة الخاصة بمدارسهم، وبعد أن تأكدت ريم من ذهابهم، توجهت إلى الأعلى لتبدأ بحملة التنظيف اليومية للمنزل.
««:::::::::::::-:::::::::::::»»
علت أصوات ضحكات أمل وهي تهرب من سارة التي كانت تركض خلفها، فقد كانتا تلعبان لعبة المطاردة.
قاطع ذلك رنين المنزل، فتوجهت ابتهال لتعرف القادم.
نظرت من خلال المرآة السحرية، لتجد أنها نورا والدة همام، فابتلعت ريقها بخوفٍ كبير، إذ لم يخبرهم همام بذلك.
نظرت إلى سارة التي تقدمت منها، ثم همست لها بخفوت:
- إنها والدة همام.
لم تعلم سارة ما الذي أصابها، أكان شللًا أم ماذا.
دارت بعينيها نحو أمل التي جلست تلتقط أنفاسها بسبب الركض، لتتعالى الطرقات على الباب بدلًا من الرنين.
أسرعت سارة نحو هاتفها، ووضعته على أذنها بخوفٍ كبير، وهي تتمنى أن يجيبها بسرعة.
مرت لحظات قليلة حتى جاءها صوته متنهدًا، فخاطبته بسرعة وبصوتٍ مرتجف:
- همام، والدتك أمام الباب... ماذا أفعل؟
اعتدل همام في جلسته، وقد وقع كرسيه أرضًا من شدة الصدمة:
- من؟! أمي أنا؟
أومأت برأسها عدة مرات، وهمست بتوتر:
- أجل، أجل، أمك... أخبرني ما الذي يتوجب عليَّ فعله.
بعثر خصلات شعره الشقراء، وأجابها بتوتر محاولًا إيجاد حل:
- سارة، اسمعيني... لا تفتحوا الباب ولا تصدروا أي صوت، وكأن المنزل خالٍ. هل هذا مفهوم؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!