صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 132 من 150
وضع القراءة:

الفصل المئة واثنان وثلاثون

**
انتهى من صلاته، غير آبهٍ بهمهمات ولمزات المساجين حوله، توجه نحو سريره، ممسكًا بمصحفه الذي أحضره له المحامي مع بعض الثياب، أغمض عينيه، فحضرت صورة خديجته أمامه، ابتسم رغم ألمه، فهو يعلم حالها الآن، بكل تأكيد تبكي كالأطفال
قاطعه أحد الأشخاص الذين كانوا يراقبون حركاته:
- هل أنت مجنون يا رجل؟ هل يوجد شخص يُسجن ويبتسم؟
فتح سليم عينيه بهدوء، ثم قابله بابتسامته ذاتها:
- وعليكم السلام يا أخي، تفضل.
انفجر الجميع بالضحك، ليقول آخر ساخرًا:
- هذا ما ينقصنا... متدين بيننا. اسمع يا هذا، إذا بدأت تتحدث معنا بقال الله وقال الرسول وتعظنا، فلا تبدأ. أنت هنا واحدٌ من بين عشرة، فابقَ وحدك ولا تخالطنا.
هز سليم رأسه بيأس، ثم فتح مصحفه وبدأ بالقراءة، لم يهتم لهم، فهو الآن لا يملك طاقةً لمواجهة أحد، كل ما يريده هو أن يبقى قريبًا من الله.
««::::::::::::::::-:::::::::::::::»»
رفعت خديجة يديها إلى السماء، ودموعها تتسابق على وجنتيها. لم تعد تعلم ماذا تدعو تحديدًا، فقد دعته كثيرًا، وطرقت بابه مرارًا، ولم يبقَ لها سوى الرجاء.
همست بقلبٍ منكسر:
- اللهم إني أسألك يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث والدهور... يا من يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد أوراق الأشجار، وعدد ما يظلم عليه الليل وما يشرق عليه النهار.
توقفت لحظةً وهي تشهق باكية، ثم تابعت:
- يا من لا توارى منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضًا، ولا جبلٌ إلا يعلم ما في وعره، ولا بحرٌ إلا يعلم ما في قعره... اللهم أسألك أن تعيد إليَّ زوجي سليم، وأن تقر عيني وعين أمي ابتهال به.
انهمرت دموعها أكثر وهي ترجوه:
- اللهم أنت أعلم بحالي، فلا تجعل طفلي يولد بدونه. ارحم ضعفي، وارأف بقلبي، أعلم أنني أخطأت في ماضٍ مضى، لكنني تبت إليك، فاستجب لي... لا ترني فيه مكروهًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
حاولت أن تمنع نفسها عن البكاء، لكن دموعها كانت أقوى منها، تتساقط بلا توقف، وكأن قلبها يفرغ كل ألمه أمام الله، في تلك اللحظة، طرقت ابتهال الباب، فأذنت لها بالدخول.
اعتدلت خديجة بصعوبة، متوجهةً نحوها بخطواتٍ مثقلة، فما إن اقتربت منها حتى احتضنتها ابتهال، والدموع عالقة بين أهدابها.
خاطبتها بهدوء:
- والدتكِ على الهاتف يا خديجة... تريدكِ بأمرٍ ضروري.
ابتعدت عنها خديجة، ومسحت دموعها بكف يدها، ثم أخذت الهاتف منها وأجابتها بصوتٍ يكاد ينكسر من جديد:
- أمي...
تنفست جوليا براحةٍ كبيرة عندما سمعت صوتها، ثم سألتها:
- كيف أنتِ الآن يا ريليان؟
أجبرت خديجة نفسها على الابتسام، وأجابتها:
- أنا بخير يا أمي... فقط اشتقت إليكِ.
ابتعدت جوليا عن مكانها، وخفضت صوتها وهي تخاطبها:
- ريليان... أنا أعلم ما الذي حل بزوجكِ.
رمشت خديجة بتعجب، ثم نظرت إلى ابتهال وسألتها بصمت:
هل أخبرتها بأمر سليم؟
هزت ابتهال رأسها نافية.
فأكملت جوليا بسرعة كبيرة:
- لا، لم يخبرني أحد... لكن يؤسفني أن أقول لكِ إن والدكِ وأمبر ورلين مشتركون في ذلك.
أغمضت خديجة عينيها بألمٍ شديد، وكأن كلمات والدتها أصابت جرحًا مفتوحًا بداخلها.
قالت بصوتٍ ممتلئ بالدموع:
- لماذا يا أمي؟ ماذا فعلت لهم حتى لا يتركونني وشأني؟ لقد تعبت... أقسم لكِ أنني تعبت.
تنهدت جوليا بحزنٍ لحال ابنتها، لكنها تابعت:
- لا أعلم كيف علم والدكِ بأمر حملكِ، لكن رلين جنّت بطريقةٍ لا يمكنكِ تخيلها. الغريب أنها اليوم كانت هادئة على غير عادتها، ذهبت لزيارة آليس في المشفى، ثم عادت وهي تطلب من والدكِ التسجيل الصوتي الخاص بكِ.
عقدت خديجة حاجبيها بتعجبٍ كبير:
- تسجيل صوتي لي؟!
علمت جوليا أنها لا تعلم شيئًا، فأكملت وهي تراقب الطريق من أمامها:
- لقد قلدت رلين صوتكِ من قبل وهي تهاتف ديفيد، وطلبت منه أن يأتي...
توقفت الكلمات فجأة، ساد الصمت، ثم انقطع الاتصال.
تحدثت خديجة بترقبٍ وخوف:
- أن يأتي ماذا يا أمي؟ أمي... أجيبي، أين اختفيتِ؟
نظرت إلى ابتهال بضياعٍ عندما سمعت صفير الهاتف.
قالت بصوتٍ مرتبك:
- لقد أُغلق الهاتف... قالت إن هناك تسجيلًا صوتيًا لي، لكنني لم أفهم.
أعادت الاتصال بها، لكن الصوت المعتاد جاءها:
"الرقم الذي تحاول الاتصال به مغلق حاليًا."
تمسكت خديجة بيد ابتهال برجاء:
- أرجوكِ يا أمي... أريد أن أذهب إليها، أريد أن أفهم الأمر.
حاولت ابتهال جمع كلمات جوليا وربطها ببعضها، حتى بدأت الصورة تتضح أمامها.
ربتت على كتف خديجة، ثم قالت بثقل:
- يبدو أن لديهم دليلًا قويًا ليُبقوا سليم داخل السجن... لكن المحامي لم يخبرني بشيءٍ عن هذا.
وفجأة، ارتفع رنين المنزل، تبادلت الاثنتان النظرات بقلق، ثم توجهتا نحو الباب بسرعةٍ وتوجس.
نظرت ابتهال عبر العين السحرية، وما إن رأت القادم حتى أسرعت بفتح الباب.
دخل همام... لكن الصدمة كانت أنه لم يكن وحده، بل كان يحمل بين ذراعيه سارة فاقدة الوعي.
««::::::::::::::::-:::::::::::::::»»
قبل ساعةٍ من الآن...
ما إن وصل همام إلى المنزل حتى تفاجأ بسارة ترتمي بين أحضانه، تنتحب بقوةٍ وهي تزيد من تشبثها به، وكأنها تخشى أن يختفي من بين يديها.
أبعدها عنه بقلقٍ كبير، وأخذ يتفحص وجهها سريعًا، ثم سألها بلهفة:
- ما الأمر يا سارة؟ هل أنتِ بخير؟ هل أمل بخير؟ أخبريني.
عادت تحتضنه بقوة، وقالت بصوتٍ مكتوم اختنق بالبكاء:
- الحمد لله أنك بخير... لقد متُّ قلقًا عليك.
تنفس همام براحةٍ كبيرة، ثم لف ذراعيه حولها مطمئنًا إياها:
- كنتُ في المسجد بعدما انتهيت من موعدي، أعتذر يا سارة لأنني أقلقتكِ.
دفنت وجهها في صدره، وابتسمت رغم دموعها، تحمد الله أنه يقف أمامها سالمًا.
ثم ابتعدت قليلًا، ومسحت دموعها هامسة:
- لا تعتذر... المهم أنك أمامي وبخير.
تنهد مبتسمًا ابتسامةً باهتة، ولو علمت ما يعتصر قلبه من همٍّ لما قالت ذلك.
أمسك يدها برفق وسألها:
- هل نامت أمل، أم ما زالت مستيقظة؟
أشارت إلى الأريكة، فوجد الصغيرة غارقةً في نومٍ عميق، تحتضن دميتها ببراءةٍ يعشقها.
تقدم نحوها بخطواتٍ هادئة، وما تزال يد سارة بين يديه، ثم انحنى يقبّل وجنتها بحنان قبل أن يجلس إلى جوارها.
جلست سارة بجانبه، لكن القلق كان ينهش قلبها وهي ترى التوتر المرتسم على ملامحه.
استنشق همام نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى عينيها السوداوين المرتبكتين وقال بصعوبة:
- سارة... أريد أن أخبركِ بشيء.
ابتلعت ريقها بترقب، فضمها إليه ووضع رأسها على كتفه.
حاولت الابتعاد، لكنه شدد عناقه، وأغمض عينيه وهو يتمتم:
- لقد أوصاني سليم بكِ... سوف يغيب مدةً، ثم يعود.
انتفضت مبتعدة عنه بعدما حررت نفسها من بين ذراعيه بصعوبة، وحدقت فيه بعينين امتلأتا خوفًا:
- همام... أخبرني الحقيقة، هل سليم بخير؟ انظر... أقسم لك أنني لا أشعر بالراحة منذ الأمس، أرجوك أخبرني.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بعد صمتٍ أثقل من الجبال:
- لا تقلقي... إنه بخير، فقط...
توقفت كلماته عند حلقه، وخذله صوته.
وما إن رأت تردده حتى انهمرت دموعها.
أمسكت بيده بكلتا يديها، تتوسله وهي ترتجف:
- همام... أرجوك أكمل، هل هو بخير أم لا؟ لا تصبني بالجنون... لا تقل إن أمي ليست بخير.
وضع يديه على كتفيها محاولًا تهدئتها، رغم أن قلبه كان أكثر اضطرابًا من قلبها.
قال بصوتٍ متهدج:
- لا داعي لكل هذا القلق... الجميع بخير، لكن... حدثت بعض المشكلات مع سليم.
أغمضت عينيها لثوانٍ، وأخذت نفسًا عميقًا تحاول به السيطرة على ارتجافها، ثم فتحتهما مجددًا، وقد بدا الهدوء على ملامحها على خلاف العاصفة التي تعصف بقلبها.
قالت بصوتٍ خافت:
- أخبرني... ماذا حدث لأخي؟
**
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.