الفصل المئة وتسعة عشر
**
ابتسمت ريم بسعادةٍ كبيرة لتخاطب كيان، وهي تشاهد إبراهيم يغلق الباب خلفه:
- حبيبتي كيان، كيف حالكِ؟
أجابتها كيان بهدوء، وهي تغلق كتابها الجامعي:
- الحمد لله، كيف حالكِ أنتِ؟
أغلقت ريم حقيبتها وهي تجيبها بابتسامة:
- إنني بأفضل حالٍ والحمد لله. كيان، سوف أسافر بعد قليل إلى أمي.
تحدثت كيان بتعجب:
- هل قررتِ حقًا السفر؟! هل ستتركين زوجكِ بمفرده؟ يا فتاة، سوف يزوغ هنا وهناك.
ابتسمت ريم ابتسامةً باهتة، سرعان ما اختفت وهي تنظر إلى أمتعتها المصفوفة أمامها، ثم أجابت بهدوءٍ يحمل شيئًا من الخذلان:
- وهذا ما يفعله وأنا معه يا كيان، ولو أن وضع البلاد فيه بعض الأزمات لخرج منذ زمن.
زمت كيان شفتيها بضيق:
- يمكنكِ أن تمنعيه من الزوغان يا ريم.
تنهدت ريم، وكأنها فقدت القدرة على المقاومة منذ وقتٍ طويل، ثم قالت بهدوء:
- من المحتمل أن تعود سما.
جزت كيان على أسنانها بقوة وهي تخاطبها بضيق:
- ولماذا تعود صاحبة الشؤم هذه؟! قالت ماذا؟ "لا أريد أن أعود، ريم حاولي أن تكسبيه." فتاة كاذبة، اللهم اغفر لي ولها، لقد أصابتني بالعصبية.
أجابتها ريم بتوضيح، بينما أغلقت باب غرفتها:
- لقد هاتفته والدتها قبل قليل، وقالت له: سوف أصلح بينكم، وأراضيك بما تطلب.
ابتسمت كيان باستهزاء وهي تخاطبها:
- ألا تمل هذه المرأة؟ ثم ممَّ هي مخلوقة؟ وبماذا تريد مراضاته؟
أحنت ريم زوايا فمها بحيرة:
- صدقيني، لا أعلم يا كيان.
زفرت كيان بضيقٍ كبير:
- حقًا إنها غريبة، وتلك الأخرى جاءها الأمر على مزاجها. سامحكِ الله يا ريم، لقد ضايقني خبركِ هذا.
أسرعت ريم بالحديث محاولةً تهدئتها:
- لا تهتمي يا كيان، لستُ منزعجةً من عودتها، صدقيني، ثم إن والدتها تريد مصلحة ابنتها كأي أم.
أجابتها كيان بعصبيةٍ طفيفة:
- لأنكِ ثلاجة باردة وبليدة، إن كنتِ لا تهتمين فأنا أهتم. ثم عن أي مصلحة تتحدثين؟
تنهدت ريم بهدوء، وقد بدا التعب واضحًا في صوتها:
- إن إبراهيم بالنسبة إليهم كنز وجدوه، ثم من الأفضل أن تعود إليه، أفضل من أن يبتليها بمصيبةٍ كبيرة طالما هي بعيدة عنه.
أجابتها كيان بسخرية:
- كنز وإبراهيم؟! صدقيني لا يجتمعان في جملةٍ واحدة، إنهما كلمتان متناقضتان. أم أنكِ تقصدين عنزًا يرعى في الحقول؟ ثم عن أي مصيبةٍ تتحدثين؟
زفرت ريم بضيقٍ وهي تنظر إلى طفليها اللذين فتحا باب الغرفة، ثم قالت بصوتٍ خافت:
- إنه يغلي من التفكير، يريد أن يلبسها أي كارثة وينتهي الأمر. أتعلمين في ماذا كان يفكر اليوم فجرًا؟
أجابتها كيان وهي تهز رأسها بالنفي.
أكملت ريم بصوتٍ مثقل:
- بعيدًا عن فكرة إدخالها السجن... يريد أن يستأجر فتاةً لتشوه وجهها.
فتحت كيان عينيها بصدمةٍ كبيرة، حتى انعقد لسانها للحظات، ثم هتفت:
- أووه... ويحكِ! ليس إلى هذا الحد يا ريم. حذريها إذًا، صحيح أنني لا أطيقها، لكنني لا أريد لها الأذى. أم أنكِ أخبرتها؟
أجابتها نافيةً، وهي تتفقد الشقة قبل مغادرتها:
- لا، أنتِ تعلمين أنها لا تحدث إلا معي. وفي الأمس تحدثت مع سنابل قليلًا، لكن المشكلة أن هاتف سما ليس معها كما تعلمين، إنه مع إبراهيم.
فكرت كيان قليلًا، ثم خاطبتها بجدية:
- أتعلمين يا ريم؟ هذا البُرهم... إبليس نفسه يقف له احترامًا ويجلسه مكانه، ثم يصفق له ويقول لأبنائه: تعلموا منه الإبلاس! أقسم إنه خطير، لا تعلمين كيف يفكر ولا إلى أين يصل به انتقامه. أتعلمين؟ عندما تحدثت مع سنابل عنه قالت لي إن معه انفصامًا في الشخصية، ثم قالت وهي تضحك إن إبليس نفسه يتبرأ منه ومن أفعاله. اسمعي، سوف أعطيكِ بعض النصائح القيمة، خذيها وأرجو أن تستمعي إليها.
تنهدت ريم بهدوء:
- أجل، أخبرتني بذلك، لكن صدقيني لا أعلم نيته بعد، يبدو أنه يفعل كل ذلك ليعيدها، هذا ما أشعر به.
أخذت كيان نفسًا عميقًا ثم زفرته ببطء، وقالت بلهجةٍ حازمة:
- أخرجيه من رأسكِ هذا التفكير، وعندما تصلين إلى والدتكِ أخبريني فورًا، اتفقنا؟ وبالمناسبة، كل عامٍ وأنتِ إلى الله أقرب، رمضان مبارك.
عقدت ريم حاجبيها بتعجب:
- هل ثبت الشهر بالغد؟
رفعت كيان كتفيها ثم قالت:
- سواء الغد أم بعده لا يهم، أردت فقط أن أسبق الجميع بمعايدتك، مع أنهم أعلنوه بالغد لدينا.
ابتسمت ريم بمحبة:
- علينا وعليكِ يا كياني، وليس بالغد، بل بعد الغد. وكل عامٍ وأنتِ بخير، وسوف أهاتفكِ عندما أصل، اتفقنا؟
ابتسمت كيان برقة:
- اتفقنا، أوصلي سلامي لوالدتكِ، واعتني بنفسكِ... وبخاطبي وأخيه.
ضحكت ريم بخفة، ثم قالت بمحبةٍ صادقة:
- كيان... شكرًا لوجودكِ في حياتي، أنتِ وسنابل. وأخبريها أنني سأسافر الآن، وأنني بخير، فليس لدي متسعٌ من الوقت لمهاتفتها، إن السيارة تنتظرني في الأسفل. في أمان الله.
أغلقت ريم الهاتف مع كيان، ثم حملت حقيبتها وهي تخاطب طفليها بابتسامة:
- هيا حبيبيَّ، لنذهب.
تحدث عليّ بتثاؤب، واضعًا يده على فمه:
- أمي، إن الوقت مبكر، وما زلتُ نعسانًا، أريد العودة للنوم.
بعثرت ريم شعره بحنان، ثم قالت بمشاكسة:
- سوف أسبقك إلى الأسفل، وإن لم تصل قبلي فسأحرمك من الحلوى.
اتسعت عينا عليّ، لينطلق مسرعًا خارج المنزل، يهبط درجات السلم بخطواتٍ متعجلة، بينما ابتسمت ريم من تصرفه، ثم أغلقت الباب بعد أن خرج عمر، وألقت نظرةً أخيرة على منزلها، وكأن قلبها يخبرها أن الأيام القادمة لن تكون سهلة كما تتمنى.
««::::::::::::-::::::::::::»»
فتح سليم باب المنزل ليرحب بالزائر باحترامٍ يخالطه شيءٌ من التوجس والصدمة.
وفي الداخل، توقفت ريليان في مكانها وقد تصلبت أطرافها كلها عندما تسلل إلى أذنيها ذلك الصوت الذي تعرفه عن ظهر قلب... صوتٌ اشتاقت إليه حتى أنهكها الحنين.
قادتها قدماها المرتجفتان إلى الباب، لترفع بصرها نحو صاحب الصوت.
رمشت مراتٍ متتالية بعدم تصديق، ثم وضعت كلتا يديها على فمها تكتم شهقةً خرجت رغمًا عنها من شدة المفاجأة.
حاولت أن تتقدم خطوةً أخرى، لكن قدميها خانتاها، فلم تعودا قادرتين على حملها من هول الصدمة، لتتهاوى أرضًا.
أسرع سليم نحوها قبل أن ترتطم بالأرض، وأحاطها بذراعيه يسندها بخوفٍ شديد، بينما انقبض قلبه وهو يراها ترتجف بهذه الصورة.
رفعت عينيها إليه، وكأنها تستأذنه أن تصدق ما تراه، فأومأ لها مبتسمًا بحنان.
في تلك اللحظة تقدمت جوليا بخطواتٍ مترددة، ودموع الشوق تملأ عينيها.
ابتعدت ريليان عن سليم، ثم ارتمت بين أحضان والدتها بكل ما في قلبها من شوقٍ وحرمان، تدفن وجهها في صدرها وتستنشق رائحتها التي حفظتها ذاكرتها رغم مرور الأيام.
وما هي إلا ثوانٍ حتى انفجرت بالبكاء، بكاءً طويلًا اختلط فيه الوجع بالراحة، والحنين بالأمان، وهي تقول من بين شهقاتها:
- آه أمي... لقد اشتقت إليكِ، أقسم لكِ. لا تعلمين كم افتقدتكِ، وكم افتقدت حضنكِ هذا... أرجوكِ، لا تحرميني منكِ مرةً ثانية... أرجوكِ.
أغمضت جوليا عينيها بقوة، وقد شعرت أن قلبها يتمزق مع كل دمعةٍ تنهمر من ابنتها، ثم راحت تربت على رأسها بحنانٍ أمومي افتقدته كلتاهما طويلًا، وأجابتها بصوتٍ مرتعش:
- لن أفعل حبيبتي... ها أنا أمامكِ، وسأكون إلى جانبكِ دومًا يا صغيرتي.
تشبثت ريليان بها بقوةٍ أكبر، وكأنها تخشى أن تختفي من بين ذراعيها إن تركتها، تعوض سنوات الحرمان وكل ليلةٍ نامت فيها وهي تتمنى هذا الحضن.
وبعد وقتٍ ليس بالقصير، ابتعدت عنها ببطء، تتأمل وجهها بشوق، بينما راحت جوليا تمسح دموعها العالقة على وجنتيها بأطراف أصابعها بحنانٍ بالغ.
أخذت ريليان نفسًا عميقًا، ثم أمسكت بيدي والدتها الموضوعتين على وجنتيها، وانحنت تطبع قبلةً طويلة على جبينها بكل حبٍ وامتنان.
ثم التفتت نحو ابتهال التي كانت تقف تراقبهما وابتسامة التأثر تزين وجهها، لتقول بسعادةٍ غامرة:
- لقد جاءت أمي... لقد سامحتني أمي.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!