الفصل السادس والعشرون
أومأ سارونا متفهمًا، ليسأله بتردد:
- سؤالٌ آخر... من هو الله؟
نظر سليم إلى سارونا، ومن سؤاله المتوقع، بعدها أجابه بهدوء:
- الله في الإسلام هو علمٌ على الذات الواجبة الوجود، المستحقة لجميع المحامد، وهو اسم الذات العليا، خالق الأكوان والوجود، والإله الحق لجميع المخلوقات، ولا معبود بحق إلا هو. وتوحيد الله بالعبادة هو جوهر العقيدة الإسلامية، ولله أسماءٌ حسنى، يؤمن المسلمون أن من أحصى تسعةً وتسعين اسمًا منها دخل الجنة. آمل أن تكون إجابة سؤالك قد وصلت.
أجابه سارونا مؤكدًا، شاكرًا إياه:
- أجل، وشكرًا لك.
وقف منظم الندوة بعدما انتهى سارونا، وسأل الحاضرين:
- من لديه سؤالٌ آخر يريد أن يوجهه للدكتور سليم؟
وقف رجلٌ في منتصف الخمسين من عمره، أبيض الوجه، أزرق العينين، وقال باحترام:
- مرحبًا، أُدعى أشير استاوريو، وأنا أسقفٌ في الكنيسة.
الان أنت تقول أن يسوع المسيح لم يُصلب ولم يمت، فأثبت لنا وجهة نظرك؛ فإن أقنعتني بالحجج، فسيكون من دواعي سروري أن أصبح مسلمًا، فنحن، معشر النصارى، نؤمن أن المسيح مات وقام من بين الموتى ليبرهن للعالم أن هناك حياةً بعد الموت، فكيف أصل إلى الحقيقة؟
نظر سليم إليه برهةً، ثم قال مخاطبًا الحاضرين وهو يتقدم منهم:
- أخونا يقول إنه إن تأكد أن صلب المسيح لم يحدث، فسيتقبل الإسلام أمامنا الليلة، فلننظر فيما يقوله الكتاب المقدس.
من يبحث عن الحقيقة ينبغي أن يفتح لها قلبه، أما من يغلق عينيه عنها، فلن تنفعه آلاف الأدلة. لذلك دعونا نرجع إلى الكتاب المقدس نفسه.
جاء في إنجيل لوقا (24: 36):
«وفيما هم يتكلمون بهذا، وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلامٌ لكم.»
أي إن المسيح عاد إلى الغرفة العلوية التي تناول فيها العشاء الأخير مع حوارييه، وبعد صلبه المزعوم بثلاثة أيام وقف بينهم وقال: «سلامٌ لكم.» وهي نفسها( السلام عليكم)
لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ يقول إنجيل لوقا (24: 37):
«فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا.»
فأسأل إخوتي النصارى: لماذا ظن الحواريون أنه روح؟
نظر سليم إلى أشير، وسأله بتفسير:
- هل اقتبستُ الكتاب المقدس اقتباسًا صحيحًا يا صديقي؟
أجابه أشير بثقة هازًا رأسه بتأكيد:
- نعم.
ابتسم سليم ابتسامةً هادئة، ثم سأله:
- وهل بدا لهم كروحٍ أو كشبح؟
أجابه أشير بذات القوة والشفافية:
- لا.
أومأ سليم برأسه، ثم قال بهدوء:
- إذًا، لماذا ظنوه روحًا؟ السبب بسيط؛ لأن كل ما وصل إلى الحواريين كان من كلام الناس، فقد سمعوا أن يسوع صُلب، ومات، ودُفن منذ ثلاثة أيام.
ويؤكد ذلك إنجيل مرقس (14: 50):
«فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا.»
لذا أسألك يا صديقي: هل تعني كلمة «الجميع» جميع التلاميذ؟
أجابه أشير بتردد هذه المرة:
- نعم.
أكمل سليم:
- إذًا لم يشهدوا الحادثة بأنفسهم، وإنما اعتمدوا على ما سمعوه من الناس. ومن الطبيعي أن من يُخبر بأن رجلًا مات ودُفن منذ ثلاثة أيام، ثم يراه أمامه، سيظنه روحًا أو شبحًا.
ولهذا قال لهم يسوع: «مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟» (لوقا 24: 38).
ثم أوضح لهم حقيقة أمره بقوله:
«انْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي.»
(لوقا 24: 39).
ولم يكتفِ بذلك، بل طلب منهم طعامًا، كما جاء في لوقا (24: 41-42):
«أَعِنْدَكُمْ ههُنَا طَعَامٌ؟... فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَل.»
أكل أمامهم ليؤكد لهم أنه ليس روحًا ولا شبحًا، وإنما الشخص الذي عرفوه من قبل.
ثم نظر إلى أشير قائلًا:
- هذه هي الرسالة التي أراد إيصالها لهم، لكنه مع ذلك ما زال كثيرون يصرون على خلاف ما صرّح به، فهو يقول: أنا لست روحًا، وهم يصرون على غير ذلك، ويقول أيضًا: «وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي.» (يوحنا 8: 28).
ومع ذلك يقال إنه يفعل كل شيء بنفسه.
ثم تابع بهدوء وقد عاد الى الشاشة التي بدأت تكتب النصوص التي يقولها :
- إن عبارة: «فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي.»
لم تُذكر عبثًا، بل لتؤكد حقيقةً يتفق عليها الجميع، وهي أن الروح لا لحم له ولا عظام. ثم زاد على ذلك بأن أكل أمامهم، ليزيل كل شك.
فأسألك: هل العائدون من الموت يأكلون السمك وشهد العسل؟
بالطبع لا، ولهذا قال المسيح:
«مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ، لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ.»
(متى 13: 13).
ويؤكد القرآن المعنى نفسه بقوله تعالى:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
توجه سليم نحو الطاولة، وأمسك بكتيبٍ صغير، ثم عاد ينظر إلى أشير قائلًا:
- يا أخي، إن أردت الوصول إلى الحقيقة، فابدأ بالبحث عنها، وهذا الكتيب سيساعدك كثيرًا، وعنوانه: «الصلب... حقيقة أم خيال؟». هل سبق أن حصلت عليه؟
أجابه أشير بهدوء:
- لا، لم أحصل عليه.
أومأ سليم برأسه، ثم قال:
- حسنًا، لم أجد إلى اليوم من استطاع أن يدحض هذا الطرح بالحجة، لقد عرض والدي، محمد رحمه الله، على كبار المبشرين في الولايات المتحدة الأمريكية مناظرةً في ساحة "ماديسون سكوير غاردن"، وعلى نفقته الخاصة، ودعا أسماءً معروفة مثل جيري فالويل، وبات روبرتسون، وبيلي غراهام.
نظر للجميع بقوة كبيرة وايمان بالله لا يتزحزح:
- واليوم أجدد هذا التحدي، وإن استطعت أن تجعل أحدهم يقبل المناظرة، فسأمنحك عشرة آلاف دولار هديةً لك.
تعالت أصوات التصفيق في القاعة، بينما جلس أشير في مكانه صامتًا، غارقًا في التفكير.
وقف منظم الندوة مبتسمًا، وقال:
- والآن ننتقل إلى سؤالٍ آخر... تفضل، أنت هناك.
وقف شابٌ في أواخر العشرينيات، أسمر البشرة، يحمل ورقةً صغيرة بيده، وقال باحترام:
- مرحبًا، اسمي كيفين، أبلغ من العمر ثمانيةً وعشرين عامًا، وأعمل مدربًا رياضيًا في أحد النوادي المرموقة، حضرت اليوم لأن لدي عدة تساؤلات، وإذا وجدت لها إجاباتٍ مقنعة، فأنا مستعد للدخول في الإسلام أمام الجميع.
سؤالي الأول: كيف أعلم أن الإسلام هو الطريق الصحيح للعبادة؟
والثاني: كيف أتيقن أن هذه الرسالة من عند الله؟
أما الثالث، فقد سمعتك في إحدى ندواتك تقول إن النجاة تكون باتباع التعاليم التي أنزلها الله على عيسى عليه السلام، فكيف يمكننا الالتزام بها في عصرنا الحالي، وسط ما نواجهه من تحديات؟ وهل يغفر الله لنا إذا عصيناه مرارًا ثم تبنا إليه؟
ابتسم سليم ابتسامةً هادئة، ثم قال:
- سأجمع بين السؤالين الأولين: كيف نعلم أن الإسلام هو الدين الحق؟ وكيف نعلم أنه من عند الله؟ أما سؤاله الأخير عن تعاليم عيسى عليه السلام فسأجيب عنه بعد الانتهاء من هذين المحورين.
أخذ سليم نفسًا عميقًا، ثم خاطبه بلطف:
- ركز معي جيدًا، الإسلام مشتق من كلمة «سلام»، ويأتي أيضًا من معنى الاستسلام لله، أي تسليم الإرادة لله سبحانه وتعالى، وأي دينٍ يدّعي أنه من عند الله، فلا بد أن يثبت صدقه أمام اختبار الزمان.
في زمن الأنبياء كانت المعجزات هي الدليل، أما معجزة الإسلام الخالدة فهي القرآن الكريم، ثم جاء عصر الأدب والبلاغة، فأقر علماء العربية، مسلمهم وغير مسلمهم، بعظمة بيانه.
أما اليوم، فنحن في عصر العلم والتقنية، وأي كتابٍ مقدس يخالف الحقائق العلمية الثابتة لن يقبله إنسان هذا العصر، ولهذا، إذا أخضعنا الكتب المقدسة لهذا المعيار، فلن يصمد أمامه إلا القرآن الكريم.
توقف سليم قليلًا، ثم تابع بهدوء:
- لكن قبل أن أذكر الأدلة العلمية، أود أن أوضح نقطةً مهمة، قد يقول قائل: لماذا نحتكم إلى العلم؟
والجواب: لأن الله سبحانه وتعالى هو خالق هذا الكون، فلا يمكن أن يتعارض كلامه مع خلقه، ولهذا فإن الوحي الصحيح لا يمكن أن يناقض حقيقةً علميةً ثابتة، أما النظريات التي لم تثبت بعد، فلا نجعلها معيارًا للحكم على أي كتابٍ مقدس.
نظر إلى كيفين، ثم أردف بهدوء باسمًا:
- ولهذا السبب، عندما نتأمل القرآن الكريم، نجد أنه يدعو الإنسان إلى التفكير والتدبر، ولا يطلب منه أن يؤمن إيمانًا أعمى، بل يحثه على النظر في خلق السماوات والأرض، وفي نفسه، وفي كل ما حوله.
قام بتعديل مكبر الصوت حول رأسه واذنيه جيدًا مكملًا حديثه:
- ولو أخذنا جميع الكتب المقدسة الموجودة اليوم، ثم عرضناها على الحقائق العلمية الثابتة، لوجدنا أن كثيرًا منها يحتوي على أمورٍ لا تتفق مع ما أثبته العلم، بينما بقي القرآن الكريم محفوظًا من ذلك، رغم أنه نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وهذا في حد ذاته يدعو الإنسان إلى البحث والتأمل، لا إلى الرفض دون دراسة.
ثم نظر إلى الحضور جميعًا، وقال:
- لذلك لا أطلب من أحدٍ أن يعتنق الإسلام لمجرد أنه وُلد مسلمًا، ولا لأن والده مسلم، بل أطلب منه أن يبحث، وأن يقرأ، وأن يقارن بنفسه، فإن كان طالبًا للحق، فسيصل إليه بإذن الله.
قام بتعديل مكبر الصوت حول رأسه واذنيه جيدًا مكملًا حديثه:
- ولو أخذنا جميع الكتب المقدسة الموجودة اليوم، ثم عرضناها على الحقائق العلمية الثابتة، لوجدنا أن كثيرًا منها يحتوي على أمورٍ لا تتفق مع ما أثبته العلم، بينما بقي القرآن الكريم محفوظًا من ذلك، رغم أنه نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وهذا في حد ذاته يدعو الإنسان إلى البحث والتأمل، لا إلى الرفض دون دراسة.
ثم نظر إلى الحضور جميعًا، وقال:
- لذلك لا أطلب من أحدٍ أن يعتنق الإسلام لمجرد أنه وُلد مسلمًا، ولا لأن والده مسلم، بل أطلب منه أن يبحث، وأن يقرأ، وأن يقارن بنفسه، فإن كان طالبًا للحق، فسيصل إليه بإذن الله.
أكمل سليم بعدما هدأ التصفيق مخاطبًا كيفين الذي ما زال يستمع إليه:
- والآن، بعد أن عرفنا المعيار الذي نختبر به أي دين، سأنتقل إلى بعض الأمثلة التي تبين لماذا أقول إن القرآن الكريم هو وحيٌ من عند الله، ثم أجيبك بعد ذلك عن سؤالك المتعلق بتعاليم عيسى عليه السلام، وكيف يغفر الله لعباده إذا تابوا إليه توبةً صادقة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!