الفصل المائة وخمسة
**
انتبهت ريليان إلى شابٍ في بداية العقد الثالث من عمره، كان يقف بالقرب من أحد المنازل، يحاول التقدم نحوه، لكن بعض الرجال كانوا يمنعونه خوفًا عليه.
كان وجهه محمرًا من شدة البكاء، وصوته يخرج ممزوجًا بالانهيار والألم:
- لقد فقدتُ أجمل وأغلى شيءٍ في حياتي... زوجتي وبناتي مي ومرام، رحماك يا الله، لقد كنَّ كل ما أملك.
تجمدت ريليان للحظة، وكأن كلماته اخترقت قلبها، كم كان مؤلمًا أن يقف إنسانٌ عاجزًا أمام النار، لا يملك سوى الدعاء، يخشى أن يخسر من أحبهم أمام عينيه.
تزعزع جسدها عندما أكمل الشاب وصف ابنتيه، كان يتحدث عنهما وكأنهما أغلى كنزٍ امتلكه في هذه الحياة.
وصف إحداهما بأنها تفاحة قلبه، والأخرى بأنها ريحانة عينه، كانت كلمات بسيطة، لكنها خرجت من قلب أبٍ محطم، فحملت معها وجعًا لا يُحتمل.
وضعت ريليان يدها على معدتها، واحتضنتها بخوف، وكأنها تحاول حماية صغيرها الذي لم يولد بعد من كل هذا الألم الذي يحيط بها.
رفعت عينيها إلى السماء، وبدأت تدعو بقلبٍ مرتجف، أن يخرج سليم سالمًا، وأن يعود الطفل محمد إلى والديه، وأن تحفظ الله هذه العائلات التي تقف بين نار الفقد ونار الخوف.
لم تكن تخشى على نفسها الآن، كل ما كان يشغلها هو سليم، ذلك الرجل الذي دخل حياتها دون أن تشعر، وأصبح في وقتٍ قصير وطنها وأمانها وسندها.
كانت قبل أيام تخشى أن تفقد إيمانها وثقتها، واليوم تقف أمام نارٍ حقيقية تخشى أن تفقد الشخص الذي أعاد لها الطمأنينة.
مرت الدقائق ببطءٍ قاتل، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، كل ثانية كانت تمر كانت تثقل قلبها أكثر.
كانت عيناها لا تفارقان باب المخبز المحترق، تنتظر ظهوره، تنتظر أن تراه يخرج إليها سالمًا، يبتسم لها كعادته، ويخبرها أن كل شيءٍ بخير، لكن النار كانت تزداد اشتعالًا، والدخان يزداد كثافة، والقلق في قلبها يكبر معها.
ضمّت يديها إلى صدرها، وهمست بدعاءٍ مرتجف:
- يا رب... أعده إليَّ سالمًا، يا رب لا تجعلني أعيش وجع فقده، احفظه لي واحفظ طفلنا الذي لم يره بعد، واحفظ الصغير محمد وحيد عائلته.
وفي تلك اللحظة، وبينما كانت أنظار الجميع معلقة على المكان، ظهر ظلٌ يتحرك وسط الدخان المتصاعد...
توقفت أنفاس ريليان، واتسعت عيناها وهي تحاول رؤية مَن يكون، هل هو سليم؟ أم أن خوفها الذي حاولت الهروب منه طوال الوقت قد أصبح حقيقة؟
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
رمشت كيان بعينيها عدة مرات بعدم تصديق، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما سمعته، ثم تساءلت بشك:
- تمزحين يا ريم؟ هيا قولي لي إنكِ تمزحين.
ابتسمت ريم لردة فعل كيان، ثم أجابتها مؤكدة:
- أقسم أنني أتحدث بصدق.
ابتلعت كيان ريقها بتوجس، ثم خاطبتها وكأنها تريد التأكد مرةً أخرى:
- إذًا أعيدي ما أخبرتِني به.
تنهدت ريم بهدوء، ثم أجابتها:
- أقول إن إبراهيم انفصل عن سما، وألقى عليها يمين الطلاق قبل يومين. أقسم بالله أنني أشعر بالضيق بسبب ذلك.
تحدثت كيان بذهولٍ، وما زالت الصدمة تسيطر عليها:
- إن مشاعري مختلطة، لا أعلم هل أفرح أم أبكي.
زفرت ريم بضيقٍ، ثم أجابتها:
- أنا أشعر بالضيق، لكن إن شاء الله سيعيدها.
زفرت كيان بضيق من رد فعلها، ثم قالت معاتبة:
- اصمتي يا ريم، أسأل الله العظيم ألا يعيدها. ثم لماذا يعيدها؟ صحيح أنني أشعر بالشفقة لأجلها، لكنني لا أريدها أن تعود. قال يعيدها قال! أتمنى ألا يحدث ذلك أبدًا.
ثم تابعت بحماس:
- اسمعيني يا ريم، هنا دوركِ. عليكِ أن تحتويه وتسترديه مرةً أخرى، ربما يكون هذا خيرًا لكِ، حياة جديدة وإلهامًا وبشارةً من الله لكِ مـ...
قاطعتها ريم بروحٍ خالية من الحماس:
- انظري يا كيان، سواء أعادها أم لا، فأول خطأٍ له معي سيعيدني إلى ما كنت عليه سابقًا، ولن أبقى صامتة. لكل شخصٍ طريقته.
ثم تابعت بجدية:
- أما إن كان الأمر يتعلق بالأطفال، ففي السابق كان يعتمد على وجود سما وأنها ستقوم بتربيتهم، أما الآن فهي غير موجودة، وأنا سوف آخذ أطفالي وأعود إلى بيت أبي.
ابتسمت كيان لرد فعلها، ثم أجابتها بسعادة:
- أحسنتِ يا ريمي، هذا هو الرد الذي كنت أنتظره منكِ. انظري، عليكِ أن تتحدثي معه بهدوء خلال هذه الأيام، ولا تقتربي منه كثيرًا حتى لا يغضب. لا تستحضري اسمها أو أي شيءٍ يخصها، ولا تذكريها أمامه مهما حدث، ولا تقولي له أعِدها، إياكِ ثم إياكِ أن تفعلي ذلك.
ثم تابعت بنبرة ناصحة:
- اجعليه يأخذ قراره بنفسه يا فتاة.
تنهدت ريم بقلة حيلة:
- على رأيكِ، على راحته. حسنًا، سوف أفعل ما تقولينه.
قبضت كيان على يدها بتوجس، ثم سألتها:
- هل من الممكن أن يعيدها، وأنه الآن فقط يكابر؟
أحنت ريم زوايا فمها، ثم أجابت:
- لا أعلم. عائلتها يريدون إعادتها، لكن السؤال هنا: هل هي تريد العودة إليه أم لا؟
زفرت كيان بضيقٍ حقيقي:
- أعلم أنها تعشقه حد الجنون، لكنها كانت تتربص بفرصةٍ للخلاص منه، كما أخبرتِني، أليس كذلك؟ إذًا لن تعود.
أجابتها ريم موضحة:
- أتعلمين أنها كانت تخطط لطلاقها كما حدث تمامًا؟ لقد طلبت مني أن أساعدها في الحصول على الطلاق، وقالت لي إنها عندما تحصل عليه سيكون إبراهيم لها بالكامل، أو ربما سيسهل عليها ذلك الحصول على طلاقي أيضًا.
ثم تنهدت:
- صحيح أنها تحبه، لكنه كان يقيدها ويقيد حريتها، كانت حياتها أشبه بسجن، هل تفهمين؟
أجابتها كيان بممازحة:
- يا أختاه، كان الله معها، وسهّل طريقها، ورزقها بشخصٍ أفضل منه يجعلها تعيش كالطير الحر الطليق.
انفجرت ريم ضاحكة من أسلوب كيان وطريقتها في الحديث، لتكمل الأخرى:
- أتعلمين أنكِ أسعدتِني بهذا الخبر يا ريم؟
ضحكت ريم مرةً أخرى:
- أقسم بالله أنني قلت إنكِ الوحيدة التي ستفرح.
أجابتها كيان بثقة:
- وهذا بالطبع، فأنتِ لا ترين ضحكتي الآن، أشعر بنفسي كالمجنونة من كثرة السعادة.
ابتسمت ريم بهدوء، ثم أجابتها:
- أدام الله سعادتكِ يا كيان. سوف أغلق الآن، فإبراهيم سيأتي، أردت فقط أن أخبركِ بآخر الأخبار.
تنهدت كيان براحةٍ كبيرة:
- وسعادتكِ أيضًا يا ريم. حسنًا، أغلقي وانتبهي على نفسكِ.
ثم تابعت بخجلٍ رغم أن الأمر طبيعي بينهما:
- قبّلي لي خطيبي، وأوصلي سلامي لأخيه.
ابتسمت ريم، ثم أجابتها ضاحكةً وهي تتذكر:
- بمناسبة خطيبكِ، لم يصنع واجبه، لقد كان نعسانًا للغاية، لا أعلم لماذا.
ضحكت كيان، ثم أجابتها مازحةً وهي تحمحم بخجل:
- أعتذر يا ريم، كنا نتحدث ليلًا، لذلك هو نعس، والسبب مني.
انفجرت ريم ضاحكةً بقوة:
- أدام الله سعادتكما إذًا، ماذا سأقول؟ لن أتدخل بينكما.
ابتسمت كيان بمحبة:
- اللهم آمين. حسنًا أغلقي، أغلقي، لا نريد أن تستمعي إلى أصوات أغاني ملحنها إبراهيم. في أمان الله.
أغلقت ريم معها، ثم توجهت نحو أطفالها لتلعب معهم، وهي تدعو الله أن تحمل الأيام القادمة لها الخير والطمأنينة.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!