صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 138 من 150
وضع القراءة:

الفصل المئة وثمانية وثلاثون

**
تقدمت نحوه بخطواتٍ حذرة، ثم وضعت يدها على كتفه برفقٍ وحنان، وقالت بصوتٍ ارتجف خوفًا عليه:
- أخبرني يا همام... ما بك؟ أرح قلبي، على الأقل أخبرني لماذا تغيرت معي هكذا؟ ماذا فعلت حتى تعاملني بهذه الطريقة؟
أغمض عينيه بقوةٍ حتى برزت عروق عنقه.
لا... إن اقتربت منه أكثر، فسوف ينهار، كان يعلم أنه إن نظر في عينيها ثانيةً، فلن يستطيع تنفيذ ما عقد العزم عليه.
كان يريدها أن تكرهه...أن تبتعد عنه بإرادتها...أن تعيش من بعده وهي تتذكره كرجلٍ قاسٍ، لا كرجلٍ رحل وترك قلبها يتآكل شوقًا إليه.
قبض على كفه بقوة، ثم نفض يدها عن كتفه بعنفٍ لم يكن يقصده، واستدار إليها بعينين حمراوين، وهتف بغلظةٍ مزقت قلبه قبل قلبها:
- قلت لكِ... ابتعدي عني! كم أنتِ مزعجة يا سارة!
انكمشت على نفسها لا إراديًا، وارتعش جسدها كله، بدأت الدموع تتجمع في عينيها، لكنها تماسكت بصعوبة، وسألته بصوتٍ مختنق:
- فقط... أخبرني أنك بخير... أرجـ...
قاطعها صارخًا، وهو يجز على أسنانه بقوةٍ حتى كاد يحطمها، محاولًا كتم صوته حتى لا يصل إلى الخارج:
- قلت لكِ مئة ألف مرة إنني بخير! لماذا لا تفهمين؟! اخرجي... واتركيني وحدي!
استدار عنها سريعًا، وولاها ظهره، لم يكن قادرًا على رؤية دموعها...فكل دمعةٍ كانت تسقط من عينيها، كانت تغرس خنجرًا جديدًا في قلبه.
أما هي...فوقفت تنظر إلى ظهره بصمت، رفعت يدها بتردد، وكادت تضمه من الخلف، لعلها تطفئ النار التي تشعر بها داخله.
لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، أنزلت يدها ببطء، وهي تشعر أن قلبها ينزف، لماذا يعاملها بهذه القسوة؟
لماذا أصبح يهرب منها وكأنها أصبحت عبئًا عليه؟
تذكرت وصايا سليم لها...أن تستمع إلى كلام همام، وألا تجادله في أي أمر، وأن تكون له الزوجة الهادئة التي تحتويه.
ابتلعت بكاءها، ثم قالت بصوتٍ مكسور حاولت أن تجعله ثابتًا:
- حسنًا يا همام... ارتح قليلًا الآن سأخرج.
انتظرت لحظة علّه يناديها، علّه يمنعها من الرحيل.
علّه يعتذر، لكن...لم تسمع سوى صمته، خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء، وما إن اختفى صوت خطواتها... حتى انهارت كل الأقنعة التي كان يرتديها.
تهاوى همام أرضًا، وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، دفن وجهه بين كفيه، وانفجر بالبكاء بحرقةٍ موجعة، كطفلٍ صغير فقد أمه لتوه.
كانت أنفاسه متقطعة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما كان يتمتم بصوتٍ مبحوح:
- سامحيني يا سارة... سامحيني... والله ما أردت أن أؤذيكِ... لكنني لا أستطيع أن أتركك تتعلقين برجلٍ يوشك أن يرحل...
ضغط على رأسه بكلتا يديه، بعدما عاد ذلك الصداع اللعين يعصف به بعنف، حتى شعر وكأن جمجمته ستنفجر.
أغمض عينيه بقوة، محاولًا تحمل الألم الجسدي، بينما كان ألم قلبه أشد قسوةً منه بأضعاف.
وبعد دقائق... شعر بشخصٍ يجلس إلى جواره، رفع رأسه ببطء ظنًت منه أنها هي، لكنه تفاجئ ليجد أمل تنظر إليه بعينيها الصغيرتين، وعلى شفتيها ابتسامةٌ حزينة، وكأنها فهمت كل شيء دون أن ينطق بحرف.
مسح دموعه سريعًا، وحاول أن يبتسم، إلا أن ابتسامته خرجت باهتة ومنكسرة، ابتسمت له أمل، ثم قالت بصوتها الطفولي البريء:
- تعال... لأعانقك يا عمي.
ابتسم همام من بين دموعه، ابتسامةً موجوعة لم تصل إلى عينيه، ثم قال بصوتٍ أنهكه البكاء:
- بل... عانقيني أنتِ يا أمل.
اعتدلت على ركبتيها، وأبعدت لعبتها الصغيرة إلى جانبها، ثم اندفعت نحوه، وأحاطت عنقه بذراعيها الصغيرتين بكل ما تملكه من قوة، احتضنها همام بقوةٍ أكبر، وكأنه يتمسك بآخر خيطٍ يبقيه صامدًا.
أغمض عينيه، ودفن وجهه في كتفها الصغير، بينما كانت أنفاسه المرتجفة تفضح مقدار انكساره، ربتت أمل على ظهره بحنانٍ طفولي، ثم همست وهي تبتسم:
- عناقي يشفي جميع الهموم.
ارتجف جسده بين ذراعيها، وشعر بغصةٍ تكاد تخنقه، كم تمنى لو كان الأمر بهذه البساطة، كم تمنى لو أن عناقًا صغيرًا قادرٌ على محو خبرٍ حكم عليه بالموت البطيء، سألها بصوتٍ خافت:
- ومن أخبركِ بذلك يا أميرتي؟
ابتسمت بعفويةٍ وهي تواصل الربت على ظهره:
- هكذا قالت لي أمي.
أغمض عينيه مجددًا، وهمس بألمٍ مزق قلبه:
- وأنا... أحتاج إلى عناق أمكِ أيضًا.
ابتعدت عنه بعد دقائق، وأخذت تنظر إلى عينيه بتركيزٍ شديد، وكأنها امرأةٌ ناضجة لا طفلة صغيرة.
ثم قالت بجديةٍ أضحكته رغم ألمه:
- والآن... أخبرني، ماذا تريد أن تفعل بعدما شفيتُ لك جميع همومك؟
ضحك همام ضحكةً خافتة اختلطت بدموعه، ثم فتح ذراعيه لها من جديد، وقال بضعف:
- تعالي.
ضحكت أمل، وارتمت بين ذراعيه مرةً أخرى دون تردد، ضمها إليه حتى كاد يخفيها بين أحضانه، ثم همس بالقرب من أذنها:
- فقط... دعينا نبقى هكذا يا أميرتي... فعناقكِ وحده يجعلني أنسى الدنيا كلها.
وما إن أنهى كلماته، حتى خانته دموعه من جديد، انسابت بصمتٍ على وجنتيه، وهو يحدق في الفراغ، كيف سيتركها ويرحل؟ من سيحملها عندما تبكي؟
من سيضحك معها؟ ومن سيخبرها أنها أميرة عمه المدللة؟ وكيف سيترك سارة...وهي التي أحبها بكل ما يملك من قلب، ثم اضطر أن يحطم قلبها بيديه، فقط حتى لا تعيش أسيرة رجلٍ يعلم أنه لن يبقى معها طويلًا؟
رفع بصره إلى السماء، وهمس داخل قلبه بحرقة: يا رب... إن كان لا بد من رحيلي، فاحفظهم من بعدي، يا رب... لا تجعل الحزن يعرف طريقه إلى قلوبهم بسببي، وإن كتبت لي الموت... فاكتبه وأنا مطمئن عليهم، لا وهم يبكونني كل يوم.
شدد احتضانه لأمل أكثر، حتى شعرت بثقل ذراعيه حولها، رفعت رأسها إليه، لتجده يبكي بصمت، امتلأت عيناها الصغيرتان بالدموع هي الأخرى، وقالت بصوتٍ مرتعش:
- حسنًا... دعنا نبقى هكذا يا عمي.
ما إن سمع ارتجافة صوتها حتى ابتعد عنها بسرعة، نظر إليها، فإذا بدموعها الصغيرة قد سبقت كلماتها، أسرعت تمسحها بيديها الصغيرتين، تمامًا كما أوصتها سارة ألا تجعله يحزن أكثر.
ابتسمت له رغم دموعها، ثم وضعت كفيها الصغيرتين على وجنتيه، وأخذت تمسح دموعه بحنانٍ يفوق عمرها بسنوات، وقالت برجاء:
- لا تبكِ يا عمي... أرجوك، هيّا... ابتسم من أجلي.
أمسك كفيها الصغيرتين بكلتا يديه، ثم قبلهما بحنانٍ أبوي، وقد اختنق صوته من شدة الألم:
- حسنًا... لن أبكي، لكن...عانقيني مرةً أخرى يا صغيرتي.
ابتسمت ابتسامةً صغيرة، ثم ارتمت بين ذراعيه من جديد.
أجلسها فوق قدميه، وأحاطها بذراعيه بقوة، وكأنه يخشى أن يفلت آخر ما يمنحه الدفء.
أغمض عينيه، بينما عاد ذلك الصداع اللعين يفتك برأسه بعنف، إلا أنه لم يبالِ بالألم...
فكل ما كان يريده في تلك اللحظة، أن تتوقف الحياة قليلًا...
وأن يبقى محتضنًا لتلك الطفلة، وكأنه يحاول أن يختزن دفء أحبابه في قلبه، قبل أن يأخذهم القدر منه... أو يأخذه هو منهم.
««::::::::::::-::::::::::::»»
استأذنت ريم من كيان وسنابل، وهي تنهض على عجل قائلة:
- يا فتيات، إنه إبراهيم. سأرى ماذا يريد وأعود إليكن. ادعون لي... فهذه مكالمة تُعد جهادًا بالنسبة لي.
انفجرتا بالضحك، لتقول كيان ممازحة:
- إنه لجهاد... نصرٌ أو استشهاد. اذهبي، والله معكِ.
ابتسمت ريم رغم توترها، ثم سارعت بالإجابة قبل أن يبدأ أسطوانته المعتادة:
- السلام عليكم.
جاءها صوته ببرودٍ فظ لا يخلو من الجفاء:
- وعليكم مثل ما علينا.
#
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.