الفصل المئة وثلاثة وأربعون
قربها منه، ثم نظر إلى عينيها البندقيتين اللتين طالما أسرتاه، وقال بهدوء:
- حبيبتي... القمر يبقى قمرًا في جميع حالاته، تارةً يكون بدرًا، وتارةً هلالًا، لكنه لا يفقد جماله أبدًا... وأنتِ كذلك يا خديجة قلبي. لا تسمحي لتلك الأفكار أن تسيطر عليكِ، اتفقنا؟
عادت ابتسامتها الطفولية، وكأن كلماته كانت الترياق الذي أعاد إليها روحها، فرفعت ذراعيها تحيط عنقه، ثم قالت بدلال:
- إذًا... احملني حتى أصدق كلامك يا سليم.
انفجر ضاحكًا، ثم قال مشاكسًا:
- بهذا البالون المنتفخ؟! أتمزحين؟
عبست قليلًا، ثم قالت بضيق، وما زالت تطوق عنقه:
- وهل هذا البالون فارغ، أم بداخله شخصان؟ هيا، لا تتذمر واحملني... وإلا خاصمتك.
نهض وهو يحملها بين ذراعيه بكل سهولة، لتغمر الطمأنينة قلبها الصغير.
كانت تعلم يقينًا أن سليم لن يبحث عن امرأةٍ غيرها، فهو أحبها حبًا عظيمًا، وأثبت ذلك لها مرارًا، لكن كلمات سارة أعادت إليها حديث والدتها بالأمس، عندما هاتفتها وحذرتها من الأمر نفسه.
أخرجها من شرودها وهو يقبل وجنتها الناعمة، الشبيهة بحلوى الخطمي، ثم همس:
- فيما يفكر شرياني هذه المرة؟
دفنت رأسها في تجويف عنقه، وأجابته بحب، بينما داعبت أنفاسها رقبته، فتنفس بعمق:
- في مالك قلبي... شكرًا لك يا سليم على كل شيء. أحمد الله أنك زوجي.
وضعها على السرير برفق، وكأنها قطعة زجاج يخشى عليها من الكسر، ثم قال بابتسامةٍ دافئة:
- بل أنا الذي أحمد الله لأنكِ زوجتي وحلالي.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم قال بتردد:
- خديجة... هل أعترف لكِ بشيء، أم أجعله سرًا بيني وبين نفسي؟
أدارت عينيها بتفكير، ثم اعتدلت بفضول:
- أخبرني... لطالما أردت أن تخبرني سرًا، لكن إن كان مزعجًا فلا تتفوه به.
ابتسم في سره، ثم قال متعمدًا إثارة غيرتها:
- بصراحة... قبل زواجي منكِ كنت أفكر بفتاة. كانت تأتي إلى خاطري كثيرًا، صوتها لا يفارقني، وحتى ملامحها... صحيح أنني لم أرها إلا مرة أو مرتين، لكن قلبي كان يخفق كلما تذكرتها، وكأنه في سباقٍ عنيف.
ولما رأى حاجبيها يرتفعان بصدمة، أسرع يقول:
- لكنني كنت أستغفر الله كلما تذكرتها، أقسم لكِ.
ابتسمت بسخريةٍ امتزجت بالغيرة، وقالت:
- حقًا؟! أكثر الله خيرك، وثبت إيمانك! ألم تكن تصلي أيضًا ركعتي توبة؟
أومأ برأسه ببراءةٍ مصطنعة:
- لقد أقسمت، وإنني لصادق.
كتفت ذراعيها أمام صدرها، تحاول أن تبدو قوية، بينما كانت دموعها تتجمع في عينيها، ثم قالت:
- ولماذا لم تتزوجها إذًا، ما دمت معجبًا بها؟
ظل ينظر إليها بصمت، حتى بدأ القلق ينهش قلبها.
هل أحب غيرها حقًا؟
ألم تقل لها ابتهال إنه لم يعرف امرأةً قبلها؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم سألت:
- هل كانت جميلة يا سليم؟
أومأ وهو يكاد ينفجر ضاحكًا:
- أجمل ما رأت عيناي... كأنها من الحور العين.
وهنا، لم تعد قادرةً على التماسك، فانهمرت دموعها بقهر.
قربها منه، ثم نظر إلى عينيها البندقيتين اللتين طالما أسرتاه، وقال بهدوء:
- حبيبتي... القمر يبقى قمرًا في جميع حالاته، تارةً يكون بدرًا، وتارةً هلالًا، لكنه لا يفقد جماله أبدًا... وأنتِ كذلك يا خديجة قلبي. لا تسمحي لتلك الأفكار أن تسيطر عليكِ، اتفقنا؟
عادت ابتسامتها الطفولية، وكأن كلماته كانت الترياق الذي أعاد إليها روحها، فرفعت ذراعيها تحيط عنقه، ثم قالت بدلال:
- إذًا... احملني حتى أصدق كلامك يا سليم.
انفجر ضاحكًا، ثم قال مشاكسًا:
- بهذا البالون المنتفخ؟! أتمزحين؟
عبست قليلًا، ثم قالت بضيق، وما زالت تطوق عنقه:
- وهل هذا البالون فارغ، أم بداخله شخصان؟ هيا، لا تتذمر واحملني... وإلا خاصمتك.
نهض وهو يحملها بين ذراعيه بكل سهولة، لتغمر الطمأنينة قلبها الصغير.
كانت تعلم يقينًا أن سليم لن يبحث عن امرأةٍ غيرها، فهو أحبها حبًا عظيمًا، وأثبت ذلك لها مرارًا، لكن كلمات سارة أعادت إليها حديث والدتها بالأمس، عندما هاتفتها وحذرتها من الأمر نفسه.
أخرجها من شرودها وهو يقبل وجنتها الناعمة، الشبيهة بحلوى الخطمي، ثم همس:
- فيما يفكر شرياني هذه المرة؟
دفنت رأسها في تجويف عنقه، وأجابته بحب، بينما داعبت أنفاسها رقبته، فتنفس بعمق:
- في مالك قلبي... شكرًا لك يا سليم على كل شيء. أحمد الله أنك زوجي.
وضعها على السرير برفق، وكأنها قطعة زجاج يخشى عليها من الكسر، ثم قال بابتسامةٍ دافئة:
- بل أنا الذي أحمد الله لأنكِ زوجتي وحلالي.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم قال بتردد:
- خديجة... هل أعترف لكِ بشيء، أم أجعله سرًا بيني وبين نفسي؟
أدارت عينيها بتفكير، ثم اعتدلت بفضول:
- أخبرني... لطالما أردت أن تخبرني سرًا، لكن إن كان مزعجًا فلا تتفوه به.
ابتسم في سره، ثم قال متعمدًا إثارة غيرتها:
- بصراحة... قبل زواجي منكِ كنت أفكر بفتاة. كانت تأتي إلى خاطري كثيرًا، صوتها لا يفارقني، وحتى ملامحها... صحيح أنني لم أرها إلا مرة أو مرتين، لكن قلبي كان يخفق كلما تذكرتها، وكأنه في سباقٍ عنيف.
ولما رأى حاجبيها يرتفعان بصدمة، أسرع يقول:
- لكنني كنت أستغفر الله كلما تذكرتها، أقسم لكِ.
ابتسمت بسخريةٍ امتزجت بالغيرة، وقالت:
- حقًا؟! أكثر الله خيرك، وثبت إيمانك! ألم تكن تصلي أيضًا ركعتي توبة؟
أومأ برأسه ببراءةٍ مصطنعة:
- لقد أقسمت، وإنني لصادق.
كتفت ذراعيها أمام صدرها، تحاول أن تبدو قوية، بينما كانت دموعها تتجمع في عينيها، ثم قالت:
- ولماذا لم تتزوجها إذًا، ما دمت معجبًا بها؟
ظل ينظر إليها بصمت، حتى بدأ القلق ينهش قلبها.
هل أحب غيرها حقًا؟
ألم تقل لها ابتهال إنه لم يعرف امرأةً قبلها؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم سألت:
- هل كانت جميلة يا سليم؟
أومأ وهو يكاد ينفجر ضاحكًا:
- أجمل ما رأت عيناي... كأنها من الحور العين.
وهنا، لم تعد قادرةً على التماسك، فانهمرت دموعها بقهر.
اقترب منها بسرعة، واحتضنها رغم محاولاتها دفعه، ثم همس بجوار أذنها بصوتٍ أذاب كل خوفها:
- لأنها أنتِ يا خديجة قلبي... لم أحب، ولن أحب أحدًا غيرك. أقسم لكِ، وإنني لصادق.
ضربته على ظهره بغيظ، وقالت:
- يا لثقل دمك يا سليم... ابتعد عني، إنني أكرهك.
شدد احتضانه لها أكثر، ثم قال بثمالة عاشق:
- أعيديها مرةً أخرى... وسأبتعد.
أغمضت عينيها، ثم بادلته العناق بعد أن أطلقت زفرة راحة، قبل أن تسأله وقد تذكرت شيئًا:
- سليم...
همهم بصوتٍ كسول:
- ماذا هناك؟ لن أبتعد، فأنا مرتاح هكذا... تحدثي.
ابتسمت بخفة، ثم قالت:
- هل فكرت فيما حدثتك عنه بشأن ريم؟ هل وجدت لها حلًا؟
ابتعد عنها على مضض، ثم أخرج زفيرًا طويلًا وقال:
- لقد حزنت كثيرًا لأجلها يا خديجة. كانت والدتها قد أخبرتني ببعض الأمور من قبل، لكن أن يكون له علاقة بالممنوعات، فهذا جديد بالنسبة لي. الأفضل لها أن تطلب الطلاق، وإن سنحت لها الفرصة لتبدأ حياةً جديدة مع رجلٍ صالح فلا تتردد. أما إن استطاعت إثبات تورطه في تلك الأعمال أمام المحكمة، فستكسب القضية، وستحصل على حضانة أطفالها بإذن الله.
سألته بفضول:
- ومن أين لها أن تجد رجلًا كهذا يا سليم؟ ومن أين ستحضر دليلًا يدينه؟ إنه إبليس بعينه... بل ربما ظلمنا إبليس حين شبهناه به. عندما أخبرتني بما يفعله، شعرت بالخوف عليها... لا أظن أن أحدًا يستطيع الوقوف في وجهه إلا الله.
شرد سليم لحظات، ثم قال بثقة:
- بلى... يوجد من يستطيع الوقوف في وجهه يا خديجة. والله لا يترك مظلومًا أبدًا.
تنهدت، ثم نهضت وهي تتناول حجابها، وقالت:
- بدّل ثيابك، ثم انزل لتتناول الطعام.
أومأ لها بابتسامةٍ هادئة.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، بينما بقي هو غارقًا في أفكاره.
هل يخبر همام أن يعود إلى منزله كما طلب منه، حتى تنال سارة راحتها؟
أم يتغاضى عن الأمر، حتى لا يحرمها من البقاء بجوار خديجة في أيامها الأخيرة قبل الولادة، وهي التي تخشى أن تتأخر في الوصول إلى المشفى إن عادت إلى منزلها؟
وضع وجهه بين كفيه، حائرًا بين الخيارين، ثم أوكل أمره إلى الله، ونهض أخيرًا ليبدل ثيابه.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
خرج أمبر من غرفته، حاملًا طفلته الصغيرة بين ذراعيه، تلك التي لم تتجاوز شهرها الثاني بعد. أخذ يقبّل رأسها الصغير بحنانٍ بالغ، ثم جلس على الأريكة التي تتوسط صالة المنزل، وظل يتأمل عينيها الخضراوين الساحرتين، حتى شعر بوجود آليس تقف خلفه.
التفت إليها، وما زالت الابتسامة تزين ملامحه، ثم سألها برفق:
- هل انتهيتِ؟
أومأت بهدوء، وهي تمد يديها نحو الطفلة قائلة:
- أعطني إياها يا أمبر.
ضمها إليه بتملكٍ واضح، ثم أجابها باعتراض:
- اتركيها معي يا آليس، يمكنكِ الذهاب وتركها.
أغمضت عينيها وأطلقت زفرةً طويلة، ثم قالت:
- سأقلق عليها يا أمبر... هيا، أعطني ليلي.
قبّل وجنتي طفلته بحب، ثم تنهد قائلًا:
- سأعتني بها جيدًا، أعدكِ. ثم إنها ابتسمت لي هذا الصباح... هيا، لن تأخذي ريليان مني. اذهبي وعودي بسرعة.
ضغطت آليس على أسنانها بقوة عندما نطق بذلك الاسم، ثم غادرت المنزل على مضض، وقد حملت حقيبتها وتركت طفلتها بين يديه، وكان استسلامها أقرب إلى القهر منه إلى الرضا.
ارتسمت على شفتي أمبر ابتسامة انتصار، وهو يتذكر كيف خدعته يومًا حين ادعت أنها أجهضت الجنين، بينما كانت تخفي الحقيقة عنه.
وحين جاء ليتزوجها، لم يكن ذلك عن رغبةٍ منه، بل بعدما أجبره والده على الزواج منها إثر إخباره بأن آليس تحمل حفيده في أحشائها.
كان الأوان قد فات على الإجهاض آنذاك، فقد كانت في شهرها الثاني عندما أخبرته، بعد أن استقر الجنين داخلها.
وخلال أشهر الحمل، كان يتجنبها قدر استطاعته، ولا يكاد يرفع عينيه نحو وجهها.
لكن عندما وضعت مولودتها، واتضح أنها فتاة، أصر على تسميتها ريليان.
لم يكن ذلك حبًا بريليان الأخرى...
بل كان عقابًا لآليس على كذبها وخداعها.
عاد يتأمل ملامح صغيرته، وأمسك أصابعها الدقيقة بين أنامله، لتعود إلى ذاكرته كلمات الطبيبة، حين أخبرته أنه قد لا يتمكن من الإنجاب مجددًا إلا بعد رحلة علاجٍ طويلة، بسبب الضربة العنيفة التي تلقاها أسفل الحزام...
تلك الضربة التي كانت من سليم، وتركت أثرًا لا يزال يدفع ثمنه حتى اليوم.
كان درسًا قاسيًا لن ينساه ما دام حيًا.
ولا ينسى كذلك أنفه الذي أصبح معقوفًا قليلًا منذ ذلك اليوم.
وربما...
كان كل ذلك سببًا في تقبله لآليس، بل وحتى لطفلته.
نهض متجهًا نحو المطبخ ليعد الحليب الخاص بابنته، وهو يبتسم دون أن يشعر.
كم يعشق هذا الكائن الصغير.
كان يعلم أن آليس لا تكن لابنتها ذلك الحب الكبير، فقط لأنها تحمل اسم "ريليان"، رغم أنها كانت قد حاولت تغييره إلى "خديجة"، لكن الاسم بقي كما أراده هو.
ومهما حدث... فهي تبقى والدتها.
واكتشف مؤخرًا أنه بدأ يتقبل آليس زوجةً له، بل وربما بدأ يشعر تجاهها بإعجابٍ خافت.
فقد كانت تبذل جهدًا كبيرًا لتستعيد رضاه، وتوفر له الراحة، حتى سمح لقلبه أخيرًا أن يلين قليلًا نحوها.
أما أمر عدم قدرته على الإنجاب مجددًا...
فلم يعد يشغله كثيرًا.
سواء علمت آليس بالحقيقة أم لم تعلم، فهي لا ترغب في إنجاب أطفالٍ آخرين بعد التجربة القاسية التي مرت بها في حملها وولادتها المبكرة لريليان.
بعد أن انتهى من إعداد الحليب، وضعه في زجاجة الرضاعة، ثم حملها واتجه إلى صغيرته، وأخذ يطعمها برفق.
وفي أثناء ذلك، أمسك هاتفه واتصل بصديقه ديفيد، الذي أثبت له في أصعب أيامه معنى الصداقة والوفاء.
ما إن أجابه حتى قال:
- أين أنت يا رجل؟
جاءه صوت ديفيد هادئًا، بعدما عاد أخيرًا إلى طبيعته المرحة:
- أنا في الطريق. لقد أوصلت رلين قبل قليل لتلتقي بزوجتك وتذهبا للتسوق. هل أنت في المنزل أم خرجت؟
أجابه أمبر بهدوء، وهو يثبت زجاجة الحليب في فم ريليان الصغيرة التي بدأت ترضع بنهم:
- أنا في المنزل... مع ريليان الصغيرة.
أدار ديفيد مقود سيارته متجهًا نحو منزل أمبر المطل على البحر، ثم قال:
- حسنًا... أنا قادم.
أنهى أمبر المكالمة، ووضع هاتفه إلى جواره، ثم عاد يتأمل صغيرته المستلقية بين ذراعيه، وقد امتلأت عيناه بحنانٍ لم يعرفه من قبل.
ابتسم وهو يمرر أصبعه برفقٍ على خدها الممتلئ، ثم رفع بصره إلى السماء، يتمتم بدعاءٍ صادق، راجيًا الرب أن يحفظها له، وأن تبقى دائمًا سببًا لإحياء ما تبقى من الخير في قلبه.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!