الفصل الحادي والخمسون
**جلست ريليان بجانب ابتهال التي كانت تلقي الزجاج في سلة المهملات، وألقت نظرة على الصالة التي حاولوا إعادتها إلى حالتها السابقة، ثم خاطبتها بتوتر:
- خالتي، هل يمكن أن أطلب منكِ طلبًا؟
أومأت لها ابتهال بتأكيد، لتكمل ريليان:
- هل يمكنني أن أنام لديكِ هذه الليلة؟
ترقرقت الدموع في عيني ابتهال، لتقوم بضمها إلى صدرها بحنان، ثم أجابتها بحب:
- بالتأكيد يمكنكِ يا حبيبتي، فأنتِ ابنتي الثانية.
شددت ريليان من عناقها لها، لتستمع إلى صوت سليم يخاطب والدته بأنه ذاهب للنوم.
توجهت بعد ذلك مع ابتهال نحو غرفتها، لتنام وهي مطمئنة، لكن بقي جزء بداخلها يؤلمها من تصرف عائلتها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في اليوم التالي، كانت ريم تحادث صديقتها كيان، لتجلس سما بجانبها، وتغمز لها بابتسامة قائلة:
- ماذا؟ هل تحادثين كيان أم والدتكِ؟ أظنكِ تحادثين كيان، فضحككِ هذا لا أسمعه إلا عندما تحادثينها.
أومأت لها ريم بتأكيد، لتتذكر اليوم الذي تعرفت فيه عليها.
ففي أحد الأيام، وأثناء بحثها عن رواية ما على محرك البحث جوجل، فقد كانت تقرأ الروايات في وقت فراغها حاليًا، لكن في السابق كانت تقرأها حتى لا تنشغل بالتفكير في إبراهيم وسما عندما يكونان معًا.
وجدت أن هذه الرواية موجودة بالفعل، لكنها كانت على أحد المواقع الخاصة بالروايات، والذي كان يتطلب تثبيته. قامت ريم بتثبيته على جهازها، وبدأت في التعرف على خصائص هذا التطبيق واستكشافه.
لقد أخبرت إبراهيم عنه حتى يكون لديه خلفية عما تقوم به في هاتفها، وحتى لا يقوم بفتح تحقيق معها. وبالفعل قام الآخر بتفحصه واستكشافه، ثم سمح لها بإبقائه.
وفي أحد الأيام، بينما كانت ريم تنتقل بين الصفحات، وجدت دعاءً مكتوبًا على إحداها. فقامت بالتعليق على هذا الدعاء، وكانت تلك المرة الأولى التي تتفاعل فيها في التطبيق، خاصة أنه بدا لها وكأن هذا الدعاء كُتب من أجلها هي تحديدًا.
وفي اليوم التالي، قامت ريم بزيارة الحساب ذاته مرة أخرى عن قصد، لترى ماذا كتبت صاحبته، فوجدت دعاءً آخر يبعث بالأمل والثقة بالله.
كتبت لها ريم:
- أتعلمين أنني كنت قد فقدت الأمل بكل شيء؟ لأتصفح صفحتك وأقرأ هذا الدعاء، فيعود إليّ الأمل من جديد. أشعر وكأن هذا الدعاء كُتب لي خصيصًا، هو والذي سبقه. صباحكِ محبة.
ردت عليها صاحبة الحساب:
- يسعدني ذلك حقًا عزيزتي، وأسأل الله العلي العظيم أن يحقق لكِ ما تتمنينه، وأن يخفف عنكِ، ويفرج كربكِ، ويبعد عنكِ كل سوء ومكروه.
شكرتها ريم بامتنان كبير، ولا تعلم لماذا شعرت بالسعادة والارتياح لهذه الفتاة.
وفي اليوم التالي، تفاجأت ريم بوجود دعاء مكتوب على صفحتها وحسابها الخاص، لتجده من تلك الفتاة التي تحدثت معها بالأمس.
استمرت تلك الفتاة بإرسال هذه الأدعية على صفحة ريم، حتى جاء يوم تحدثت معها فيه صاحبة الحساب على الخاص، لتعطيها الأمل في الحياة، وتمنحها جرعات من القوة حتى لا تستسلم لليأس.
لم تجد ريم نفسها إلا وهي تخبرها عن معاناتها، وتروي لها حكايتها التي تعيشها. وبذلك أصبحت ريم تتحدث معها كل يوم، حتى أصبحتا صديقتين مقربتين، لا يمر يوم إلا وتتحدثان فيه، واستمر ذلك حتى يومهما هذا.
وبالتأكيد، فيما بعد أخبرت ريم سما عن هذا التطبيق، لتقوم الأخرى بتثبيته وتشغل نفسها بالروايات كما كانت تفعل ريم.
أكملت ريم حديثها معها قليلًا، ثم أنهته عندما أخبرتها كيان بأنها ذاهبة للصلاة، لتخبرها ريم بدورها أنها ستقوم بإحضار عمر وعلي من دوامهما المدرسي.
نظرت إليها سما بتردد وقالت:
- ريم، أريد أن أذهب معكِ.
هزت ريم رأسها نافية وأجابتها:
- لا يا سما، إن علم إبراهيم أنكِ ذهبتِ معي ستقوم القيامة حينها، ولن أكون بخير أنا ولا أنتِ. لذلك من الأفضل أن تبقي في البيت.
زفرت سما بضيق، ثم خاطبتها وهي تعقد يديها أمام صدرها:
- لقد مللت من هذا الوضع يا ريم. أريد أن أخرج لأستنشق الهواء في الخارج، فأنا محبوسة هنا بين أربعة جدران.
ضحكت ريم بخفة وأجابتها:
- أيتها الكاذبة، لديكِ الكثير من الجدران في المنزل.
ضحكت سما بقلة حيلة، ثم قالت بضيق:
- حسنًا يا ريم، اذهبي وأحضري الشقيين. فهناك من سيأتي لإشغال وقتي، وأحضري معكِ بعض المسليات لنأكل.
نظرت إليها ريم وهي تلوي فمها وقالت:
- اليد قصيرة والعين بصيرة يا سما. مع الأسف لا يوجد معي مال، وأنتِ تعلمين أن إبراهيم يعطيني حسب المشتريات الضرورية، ويقوم بمحاسبتي إن اشتريت شيئًا دون علمه.
زفرت سما بقوة، وقد ظهر الغضب على ملامحها، ثم قالت بحزن:
- أريد بعض التسالي يا ريم، يبدو أنني أتوحم.
انفجرت ريم ضاحكة، ثم قالت بعدما هدأت:
- لن تنطلي عليّ خدعتكِ يا سما. فأنتِ تستخدمين وسيلة لمنع الحمل، لكن سأحاول إحضار بعض المسليات لكِ إن استطعت، لا تقلقي.
وقفت سما لتعانقها، وقبّلت وجنتها وهي تتحدث بمزاح:
- أجمل أخت في العالم. لكن لا تتأخري، أخاف أن تظهر بقعة بنية في وجه طفل أختكِ، هل يرضيكِ ذلك؟
ضحكت ريم وأجابتها:
- لا يرضيني ذلك، فأنا أريده جميلًا كخالته.
ضحكت سما بحب، لتتوجه ريم نحو الباب وتخرج منه حتى تحضر طفليها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
قبل أذان الفجر بساعتين تقريبًا، كان سليم يجلس شاردًا، يحملق في الفراغ وكأن عقله عالق بين أحداث الأيام الماضية.
منذ أربعة أيام وهو يحاول جاهدًا إيجاد طريقةٍ تنقذها من هذا المأزق. لم يكن يملك رفاهية الانتظار أو التردد، لذلك اتخذ قراره بالانتقال إلى منزله الخاص الذي كان قد بناه، وذلك في صباح اليوم التالي، خشية أن يأتي جرير أو حتى أمبر إلى المنزل القديم ويلحقوا الأذى بها.
لم يكن قلقه على نفسه، ولم يفكر فيما قد يحدث له، بل كان كل ما يشغله هو احتمال أن يداهموا المنزل في غيابه ويؤذوا ريليان ووالدته وسارة. ترك كل شيء خلفه كما هو، ولم يأخذ معه شيئًا، وكأنه لم يكن يهمه من المكان سوى سلامة من فيه.
أغمض عينيه عندما عادت إلى ذاكرته كلمات أمبر، حين أخبرته بأنها تحبه، وأنها غيّرت طائفتها من أجله أيضًا.
لم يعرف حينها كيف يتلقى اعترافها. اجتاحته مشاعر متناقضة؛ غضبٌ لم يكن منها بقدر ما كان من الموقف نفسه، وذنبٌ ثقيل لأنه شعر بأنها اتخذت تلك الخطوة بسببه، لا عن قناعةٍ كاملةٍ نابعةٍ من داخلها.
وفي الوقت ذاته، تسلل إليه شعورٌ آخر لم يستطع تفسيره، شعورٌ جديد لم يختبره من قبل، كان يحمل في داخله شيئًا من السعادة والارتباك معًا، وكأن قلبه يحاول فهم أمرٍ لم يجد له اسمًا بعد.
اعتدل في جلسته ببطء، ثم نهض يسير في رواق غرفته التي امتزجت ألوانها بين الأزرق الملكي الغامق والذهبي المطعّم بالبني، حتى توقف أمام المرآة.
نظر إلى انعكاس صورته للحظات، قبل أن تعود ذاكرته إلى ما سمعه بالأمس حين كان عائدًا من صلاة المغرب.
كان متوجهًا نحو غرفة والدته التي أعدها لها مسبقًا، وكانت ألوانها مزيجًا من البني المائل إلى الأبيض والبني الغامق، إلا أن يده توقفت معلقة في الهواء قبل أن تطرق الباب، بعدما التقطت أذناه صوت ريليان من الداخل.
كان على وشك أن يعود أدراجه، لكنه تجمد في مكانه عندما باغته سؤال سارة لها قبل أن يخطو أي خطوةٍ أخرى.
في الداخل، كانت ريليان تجلس على السرير، بينما كانت ابتهال تقوم بتجديل شعرها الذي يصل إلى آخر ظهرها..
كانوا يتحدثون عن طريقة تحويلها من مدرستها النصرانية إلى المدرسة التي تدرس بها سارة.
لتسألها سارة بتردد، وهي تجلس أمامها:
- ريليان، أريد أن أسألك سؤالًا، لكن أجيبيني بصدق، حسنًا؟
أومأت لها ريليان برأسها مبتسمة، لتكمل سارة:
- هل تحبين أخي سليم؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!