صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 94 من 150
وضع القراءة:

الفصل الرابع والتسعون

**
تنهدت ربم قليلًا، ثم أكملت بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
- كل ما أتمناه أن يتوقف عن علاقاته نهائيًا، صحيح أنه لم يعد إليها منذ زواجه من سما، لكنني لا أعلم، ربما يعود يومًا، فلا أحد يضمنه، ثم من قال لكِ إنني أريده أن يترك سما؟ انظري، سأكون صريحة معكِ، إن ترك إبراهيم سما فسيتفرغ لي تمامًا، وسيعد أنفاسي بالثانية، ولن أستطيع التحدث معكِ أو مع أي شخص، لأنه ببساطة يكره أن أمسك هاتفي أمامه، ويعتبره يشغلني عنه، وصدقيني، وجود سما يريحني من هذه الناحية ولو قليلًا.
زفرت كيان بإحباط، فقد كانت تتمنى أن يختفي وجود سما من حياة إبراهيم نهائيًا، ثم اجابتها بيأس:
- لا فائدة منكِ يا ريم، ستبقين كما أنتِ، ضعيفة ومتشائمة، ولماذا لا تهتمين بنفسكِ قليلًا وتستعيدين مكانتكِ في قلبه؟ غيري من نفسكِ يا فتاة وعودي ريم الشابة الجميلة والصغيرة.
تأففت ريم وهي تحمل كوب قهوتها وتتجه إلى الأريكة، ثم أمسكت بالكتاب الذي أخرجته منذ الصباح وقالت:
- يا كيان هذه الأمور لم تعد تنفع معه صدقيني، جربت ألف طريقة وطريقة، ولم أصل إلى شيء، لذلك قررت أن أبقى على طبيعتي، فهذا أهون عليّ من التظاهر بشخصية لا تشبهني.
قلبت كيان عينيها بيأس، ثم خرج صوتها بقلة حيلة:
- كما تريدين يا ريم لن أجادلك الآن، لكن أريدكِ فقط أن تنظري إلى الأمر من زاوية أخرى، صحيح أنني لا أفقه في هذه الأمور كثيرًا، لكنني أسمع من حولي أن الاهتمام بالنفس يصنع فرقًا، ثم إنكِ تقرئين الروايات دائمًا، أليس كذلك؟ انظري ماذا تفعل البطلات لاستعادة أزواجهن، وتعلمي منهن قليلًا، أعلم أن الروايات ليست واقعًا، وأن الحياة ليست وردية، لكن بعض الكاتبات يضعن مواقف حقيقية يمكن الاستفادة منها، فكري في الأمر... والآن سأترككِ لتراجعي نفسكِ وتعيدي حساباتكِ من جديد.
أغلقت ريم المكالمة، وبقيت كلمات كيان تتردد في رأسها، لكنها لم تعد تؤمن بأن شيئًا من ذلك سينجح مع إبراهيم، لأنها ببساطة لم تعد تعرف ما الذي يدور في عقله، فالذي كان يعجبه بالأمس، لم يعد يلفت انتباهه اليوم.
قرّبت كوب القهوة من شفتيها، وارتشفت منه رشفةً دافئة، ثم أعادت نظرها إلى الكتاب الذي بين يديها، والذي كان يتحدث عن الحياة، بينما غرقت هي في أفكارها أكثر من انشغالها بصفحاته.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
    
أغلقت ابتهال الباب خلفها، ثم توجهت نحو الصالة  بخطواتٍ مثقلة، لتجد سليم جالسًا على الأريكة، وقد أسند مرفقيه إلى ركبتيه، ودفن وجهه بين كفيه، وكأنه يحاول أن يحبس داخله كل ما يعتمل في صدره من ألمٍ وعجز، لقد وصل قبل نصف ساعةٍ فقط.
وصل وهو يحمل ريليان بين ذراعيه، بينما كانت أشبه بجسدٍ بلا روح، ساكنةً لا تقوى حتى على فتح عينيها، فاستقبلته هي وسارة بذعرٍ لم تعرفا كيف تخفيانه.
صعد مباشرةً إلى غرفتهما دون أن ينطق بكلمة، ووضعها على السرير بمنتهى الحذر، وكأنه يخشى أن يؤلمها حتى بنعومة الفراش.
اقتربت منه ابتهال بقلقٍ بالغ، وسألته بصوتٍ مرتجف:
- ما بها يا سليم؟ هل هي بخير؟
اعتدل بسرعةٍ ظنًا منه انها استيقظت، فأجابها بعد ما زفر زفرةٍ خرجت وكأنها انتُزعت من صدره انتزاعًا:
- إنها نائمة لا تقلقي.
تهاوى جالسًا على الأريكة المجاورة، وقد بدا وكأن جسده لم يعد يحتمل الوقوف، فسألته ابتهال بلهفة:
- ماذا حدث لها؟ وأين كانت مختفية؟
ابتلع غصته بصعوبة، ثم بدأ يسرد لها ما حدث منذ خروجه هو ريليان من المنزل حتى الذهاب الى عائلتها، مرورًا بنسيانها لهاتفها ووجودها في منزل أمبر حيث..
لكن كلماته توقفت فجأة! إذ وصل إلى مسامعهم أنينٌ خافت، استدارت الأنظار نخو غرفتهم الخاصة.
في الداخل بدأت ريليان تفتح عينيها ببطء، وقد ارتسم الألم على ملامحها قبل أن يتحول الأنين إلى بكاءٍ مرير، وكأن كل ما كتمته طوال الساعات الماضية انفجر دفعةً واحدة.
اعتدل سليم بسرعة البرق يفتح باب الغرفة، وأجبر نفسه على الاقتراب منها، ثم انحنى وضمها إليه بحذرٍ شديد، وكأنه يخشى أن تنكسر بين ذراعيه.
تشبثت به بكل ما بقي لديها من قوة، كغريقٍ وجد أخيرًا قطعة خشبٍ يتشبث بها لينجو، كانت تحتاج إليه، تحتاج إلى دفء حضنه، تحتاج إلى أن يخبرها أن كل شيء انتهى، وأنها أصبحت بأمان.
ابتعدت عنه قليلًا، وقد احمر وجهها من شدة البكاء، ثم خاطبته بصوتٍ متقطع تختنقه الشهقات:
- أقسم لك... أنني لم أكن أعلم شيئًا... لا أعلم كيف ذهبت إلى هناك... حتى إنني لم أكــــ...
قاطعها بهدوءٍ مؤلم، كان واضحًا أنه يتكلفه تكلفًا حتى لا ينهار:
- لا تتحدثي يا ريليان، لا أريد أن أسمع شيئًا الآن عما حدث، اذهبي واغتسلي، وسأنتظرك هنا، ام تريدين مساعدتي؟!
كانت ستطلب مساعدته، لكنها رفعت عينيها إليه تبحث في ملامحه عن أي تصديق؟ عن أي طمأنينة؟ لكنها لم تجد سوى وجعٍ عميق أنهكه حتى سلبه القدرة على النظر إليها.
اقتربت منها ابتهال، وربتت على كتفها بحنانٍ أمومي، تخاطبها برفق تلملم الموقف بينما لا تفهمه:
- اهدئي يا ابنتي... لم يحدث شيء يستحق أن تنهاري هكذا، ها أنتِ بيننا، والحمد لله.
نظرت إليها ريليان بعينين امتلأتا بالشك والخوف، فأومأت ابتهال برأسها مبتسمةً رغم انكسار قلبها:
- هيا، اغتسلي كما قال لكِ، وهو سيخرج وحاولي أن تنسي ما حدث.
مسحت دموعها بظاهر كفها، واتجهت نحو المرحاض بقدمين مرتجفتين، لكن جسدها لم يعد يقوى على حملها.
ترنحت وكادت ان تسقط، أغمض سليم عينيه بقوة، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الشعور والتفكير أكثر، ثم نهض بسرعة، وحملها بين ذراعيه دون أن ينطق بكلمة، واتجه بها إلى المرحاض.
تعلقت به بصمت، بينما كانت تحدق في وجهه، ذلك الوجه الذي لم يلتفت إليها، ولم ينظر في عينيها، لتشغر أن قلبها يتمزق.
أغمضت عينيها، وانسابت دموعها بصمتٍ أشد قسوة من الصراخ، أجلسها برفق داخل حوض الاستحمام بعدما ملأه بالماء الدافئ، ثم استدار وغادر دون أن يلتفت.
لم يكن قادرًا على الحديث، لأنه كان يخشى أن ينطق بما سيؤذيهما معًا، اتجه إلى خزانة الملابس، وأخرج لها ثيابًا نظيفة، ووضعها فوق السرير، ثم التفت إلى والدته وقال بصوتٍ أثقله التعب:
- اهتمي بها جيدًا يا أمي، لقد أخرجت لها ثيابها، سأكون في الأسفل، وعندما تنتهي أخبريني
تحرك نحو الباب يخرج وكل خطوةٍ كان يخطوها كانت وكأنها تغرس سكينًا جديدة في صدره.
لم يعد يحتمل، يكفيه ما رسمه خياله من صورٍ كانت تقتله في كل ثانية، وقبل أن يغادر، أوقفته سارة بصوتٍ متردد:
- سليم... هل حدث بينهما شيء؟
تجمد في مكانه، وانقطع آخر خيطٍ كان يمسك به أعصابه، استدار إليها بعينين حمراوين، وانفجر صوته وهو يصرخ بكل ما في صدره من قهر:
- اصمتي... اصمتي يا سارة... اصمتي!
ارتجف جسده كله، وبدا صوته مكسورًا أكثر من كونه غاضبًا، ثم أكمل وهو يهز رأسه بعنف، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل غيره:
- لم يحدث شيء... لم يحدث بينهما أي شيء أتفهمين؟ لم يحدث!
ابتلع أنفاسه بصعوبة، ثم أردف بصوتٍ اختنق بالألم يجبر نفسه على تصديقها:
- ذلك الحقير يريد أن يجعلني أبتعد عنها، قال إن ما حدث كان بإرادتها أيضًا لكنه يكذب، والله إنه يكذب أنا متأكد، متأكد.
برزت عروق عنقه ويديه بصورةٍ مخيفة، واهتز صدره مع أنفاسه المتسارعة، بينما كانت عيناه تلمعان بدموعٍ رفض أن يسمح لها بالسقوط أمام أحد، ثم اندفع خارج الغرفة بسرعة، قبل أن يراه أحد وهو ينهار.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.