الفصل الحادي والثمانون
**استيقظت ريم على صراخ إبراهيم الغاضب، فقد كانت قد نامت بعد أن أدت صلاة الظهر، وما زالت تشعر بالألم منذ الأمس.
اعتدلت بسرعة عندما استمعت إلى صوت بكاء عليّ، فعلمت أنه قام بضربه.
قبل ذلك بخمس دقائق، كاد إبراهيم أن يذهب إلى عمله، لكنه وجد عدة أوراقٍ ملتصقة في سقف الغرفة، فخاطب عمر وعليّ اللذين كانا يجلسان أمام التلفاز يشاهدان إحدى برامج الكرتون المفضلة لعليّ بغضبٍ شديد:
- ما هذا؟ ما هذا؟ من منكما فعل ذلك؟
نظر إليه الاثنان بخوفٍ شديد من غضبه، ليضرب إبراهيم الحائط بغضبٍ أكبر:
- أخبراني، من فعل ذلك منكما؟
نظر إليه عليّ بخوفٍ وعينين تلمع فيهما الدموع، فقد علم مصيره، فاعتدل واقفًا وأجابه بارتجاف:
- أنا، لكنني لم أعرف كيف أزيلهم.
توجه نحوه ليقوم بصفعه أربع مراتٍ على وجنتيه، وهو يتحدث بغضب:
- هل أنت قذر يا فتى؟ هل هذا تصرفٌ تقوم به؟
أمسكه من يديه الاثنتين، وأكمل:
- هل قمتَ بإلصاقهم بيديك هاتين؟
كان عليّ يبكي بصوتٍ مرتفع، قطع نياط ريم في الداخل، ليصرخ فيه مرةً أخرى، بينما حاول عليّ الفرار من بين يديه:
- أجب! هل بيديك فعلت ذلك؟
أومأ له، وقد أصبح وجهه مصطبغًا باللون الأحمر من شدة البكاء، ليقوم إبراهيم بضربه مرةً أخرى على يديه الاثنتين، متحدثًا بقسوة:
- هذا من أجل أن يتعلما ألا يفعلاها مرةً أخرى.
ألقاه على الأريكة بغضب، ثم نظر إلى سما التي كانت تقف عند باب الغرفة ترتعد خوفًا.
أغمض عينيه، ثم خرج إلى الخارج متوجهًا إلى عمله.
أسرعت ريم الخطى نحو الصالة، فلم تتجرأ على الذهاب إليه وتخليصه، خشية أن يغضب إبراهيم أكثر من ذلك.
فهذا طبعه؛ إن تدخلت بينه وبين الأولاد، ازداد قسوةً عليهم.
نظرت إليه، فوجدته متكورًا على نفسه في إحدى الزوايا، فجلست على ركبتيها وأخذته بين أحضانها، مما جعله يعانقها بضعفٍ شديد وبكاءٍ أقوى.
قبّلت رأسه، وخاطبته وهي تمنع نفسها من البكاء:
- اهدأ حبيبي، أرجوك اهدأ، أنا هنا بجانبك.
خاطبها بعد مدةٍ بصوتٍ متقطع:
- أمي، أبدلي لي ثيابي.
أبعدته عنها لتنظر إليه بصدمة، فقد وجدته قد فعلها على نفسه.
عانقته مرةً أخرى، ثم انفجرت في بكاءٍ صامت على ابنها الذي يُعامل بهذه الطريقة من أبيه.
تقدمت منها سما وهي تمسح دموعها، وهمست لها:
- ريم، لا تضعفي أمامهم، انظري إلى عمر.
التفتت ريم نحو عمر، فوجدته يبكي هو الآخر، ويعانق ركبتيه واضعًا رأسه بينهما.
أوقفت عليّ بعد أن مسحت دموعها، ثم خاطبته بضعف وهي تشاهد آثار أصابع يدي إبراهيم على وجهه:
- هيا انهض لتغتسل، وامسح دموعك، فأنت رجل.
توجهت بعد ذلك نحو عمر، وهي تمسك بيد عليّ، ثم انحنت إلى مستواه:
- عمر، انظر إليّ.
رفع رأسه ناظرًا إليها، والدموع على وجنتيه، فخاطبته وهي تجاهد لإخراج ابتسامة:
- ماذا قلنا؟ ألست رجلًا؟ والرجال لا تبكي. امسح دموعك وقف معتدلًا، سوف أذهب مع عليّ كي نبدل ثيابه، وأريد أن أخرج وأشاهد رجلي.
نظرت نحو سما التي كانت تجلس على الأريكة وتنظر إليهم، فتنهدت بصبر، ثم توجهت نحو المرحاض.
بعد مدة، كان عليّ ينام بعدما اغتسل وارتدى ثيابًا نظيفة.
ارتفع رنين هاتف ريم، فأجابته بضيقٍ كبير.
وبالطبع، لم يترك لها إبراهيم مجالًا للحديث، فقد بادرها بهجومٍ واندفاع:
- تنهضين الآن وتزيلين ما هو ملتصق بالسقف. كيف هذا؟ لا دخل لي، ما يهمني أن يُزال من الأعلى وفي الحال، هذا بدل أن آتي وأهينكِ شخصيًا.
ثم أكمل بغضبٍ أكبر، دون أن يترك لها مجالًا للكلام:
- أنتِ تنامين وتتركينهم يفعلون ما يحلو لهم دون أن تنتبهي إليهم. لا أعلم ماذا تفعلين طوال اليوم سوى النوم كالأموات والتحدث مع والدتكِ. أنا لا أربي حيوانًا في بيتي يا هذه، أقسم إن عدتُ وشاهدت قصاصة ورقٍ واحدة، لأفعلن أكثر مما فعلته بكِ بالأمس.
كالعادة، أغلق الهاتف في وجهها، وكأنه يحادث جمادًا لا يملك أي مشاعر، غافلًا عن أن التي يحادثها إنسانة لها قلبٌ ومشاعر.
تنهدت ريم، ثم توجهت نحو الغرفة، تحاول الوصول إلى طريقةٍ لإزالة ما هو عالقٌ في الأعلى.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد صلاة العشاء، كان سليم يجلس وبجانبه ريليان، وأمامه سارة وابتهال، يخبرهم بما حدث معه في المسجد، وعن الدرس الذي ألقاه هناك.
قاطع حديثه رنين هاتفه، فأخرجه من جيب سرواله، ونظر نحو سارة بابتسامة، ثم أجاب على المتصل.
خاطبته أمل باشتياق:
- كيف حالك أخي سليم؟
أجابها بسعادة، فلم يكن يتوقع أن تكون أمل هي من ستتصل به:
- أصبحت بخير عندما استمعت إلى صوتكِ يا حبيبتي، وأنتِ كيف حالكِ؟
ابتعدت ريليان عنه، ناظرةً إليه بصدمةٍ كبيرة، لينظر إليها بطرف عينه، وقد أعجبته ردة فعلها.
أراد المماطلة في الحديث مع أمل، لتجيبه الأخرى بتردد وهي تنظر نحو همام الذي يبدو أنه في عالمٍ آخر:
- الحمد لله. أخي، أريد أن أطلب منك طلبًا.
أجابها وهو ينظر إلى ردات فعل الجميع المنصدمة:
- عيوني لكِ يا حبيبتي، اطلبي ما تشائين.
ضحكت أمل بخفة، ثم خاطبته بسرعة:
- أريد أن تأتي سارة إلى هنا اليوم وتبقى للأبد.
توقف سليم عن الحديث، وهو يشاهد الدموع في عيني ريليان، ثم خاطب أمل ببعض الهدوء وقد شعر بنغزةٍ في قلبه:
- لا يجوز الآن يا حبيبتي.
نظر إلى ريليان التي وقفت، وقد شاهد تلك الدمعة التي فرت منها، ثم اعتدل متوجهًا خلفها ممسكًا إياها من يدها.
وخاطب أمل ضاحكًا بخفة:
- أمل حبيبتي، ألم يخبركِ همام أنه لا يجوز؟
نظرت إليه ريليان بضيق، ثم أفلتت يدها من بين يديه بغضب، وتوجهت نحو الأعلى، تنهد سليم بضيقٍ من نفسه، ليستمع إلى أمل التي تحدثت بصوتٍ متوسل وشبه باكٍ:
- أرجوك سليم، أرجوك، فليكن يومًا واحدًا فقط من أجلي، وافق.
زفر بضيق، ثم سألها مستفسرًا، مما جعل سارة تلتفت إليه:
- أين همام يا أمل؟
أجابته وهي تنظر إلى همام:
- إنه أمامي، هل تريده؟
خاطبها بهدوء وابتسامة صغيرة:
- أجل، أعطيني إياه من فضلك.
اعتدلت في جلستها، ثم توجهت إليه وهي تعطيه الهاتف، وخاطبته:
- عمي، أخي سليم يريدك.
انتبه إليها، وأخذ الهاتف منها، ثم أجاب سليم بمحبة:
- السلام عليكم يا سليم، كيف حالك يا سليم؟
توجه سليم نحو إحدى الغرف، ثم أجابه بامتعاض:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ما الذي سمعته من أمل يا همام؟ هل يجوز ذلك؟
تنهد همام بقلة حيلةٍ وضعف، ثم طلب من أمل أن تذهب إلى غرفتها، وبعد أن أغلقت الباب، خاطب سليم:
- صدقني، لا أريد ذلك، لكنني وعدتها أن تهاتفك اليوم. كان لدي نية أن أثنيها عن هذا الأمر، لكن ما حدث في الصباح هو ما جعلني أوافق على اتصالها، ولدي بعض الأمل أن توافق أنت الآخر.
خاطبه سليم بقلق عندما التمس نبرة الحزن في صوته:
- ما الأمر يا همام؟ هل حدث شيءٌ ما؟
زفر همام وهو يتذكر ما حدث عندما ذهب إلى والدته، ليتفاجأ بمعرفتها بأمر أمل، لقد حدثت مشكلةٌ كبيرة هناك، سواء من والدته أو من والده، فقد طلبوا منه أن يترك أمل ويعيدها إلى دار الرعاية،
وبالطبع، كان قراره الرفض القاطع، لتخبره أمه بكل قسوة أنها غاضبةٌ عليه إلى يوم القيامة إن لم يُعدها، وها هو الآن بين نارين.
أجابه بحزن:
- إن عائلتي علمت بأمر أمل، وقاموا بتخييري بينها وبينهم، وبالتأكيد اخترتها دون تفكير، لكن أمي قالت إنها غاضبةٌ عليّ إلى يوم الدين إن لم أرجعها إلى دار الرعاية.
تنهد بثقل كبير مما يحدث مع اليتيمة:
-أنا واقعٌ بين نارين يا سليم، لا أريد أن أترك أمل، فليس لها أي شخصٍ غيري، ولا أريد أيضًا أن تكون أمي غاضبةً مني، لذلك أرجوك أن تسمح لسارة بالمجيء إلى هنا، وأعدك أنني سأكون خارج البيت حينها، أو يمكنك القدوم معها، إنها تريد أن تشعر بحنان سارة يا سليم، ولا تقل لي أن تأتي هي إلى المنزل، فهي لا تريد ذلك. لقد حاولت معها بكل الطرق، لكن كل ما تريده هو أن تكون سارة بجانبها وفي بيتها.
ظل سليم ينظر أمامه وهو يستمع إليه، وشعر بضيقٍ من حديث والدته، ثم أجابه بقلة حيلة:
- بصراحة، لا أعلم ماذا أقول. فرضًا أن رضا الأم من رضا الله، إنك في موقفٍ صعب يا همام. حسنًا، سوف أحضرها في الغد ومعها والدتي، هل هكذا جيد؟
ابتسم همام بسعادةٍ كبيرة، وهو لا يصدق أنه وافق:
- شكرًا لك يا سليم، حقًا شكرًا لك.
ابتسم له سليم بهدوء، وأجابه بمواساة:
- لا داعي للشكر يا همام. اهتم بأمل جيدًا، وحاول مرةً أخرى مع والدتك.
أومأ له همام بسعادةٍ لموافقته:
- حسنًا، حسنًا، سوف أفعل هذا بالتأكيد. أوصل سلامي لخالتي، تصبح على خير.
أجابه سليم بهدوء:
- وأنت من أهله.
خرج سليم إلى الخارج ليروي لهم ما حدث، لتبدأ سارة بالبكاء، زفر سليم بضيقٍ من ذلك، ثم توجه نحوها معانقًا إياها، فما زالت هناك واحدةٌ في الأعلى عليه مصالحتها، وقد تأخر عنها.
خاطبها بابتسامةٍ حنونة:
- سوف تذهبين أنتِ ووالدتي غدًا إليها، وإن استطعتِ أن تتحدثي مع والدتها فافعلي ذلك.
أومأت له، ليعتدل مسرعًا، وخاطبهم بعد أن قبّل رأس والدته وجبين سارة:
- تصبحون من أهل الجنة.
دلف إلى الغرفة، ليجدها تبكي متكوّرةً على نفسها كالجنين.
اقترب منها بابتسامةٍ صغيرة، وخاطبها:
- ريليان.
رفعت عينيها نحوه بعتاب، ثم شاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى وهي تمسح دموعها، جلس بجانبها، وتحدث بأسفٍ حقيقي:
- أعتذر يا ريليان، لم أكن أتخيل أن تكون ردة فعلكِ هكذا.
نظرت إليه بعتابٍ كبير:
- هذا يعني أنك لا تعرفني يا سليم. أتعلم ما الذي أزعجني أكثر من ذلك؟
نظر إليها باهتمامٍ نافيًا، لتكمل بحزن:
- أنك لم تسمعني ذلك الكلام الجميل. دائمًا تحادثني دون أن تقول لي مثل ذلك، صحيحٌ أنني شعرت بغضبٍ كبير لأنك حادثت فتاةً بكل راحة، وأيضًا لأنك تعرفها من طريقة حديثك، لكن أن تغازلها بكلامك الذي لا أسمعه منك، فهذا ما أغضبني أكثر وجعلني أشعر بالضيق منك.
عانقها ضاحكًا، وخاطبها من بين ضحكاته:
- هل تغارين يا صغيرتي؟
ابتعدت عنه بضيق ولم تجبه، ليقبل وجنتيها بندم:
- أعتذر، لكن هذا لا يعني أنه أعجبني.
اعتدلت من جانبه بضيقٍ كبير، وخاطبته بحزم:
- لا تحادثني يا سليم، واخرج للخارج الآن، فأنا غاضبة.
رفع حاجبه الأيمن بتعجبٍ من طريقة حديثها، وقبل أن يخاطبها، طرقت سارة الباب، فتوجه نحوه وفتحه، فنظرت للداخل وهي تسأله بتوتر:
- هل ريليان نائمة؟
نفى برأسه، لتظهر ريليان من خلفه وعلامات البكاء ظاهرةٌ عليها، خاطبتها سارة بتوتر بعد أن اقتربت منها:
- أختكِ رلين على الهاتف وتريدكِ.
نظرت ريليان بصدمةٍ حقيقية مما تسمع، وتنقلت نظراتها بينها وبين سليم بعدم تصديق.
مدت سارة إليها هاتفها الخاص:
- تفضلي.
أمسكته بأنامل مرتعشة، ثم وضعته على أذنها، وتحدثت بصوتٍ ضعيف:
- رلين...
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!