الفصل الرابع والعشرون
**نظر أمبر إلى ريليان، ليمسك يدها مستأذنًا من جرير، ليتوجها نحو إحدى الغرف التي أمامهما، أغمضت ريليان عينيها بألمٍ جراء ضغط أمبر على معصمها، ليتحدث بغضبٍ وغيرةٍ كبيرين محاولًا اخفاض صوته:
- من ذلك الشخص، ريليان؟
فتحت عينيها على اتساعهما، ليكرر سؤاله، ضاغطًا على أسنانه، يكاد يسحقها من الغضب:
- من ذلك الشاب، ريليان؟
أخرجت صوتها وقد بدا ضعيفًا، قلقًا ومتوترًا:
- عن أي شابٍ تتحدث؟!
ضغط على معصمها أكثر بغير قصد:
- هل تمزحين معي؟ الشاب الذي ترجلتِ من سيارته قبل قليل، ولا تنكري وإلا أخبرت والدك.
أجابته بتوتر، محاولةً الابتعاد عنه:
- إنه أخ صديقتي.
أغمض عينيه، ليأخذ أكبر قدرٍ من الهواء، ثم تحدث بعدما فتحهما باستجواب:
- ولماذا كنتِ في سيارته؟
نظرت إليه متألمةً جراء ضغطه على معصمها محاولة سحبها منه:
- كنت مع صديقتي نتسوق، وهو أراد إيصالي بعدما أخبرته صديقتي أن الوقت تأخر، والآن اترك يدي، إنك تؤلمني.
نظر إليها متفحصًا ملامحها، ليبتعد عنها بضيق، زافرًا:
- ريليان، أعـ...
قاطعته بضيق، وهي تدلك معصمها بألم:
- اصمت، أمبر، لا أريد أن تبرر وتقول إنك تغار، وأن هذا من شدة حبك لي، أعلم أن من يحب لا يؤلم محبوبه، أنت تؤلمني، أمبر، حقًا أصبحت لا تُطاق، وليست هذه أول مرة تفعلها، ماذا ستفعل في المستقبل؟!
تقدم منها نادمًا، ممسكًا بكفها يحتضنه بين يديه:
- ريليان، صدقيني، لا أستطيع التحكم بنفسي عندما أشاهد أي أحد يقترب منكِ، وخاصةً وأنا أشاهد النفور بين عينيكِ نحوي، لا أعلم ماذا فعلت لكِ لتنفري مني، انني احبك منذ ان رايتكِ في احدى احتفالات الكنيسة.
حاولت سحب كفها منه، وقد نجحت في ذلك، لتجيبه وهي تدلك معصمها لتخفف الألم الذي ازداد:
- راجع أفعالك، أمبر، أنا كما أنا لم أتغير البتة، لكن أنت الذي تغير واصلحت شخصًا مختلفًا عن ذي قبل.
رفع حاجبه باستنكارٍ تام يبعد الاتهام عنه:
- هل أنا الذي تغيرت؟!
أومأت برأسها، ليقترب منها في محاولةٍ لعناقها، لتبتعد عنه بنفورٍ حقيقي:
- اتركني الآن على راحتي، من بعد إذنك، أمبر.
زفر بعناد، ليقترب منها معانقًا إياها، يأخذها بين أحضانه، لتحاول الابتعاد عنه، متحدثةً بصوتٍ منخفض كي لا يسمعها الآخرون:
- أمبر، ابتعد عني، أرجوك.
شدد أمبر من عناقه، لتبدأ بالبكاء نافرة، متحدثةً بتوسل:
- أرجوك، أمبر، ابتعد.
أبعدها عنه، لينظر إلى بندقيتيها بحزنٍ دفين:
- لماذا، ريليان؟ لماذا تبنيني حواجز بيننا؟ لماذا تبعديني عنك لم نكن هكذا من قبل.
مسحت دموعها بكف يدها محاولة التبرير له:
- قلت لك اتركني على راحتي، كنت أعتبرك صديقًا لي، وليس حبيبًا أو شريك حياة، دعني أتقبل هذا التغير، من فضلك.
سألها بشك، مخترقًا بندقيتيها يحاول ايجاد الصدق بينهم:
- هل هذا فقط؟
أومأت بكذب، وهي ترجع خطوةً إلى الخلف متهربة بعينيها:
- أجل.
نظر إليها بعدم تصديق، لكن ليس أمامه أي خيارٍ غير ذلك، لتسأله متذكرةً:
- بالمناسبة لماذا قلت لوالدي إنني كنت معك؟
تنهد بيأس، ناظرًا إليها بهدوء ماسحًا وجهه بكفيه:
- لقد هاتفت والدتكِ أنني أريد أن أحضر إلى طعام العشاء وأفاجئكِ بذلك، فأخبرتني أنكِ بالخارج تتسوقين مع صديقتكِ، ولم تعودي حتى الآن، وتزامن قدومي مع ترجلك من إحدى السيارات الخاصة، ورأيت طيف السائق فقط.
تساءلت بتوتر، تخشى من سماع إجابته:
- ماذا تعني بطيفه؟ هل يعني أنك لم تره؟ ألم تفكر بأنه قد يكون سائق اجرة؟!
أومأ بضيق، مجيبًا إياها على مضض:
- أجل، لأنني كنت بعيدًا عنكم، وهذا سهل لأي شخص ينظر الى السيارة الخاصة فيعلم انها ليست أجرة.
تنفست براحةٍ كبيرة، وقد انزاح ثقلٌ كبير عن كتفيها، لتنظر إليه بابتسامةٍ خفيفة لتلطيف الاجواء:
- حسنًا، وشكرًا لك، لكن سؤال أخير كيف أجبت والدي ولم تسمع سؤاله؟
زفر بقلة حيلةٍ من أسئلتها الكثيرة وقد بدأ يشك في تصرفاتها:
- أخبرتني مايا بذلك عندما كان والدك ينظر إليكِ.
ابتسمت بسعادةٍ حقيقية، شاكرةً إياه بصدق:
- شكرًا لك، أمبر، حقًا شكرًا لك.
بادلها الابتسامة بهدوءٍ وحب فليس لديه خيارٌ آخر أمام ابتسامتها:
- هذا دليل حبي لكِ، ريلياني.
نظرت خارج الغرفة، ثم اليه لتتحدث بهدوء:
- لقد أُعدت المائدة، يمكننا الخروج الان.
نظر إليها، ليمسك معصمها، مقبلًا إياه برقة معتذرًا عما سبق منه:
- أعتذر لهذا، ريليان، واعدك أنني سأحاول ان أتحكم في غضبي وغيرتي.
سحبت يدها بهدوءٍ وخجل من فعلته التي لم تتوقعها:
- لا عليك، أمبر، أعرف أنك لن تكررها.
ابتسم لها، ليخرجا سويًا من داخل الغرفة، متوجهين إلى الصالة، ليتناولا طعام العشاء مع البقية الذين كانوا ينتظرونهما.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
كان سليم يقرأ في كتاب الله بخشوع، يتنقل ببصره بين الآيات، لكن قلبه لم يكن ساكنًا كما اعتاد، أغمض عينيه فجأة، واستغفر ربه مراتٍ متتالية، وكأنما يحاول أن يطرد خاطرًا اقتحمت قلبه وروحه دون استئذان!
ارتجفت أنفاسه، فأغمض عينيه سريعًا، وأطرق رأسه، يتمتم بالاستغفار مرةً بعد أخرى، وكأنه يخشى أن يكون قد أذنب لمجرد أن قلبه التفت إلى غير الله في تلك اللحظة.
أغلق المصحف برفق، ووضعه إلى جواره، ثم قبض على شعره بين أصابعه، وأخذ ينفض رأسه بعنف، كمن يحاول أن ينتزع فكرةً التصقت بعقله.
شد على فكيه بقوة، ثم عتدل في جلسته هامسًا لنفسه بصوتٍ اختلط فيه الخوف بالعتاب:
- ما الذي يحدث لك يا سليم؟! أما كنت أنت من يوصي الناس بغض البصر، وحفظ القلب، ومجاهدة النفس؟! كيف تسمح لقلبك أن يسبق عقلك؟! استغفر الله... استغفر الله.
أخذ نفسًا طويلًا، ثم مد يده إلى المصحف مرةً أخرى،
أراد أن يهرب..ولم يجد مكانًا يفر إليه إلا كلام الله،
بدأ يقرأ، يحاول أن يغرق قلبه بين الآيات، لكن كلما مضى في التلاوة، وجد اسمها يمر في عقله كهمسةٍ عنيدة، وصورتها تقتحم أفكاره دون إذن، حتى أصبحت الكلمات أمام عينيه، بينما قلبه في مكانٍ آخر.
أغلق المصحف ببطء، وأرخى رأسه إلى الخلف، ثم أطلق زفرةً طويلة، وكأن صدره لم يعد يتسع لما يحمله، رفع يده إلى وجهه، وضغط على عينيه بقوة، ثم خرج صوته مبحوحًا، كأنما يناجي شخصًا لا وجود له أمامه:
- اذهبي... اذهبي يا ريليان... ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟! لماذا لا ترحلين عن عقلي؟!
كان يشعر أنه لا يحارب فتاة، بل يحارب نفسه، يحارب قلبًا بدأ يميل دون إذنه، ويحارب نفسًا يخشى أن تقوده إلى ما لا يرضي الله.
ساد الصمت من حوله، إلا أن قلبه كان أشد ضجيجًا من كل شيء، نهض سريعًا، واتجه نحو سجادة الصلاة، وكأنها ملاذه الأخير. وقف عليها، ثم سجد وأطال السجود، حتى ابتلت السجادة بدموعٍ حاول طويلًا أن يمنعها، لكنها خانته كما خانه قلبه.
همس وهو يكاد يختنق بعبرته:
- اللهم... إن كان في قلبي ما لا يرضيك، فانزعه مني نزعًا، ولو تألمت. اللهم لا تجعلني أُفتن في ديني، ولا تجعل قلبي يتعلق إلا بما أحللت لي. اللهم إني أعوذ بك من نفسي... فإنها أضعف جنودي.
ظل ساجدًا طويلًا، وكأنه يخشى أن يرفع رأسه، فتعود إليه الفكرة من جديد، لقد أصبح الأمر يخيفه،
مجرد أن يسمع صوت ريليان كان يشعر وكأن نبضةً مفاجئة تضرب صدره بقوة، فتبعثر هدوءه الذي بناه عبر سنوات، ومجرد أن يُذكر اسمها أمامه، يضطرب صدره اضطرابًا يعجز عن تفسيره وتتركه في صراعٍ مرير بين ما يتمناه قلبه، وما يعرفه عقله، وبين ما تهواه نفسه، وما يخشى أن يغضب به ربه.
لقد تسلل هذا الشعور إلى قلبه في صمت، دون أن يشعر، حتى أصبح يجاهد نفسه كل يوم، ويستغفر ربه عشرات المرات، ويعاتب قلبه كما يُعاتب أبٌ ولدًا عصى أمره، لم يكن يخشى الحببل كان يخشى أن يسبق قلبه رضا ربه، وكان يعلم أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يراها الناس، بل تلك التي ينتصر فيها الإنسان على نفسه، وهو وحده، ولا يشهد معركته إلا الله.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد مرور أسبوعٍ كامل، مضت الأيام على الجميع، لكنها لم تكن متشابهة أبدًا؛ فلكل قلبٍ حكايته، ولكل روحٍ صراعها الخاص.
أما ريليان، فقد أصبحت تقصد المسجد كل يومٍ بشوقٍ لا تستطيع تفسيره. كانت تجلس في الدروس الدينية منصتةً بكل جوارحها، وكأنها تخشى أن يفوتها حرفٌ واحد. وكلما تعلمت أمرًا جديدًا، شعرت بأن شيئًا في داخلها يهدأ، وأن الضباب الذي كان يملأ قلبها بدأ ينقشع شيئًا فشيئًا.
وأكثر ما كان يطمئنها أنها كلما طرحت على سليم سؤالًا دقيقًا، وجدت عنده جوابًا يزيد يقينها، ويقربها أكثر من الإسلام. وفي منزلها، كانت تخفي كل ذلك خلف تصرفاتها المعتادة، تعامل أمبر بلطف، وتتظاهر بأن حياتها تسير كما كانت، حتى لا تشعر عائلتها بشيء.
أما سارة، فقد أصبحت تعيش على أملٍ واحد؛ أن ترى ريليان وقد وجدت الطريق الذي تبحث عنه. كانت ترافقها إلى المسجد يوميًا، وتجيب عن أسئلتها ما استطاعت، وتسأل أهل العلم عما تعجز عنه، وكلما رأت بريق الاقتناع يزداد في عينيها، امتلأ قلبها سعادةً وحمدت الله سرًا.
أما هاشم وسمر، فقد زارا ابتهال كما وعداها، لكنهما تعمدا ألا يفتحا باب الحديث عن زواج سليم وسمر، وكأن كليهما آثر تأجيل ذلك الحديث إلى وقتٍ آخر.
وازداد تعلق ابتهال بريليان يومًا بعد يوم. كانت ترى في عينيها شغفًا صادقًا، وفضولًا لا ينقطع لمعرفة الحق، فكانت تستقبل كل سؤالٍ منها بابتسامةٍ حانية، ولا تبخل عليها بأي علمٍ تعرفه، داعيةً الله في كل ليلة أن يشرح صدرها للإسلام.
أما سليم، فقد ألزم نفسه ألا يشغل قلبه أو فكره بريليان، وتجنب الاحتكاك بها كلما استطاع، مكتفيًا بالإجابة عن أسئلتها حين تستدعي الحاجة. ومع ذلك، شاء الله أن يكون أكثر من يعلّمها، حتى أصبح صاحب النصيب الأكبر في رحلتها نحو معرفة الإسلام، دون أن يسعى إلى ذلك.
وأما ريم، فقد بقيت حياتها كما هي؛ روتينٌ ممل يتكرر كل يوم، لا جديد فيه سوى أن إبراهيم توقف عن مضايقتها، لتعيش أخيرًا بعض الهدوء الذي افتقدته طويلًا.
وها هي تجلس عند والدة زوجها، ليأتيها اتصالٌ من إبراهيم، فتجيبه متنهدةً بضيقٍ أخفته:
- تفضل، إبراهيم.
أجابها آمرًا على عجل متوجهًا نحو السيارة فاتحًا بابها:
- اذهبي إلى البيت، وأعدي طعام الغداء، فلقد نفدت الأموال التي بحوزتي، إننا قادمان، لا تتأخري.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!