الفصل المئة وسبعة عشر
**
ارتمت سارة بين أحضان والدتها تعانقها باشتياقٍ كبير، وكأنها تستعيد دفء الأيام الماضية، بينما خاطبتها بصوتٍ اختنق بالدموع:
- لقد اشتقت لكِ كثيرًا أمي.
ربتت ابتهال على كتفها بحنانٍ بعدما ابتعدت عنها قليلًا، تتأمل ملامح ابنتها التي اشتاقت إليها:
- وأنا كذلك صغيرتي، كيف حالكِ؟ هل أنتِ بخير؟
أومأت لها بتأكيد، لتنقل أبصارها نحو سليم الذي اشتاقت إليه كثيرًا، فتوجهت نحوه سريعًا ترتمي بين أحضانه بقوة، دافنةً رأسها في صدره، وكأنها تطمئن بوجوده من جديد.
ارتفع زفير هُمام بغضبٍ وغيرة، وهو يجز على أسنانه محاولًا التحكم بنفسه:
- ها قد بدأنا، الصبر من عندك يا الله.
ابتسم سليم في وجهه ابتسامةً لم تصل إلى عينيه، بعدما صافحه بهدوء ليسأله:
- كيف حالك؟ أتمنى أن تكون بخير.
أجابه سليم بابتسامة هادئة:
- لقد أصبحت بخير عندما رأيت سارة، ورأيت أنها بخير وسعيدة أيضًا.
أومأ هُمام له بهدوء، ليميل سليم نحوه هامسًا بتحدٍ خفي:
- لن تمنعني من شقيقتي هُمام، أنصحك بعدم تحديك أو مقارنة نفسك بي، لأنني أحق بها منك.
انفجر هُمام ضاحكًا من حديثه، ليجيبه هامسًا بسخرية ممزوجة بالتحدي:
- لماذا أشعر أنك حبيبها ومنافسي بهذا الحديث؟ لم أتحدث معك بشيء يا رجل.
ابتعد سليم عنه قليلًا، ثم أجابه بثقة:
- أخبر نفسك بهذا أيضًا، فأنا لستُ أي شخص يا هُمام.
جزّ الآخر على أسنانه بقوة، مجبرًا نفسه على الابتسام، ثم توجه نحو ابتهال يقبل يدها باحترامٍ كبير.
توجهت ريليان مع سارة بعد مدةٍ إلى المطبخ، لتسألها سارة باستفسار:
- أخبريني، كيف كان اليوم الدراسي؟
أجابتها ريليان وهي تبعثر شعر أمل بلطف:
- إنه جيد نوعًا ما، لكن أجمل ما فيه حضور سليم.
تعجبت سارة وهي تنظر إليها متسائلة:
- هل سليم دلف للداخل؟
أومأت لها ريليان بتأكيدٍ وحب:
- أجل، ولقد صرخ في وجه المديرة المسكينة وضرب الطاولة بقوة، لقد أعجبني حقًا، شعرت أنني لستُ وحيدة، وأن هناك شخصًا يقف خلفي.
ضربت طاولة الطعام بيدها بقوة وهي تقلد سليم بحماس:
- زوجتي هذه التي تتحدثون عنها أفضل منكم جميعًا، لا يشوبها شائبة ولا ينقصها شيء، ولن أسمح بأن يتم الحديث عنها بسوء، وسوف أقاضي كل شخص يتحدث عنها. غير أنني سأنقلها من هنا إن تكرر الأمر، ولا تنسي أنني أدعم هذه المدرسة يا سيدة إحسان، أي أنني أستطيع سحب دعمي لها ونقله إلى مدرسةٍ أخرى تستحق أكثر منها.
توقفت قليلًا تستحضر تعابير وجهه:
- أكرر، زوجتي وشقيقتي خطان أحمران لا يُسمح لأي شخصٍ بالاقتراب منهما. ثم ماذا يعني أنها حديثة الإسلام؟ هذا أفضل من أن تكون مسلمة بالاسم فقط دون مخافة الله وتطبيق أوامره.
حركت ريليان رأسها بسعادةٍ كبيرة:
- إنني أحفظ كلامه بالحرف الواحد، لقد أعاد ثقتي بنفسي سارة. بالمناسبة، لقد أحضرت معي ما أخذناه اليوم لكِ.
ابتسمت سارة بعدم تصديق طوال حديثها، ثم أجابتها بدهشة:
- انتظري، هل سليم فعل ذلك؟! لا أصدق، لقد انقلب وحشًا، يا إلهي، هذا جميل ومثير للاهتمام.
ربتت على معدتها المنتفخة قليلًا، ثم سألتها بحب:
- أخبريني، كيف حملكِ؟
ضحكت ريليان بخفة:
- لم يمضِ يومٌ واحد دون أن تتركيني وأسئلتك يا سارة، إنني بخير فلا تقلقي.
ضحكت سارة بخفة، لتسألها أمل بتعجب:
- هل أنتِ حامل ليان؟ هل يوجد هنا طفل؟
ابتسمت ريليان بسعادة، ثم احتضنتها بعدما أومأت لها بتأكيد:
- أريد أن تكون فتاة، وتسمونها باسمي لطفًا.
ربتت ريليان على رأسها بهدوء:
- إن شاء الله حبيبتي.
بدأت سارة بتحضير العصير وبعض الحلوى، ولم تنسَ قهوة سليم المُرّة وقهوة هُمام أيضًا، وقد أصرت ريليان على مساعدتها، لتسمح لها الأخرى بذلك بعد عنادٍ طويل.
خرجتا بعد مدةٍ، لتجلس ريليان بجانب ابتهال، فقد جلس سليم مع هُمام في غرفةٍ أخرى.
نظرت ابتهال إلى سارة بابتسامةٍ هادئة تخاطبها:
- هل تذكرين كريم سارة؟
أومأت لها بتأكيد، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الاشتياق:
- هل عاد أمي؟ لقد اشتقت إليه، لم يعد منذ زمنٍ إلى هنا، أليس كذلك؟
أومأت ابتهال برأسها قبل أن تجيبها:
- لقد هاتفتني شقيقته وأخبرتني أنه سيأتي في القريب العاجل، لقد اشتقت إليه أنا أيضًا.
تساءلت ريليان بتعجب:
- من كريم هذا؟
أجابتها سارة بهدوءٍ وابتسامةٍ رقيقة:
- إنه في عمري، لقد كان فتىً جميلًا وشجاعًا حقًا، ومن أجله أريد دراسة الطب، إنه حلمنا منذ الصغر.
أومأت ريليان لها بتفهم، لينخرطن بعدها في عدة مواضيع مختلفة، حتى ذكرهم سليم بعد مدةٍ بموعد المغادرة كي لا يزعجوا أهل المنزل أكثر من ذلك.
««::::::::::::-:::::::::::»»
دلفت رلين إلى المنزل وعلى وجهها ابتسامةٌ كبيرة، لتسألها جوليا باستفسار:
- إلى أين ذهبتِ؟
جلست رلين بجانبها واضعةً رأسها على قدمها، مما جعل جوليا تلعب بخصلات شعرها بهدوء:
- لقد ذهبت إلى مدينة الأشباح، لقد عشت مغامرةً رائعة أمي، لقد استمتعت بحقٍ.
ابتسمت لها جوليا، لتتقدم أليتا متحدثةً بضيقٍ طفولي:
- أمي، أريد أن أنام، وألكسندر لا يجعلني أفعل ذلك.
تنهدت جوليا معتدلةً بعدما أبعدت رأس رلين عن قدمها:
- ها أنا قادمة صغيرتي، وسوف أعاقب ألكسندر هذا الذي يزعجك.
توجهت رلين للأعلى معهم نحو غرفتها، متثائبةً بنعاس، لتدلف إلى غرفتها بإرهاقٍ كبير.
وبعد مدةٍ توجهت جوليا نحو غرفتها تريد أن تخلد للنوم، لتستمع إلى رنين هاتفها.
أخذته بهدوءٍ حتى لا يستيقظ جرير، لتجده رقمًا غير مسجلٍ لديها. كادت أن تجيب، إلا أن الاتصال انقطع.
أحنت زوايا فمها بتعجب، لتسألها مايا التي كانت تذاكر:
- من المتصل أمي؟
أجابتها بجهالةٍ وعدم مبالاة:
- لا أعلم، إنه رقم لا أعرفه. اذهبي واخلدي للنوم صغيرتي، وسوف أوقظكِ في الصباح لتكملي دراستكِ.
أومأت لها بهدوء، ثم توجهت نحوها مقبلةً وجنتيها باحترام، لتذهب بعدها إلى غرفتها.
جلست جوليا في الردهة قليلًا، مغمضةً عينيها بتعبٍ بسيط، وقبل أن تتعدل ارتفع رنين الهاتف مرةً أخرى.
أجابته، ونبضات قلبها تعلو لسببٍ لم تعرفه، وكأن شيئًا بداخلها يخبرها بأن هذا الاتصال يحمل أمرًا مختلفًا.
««::::::::::::-:::::::::::»»
تدثرت ريليان تحت الغطاء وهي تغمض عينيها استعدادًا للنوم، بينما جلس سليم بجانبها. التفتت إلى الجهة الأخرى متعمدةً ألا تنظر إليه، فتنهد بضيقٍ من تصرفها، ثم سألها بهدوء:
- هل قرأتِ سورة الملك ريليان؟
حركت رأسها بتأكيد، ليخاطبها آمرًا بلطف:
- انظري إليّ ريليان.
زفرت بقوة وهي تستدير نحوه، ليعطيها هاتفها متحدثًا بحنان:
- هاتفي والدتكِ وأخبريها بأمر حملكِ.
ابتلعت ريليان ريقها بخوف، ثم اعتدلت جالسةً وهي تهز رأسها برفض:
- لا أريد سليم، شكرًا لك.
نظر إليها بصمتٍ وابتسامةٍ مشجعة، يحاول أن يمنحها القوة التي تحتاجها، لتغمض عينيها وهي تأخذ الهاتف منه بترددٍ كبير.
اقترب منها ممسكًا بيدها، يخاطبها بهدوء:
- أنا معكِ حبيبتي، وصدقيني سوف تفرح بهذا كثيرًا.
اقتربت منه أكثر، منكمشةً على نفسها، ثم وضعت رقم والدتها الذي تحفظه عن ظهر قلب. وما إن سمعت رنين الهاتف حتى سارعت إلى إغلاقه بعد عدة ثوانٍ، وهي تغمض عينيها بخوف.
احتضنها سليم لتدفن رأسها في صدره، هامسةً بصوتٍ مرتجف:
- لا أستطيع سليم، أرجوكَ أعفني من هذا.
ربت على كتفها بهدوء، ثم أمسك هاتفها متحدثًا بثبات:
- يجب عليكِ إخبارها ريليان، وإن رأيتِ عدم القبول في حديثها معكِ، يمكنكِ إنهاء المكالمة، اتفقنا؟
زفرت بثقل، ليقبل رأسها بلطفٍ مشجعًا:
- هيا، إنها تنتظر منكِ اتصالًا، أنا متأكد.
نظرت إلى الهاتف بتردد، فوضعه سليم على أذنها بعد أن ضغط زر إعادة الاتصال. تشبثت بيده تستمد منه القوة، حتى سمعت صوت والدتها المتسائل الذي اشتاقت إليه كثيرًا.
ترقرقت الدموع في عينيها، ثم تحدثت بغصةٍ واشتياق:
- أمي.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!