الفصل السابع والعشرون
**
تنهد سليم بخفةٍ وهو يعلم عم اليقين ان كيفين بدأ يصل الى هدفه وطريقه، ليكمل بعزمٍ حقيقي:
- قد ألقيت محاضرة إذا حضرتها أو حتى سمعتها، بعنوان: «القرآن الكريم والعلم الحديث: متوافقان أم لا؟ ليس لدينا متسع من الوقت لإلقاء محاضرة كاملة عن هذا، ولكنني أود أن أذكّرك بأن العالم الفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل "ألبرت آينشتاين" قد قال: «العلم دون دين أعرج، والدين دون علم أعمى».
رفع اصبعه السبابة يحركه بتنبيه:
- دعني أذكّرك بأن القرآن الكريم ليس كتاب علوم، وإنما كتاب هداية وآيات، وفيه أكثر من ستة آلاف آية، من بينها ما يزيد على ألف آية تتحدث عن الكون والإنسان والطبيعة.
إذا قارنت بعض الحقائق العلمية المعروفة اليوم بما ورد في القرآن الكريم، فستجد أن كثيرًا منها ذُكر منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام.
قال تعالى في سورة الأنبياء:
{ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } (الأنبياء: 30).
ويرى بعض الباحثين أن هذه الآية تتوافق في معناها العام مع ما يُعرف اليوم بنظرية الانفجار العظيم، دون الجزم بأنها تتحدث عنها حرفيًا.
توقف قليلًا ليأخذ نفسًا ثم أكمل:
- علمنا كروية الأرض بعد تطور علوم الفلك والملاحة، ويقول الله تعالى في سورة النازعات:
{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا } (النازعات: 30).
وكلمة «دحاها» فسّرها العلماء بمعانٍ متعددة، منها بسط الأرض وتهيئتها للحياة، وذهب بعضهم إلى أنها قد تشير إلى شكلها.
وكذلك كنا نظن قديمًا أن القمر يصدر الضوء من ذاته، ثم أثبت العلم أنه يعكس ضوء الشمس، ويقول الله تعالى:
{ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا } (الفرقان: 61).
تنهد بحرارة وأكمل:
- كما يقول الله تعالى:
{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } (الأنبياء: 33).
ثم أكمل بهدوء:
- ويتحدث القرآن أيضًا عن النبات، والأجنة، والمياه، وغيرها من القضايا التي يتأمل فيها الباحثون إلى اليوم، ولذلك يرى كثيرون وجود توافق بين عدد من الآيات الكونية والحقائق العلمية، مع بقاء بعض المسائل في دائرة التفسير والاجتهاد.
ثم تابع:
- بدأت هذه المحاضرة بقوله تعالى:
{ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } (الإسراء: 81).
ثم نظر إلى كيفين وقال:
- أما بخصوص استشهادي بالإنجيل، فقد قلت ما جاء في إنجيل متى (5:20):
«فإني أقول لكم: إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السماوات».
وكذلك ما جاء في إنجيل يوحنا (16:12-13):
«إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن... وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق».
ثم تابع بهدوء:
- لذلك، إذا أردت أن تكون متبعًا صادقًا للمسيح عليه السلام، فعليك أن تؤمن بجميع أنبياء الله.
أومأ كيفين مؤكدًا ثم قال:
- سؤالي قادم من خلفية نصرانية لعائلة عبرانية، كيف يمكنني أن أتواصل مع عائلتي إذا اعتنقت الإسلام؟
هز سليم رأسه بتفهم وقال:
- الإسلام يأمرنا بالإيمان بجميع الأنبياء، ولا يطلب منا الانتقاص من أي رسول، بل نؤمن بهم جميعًا.
ثم أكمل:
- يمكنك أن تخبر عائلتك أنك ما زلت تؤمن بالمسيح عيسى عليه السلام رسولًا كريمًا، وأنك ترى الإسلام امتدادًا لرسالات الله السابقة.
ثم قال بابتسامة:
- آمل أن أكون قد أجبتك.
أومأ كيفين باسمًا:
- أجل، شكرًا لك.
ابتسم سليم وسأله:
- إذًا، ما هو سؤالك الخامس؟
ضحك كيفين وقال:
- لقد انتهت جميع أسئلتي.
نظر إليه سليم متعجبًا:
- هل حصلت على إجابة لكل أسئلتك؟
أومأ كيفين مؤكدًا:
- نعم، لقد أُجيب عنها جميعًا، شكرًا لك دكتور سليم.
سألَه سليم بهدوءٍ، وقد ثبّت نظره عليه:
- إذًا... هل أنت مقتنعٌ بالدين الإسلامي الآن؟
أومأ كيفن برأسه دون أدنى تردد، وقد بدت الصراحة في ملامحه، فقد أجاب سليم عن جميع الشبهات والأسئلة التي كانت تثقل صدره، ولم يترك بابًا للشك إلا وأغلقه بالدليل والبرهان:
- أجل... أنا مقتنعٌ بالإسلام اقتناعًا تامًا، وأشهد أمام الجميع أنني مستعدٌ لاعتناقه بإرادتي الكاملة.
وما إن أنهى كلماته حتى دوّى التصفيق في أرجاء القاعة، وتعالت أصوات التكبير والتهليل، بينما ارتسمت على وجوه الحاضرين ابتسامات الفرح، وانهمرت دموع بعضهم تأثرًا بهذه اللحظة المباركة.
ابتسم سليم ابتسامةً امتلأت حمدًا لله، ثم قال بهدوء:
- هل تؤمن بوجود إلهٍ واحد؟
نظر إليه كيفن معتذرًا:
- عذرًا... لم أسمع السؤال.
هدأت القاعة شيئًا فشيئًا، فأعاد سليم السؤال بنبرةٍ واضحة:
- هل تؤمن بوجود إلهٍ واحد؟
أجابه كيفن بثباتٍ ويقين:
- نعم، أؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد الأحد، لا شريك له، وهو خالقي وخالق كل شيء.
أكمل سليم:
- وهل تؤمن بأن المسيح عيسى عليه السلام رسولٌ من عند الله، وليس إلهًا ولا ابنَ إله؟
أجاب كيفن دون تردد:
- نعم، أؤمن بأن المسيح عيسى عليه السلام رسولٌ كريمٌ من عند الله.
ابتسم سليم، ثم سأله:
- وهل تؤمن بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين؟
قال كيفن بثقة:
- نعم، أؤمن بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.
نظر إليه سليم بجدية، وقال:
- هل يوجد أحدٌ أجبرك على اعتناق الإسلام؟
هزّ كيفن رأسه نافيًا بقوة:
- لا، لم يُجبرني أحد، وهذا القرار نابعٌ من قلبي، واخترته بكامل إرادتي.
أعاد سليم السؤال تأكيدًا:
- إذًا... هذا قرارك أنت؟
ابتسم كيفن وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وقال بصوتٍ متأثر:
- نعم... من أعماق قلبي، ولم أشعر في حياتي بهذا اليقين كما أشعر به الآن.
أومأ سليم برأسه، ثم قال موضحًا للحاضرين:
- إن الإسلام لا يُكره أحدًا على الدخول فيه، فقد قال الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].
ثم نظر إلى كيفن بابتسامةٍ يملؤها الفرح، وقال:
- سأردد الشهادتين، ورددهما خلفي... هل أنت مستعد؟
ابتسم كيفن، وقد ارتجف صوته من شدة التأثر:
- بكل تأكيد.
قال سليم:
- أشهد أن لا إله إلا الله.
رددها كيفن بصوتٍ خاشع:
- أشهد أن لا إله إلا الله.
قال سليم:
- وأشهد أن محمدًا رسول الله.
رددها كيفن والدموع تترقرق في عينيه:
- وأشهد أن محمدًا رسول الله.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، وقال الشهادتين كاملتين بصوتٍ ملأ القاعة هيبةً وتأثرًا:
- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وفي اللحظة التي نطق فيها بالشهادتين، دوّت القاعة بالتكبير، وارتفعت أصوات الحاضرين بـ: "الله أكبر... الله أكبر." واختلطت الدموع بالابتسامات، بينما وقف بعضهم يصفقون فرحًا بهذه اللحظة التي أحيت قلبًا جديدًا بنور الإسلام.
أما ريليان، فقد نظرت اليه مشدوهةً، تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها كله، وامتلأت عيناها بالدموع دون أن تشعر، وكأنها كانت تشهد ولادة روحٍ جديدة أمام ناظريها.
تقدّم سليم نحو كيفن، وصافحه بحرارة، ثم احتضنه احتضانًا أخويًا صادقًا، وقال بصوتٍ غلبت عليه السعادة:
- أهلًا وسهلًا بك أخًا لنا في الإسلام، أسأل الله أن يشرح صدرك للحق، وأن يثبتك عليه حتى تلقاه، وأن يجعلك سببًا في هداية غيرك كما هداك اليوم.
ابتسم كيفن ابتسامةً واسعة، وقد بدت السكينة واضحةً على ملامحه، ثم قال بصوتٍ امتزجت فيه الفرحة بالامتنان:
- أشعر وكأن حملًا ثقيلًا كان فوق صدري ثم زال، لا أستطيع وصف ما أشعر به الآن، لكنني سعيد... سعيدٌ جدًا.
ربت سليم على كتفه بحنانٍ أخوي، ثم قال:
- الحمد لله الذي هداك، واعلم أن الطريق يبدأ من هنا، وستجد من يعينك بإذن الله، وانا متواجدٌ في مساعدتك متى شئت.
تقدّم عددٌ من الحاضرين لمصافحة كيفن وتهنئته، بينما بقيت الابتسامة لا تفارق وجهه، وكان يردد بين الحين والآخر الشهادتين وكأنه يخشى أن يستيقظ من حلمٍ جميل.
أما ريليان، فكانت تجلس في مكانها بصمت، وقد انعقدت الكلمات داخل صدرها، تراقب المشهد بعينين اغرورقتا بالدموع، وتشعر أن تلك اللحظات لن تغادر ذاكرتها ما حييت.
وبعد أن هدأت القاعة قليلًا، التفت سليم على إثر صوتٍ جاء من آخر الصفوف، ليقول بهدوء:
- ماذا هناك؟
اقترب أحد المنظمين مجيبًا باحترام:
- هناك شخصٌ لديه سؤال، أعلم أن الوقت انتهى، لكنه يصر على طرحه.
أومأ سليم برأسه قائلًا:
- دعه يتفضل.
تقدّم الشاب بخطواتٍ مترددة، ثم قال:
- اسمي أنطونيو، ولدي سؤالٌ مختصر... كيف يفهم الإسلام الحب؟
ابتسم سليم ابتسامةً هادئة، ثم أجابه:
- الحب في الإسلام ليس مجرد شعور، بل هو مودةٌ ورحمةٌ وسكينة، وهو كذلك علاقة العبد بربه القائمة على المحبة والطاعة والرجاء. قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
أومأ أنطونيو شاكرًا، وقد بدت علامات الرضا على وجهه.
نظر سليم إلى ساعته، ثم قال مبتسمًا:
- جيد... لم نتأخر كثيرًا.
تقدّم كيفن نحوه مرةً أخرى، وقال بابتسامةٍ صادقة:
- لدي طلب.
نظر إليه سليم مستفسرًا:
- تفضل.
قال كيفن:
- أريد منك أن تختار لي اسمًا إسلاميًا.
ابتسم سليم، ثم قال:
- ما رأيك باسم "بلال"؟
اتسعت ابتسامة كيفن أكثر، لكنه سأله باهتمام:
- وهل لهذا الاسم مكانة؟
أجابه سليم باعتزاز:
- إنه اسم الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه، مؤذن رسول الله ﷺ، وأحد أوائل من دخلوا الإسلام وثبتوا عليه رغم ما تعرض له من تعذيب، وأسأل الله أن يثبتك كما ثبته.
تنهد كيفن بسعادة، ثم قال:
- إذًا... يشرفني أن أحمل هذا الاسم.
ابتسم سليم قائلًا:
- مباركٌ لك يا بلال.
وبعد مضي بعض الوقت، خرجت سارة يتبعها ريليان، وما إن وقعت عينا الأخيرة على السيارة المتوقفة حتى قالت بهدوء:
- لقد وصل.
اتجه الجميع نحو السيارة، وبينما كانت ريليان تسير بخطواتٍ مترددة، كانت نظراتها تتجه إلى سليم بين الحين والآخر، وكأن شيئًا في داخلها يدفعها للكلام، بينما يمنعها التردد في كل مرة.
اقتربت منه، ثم توقفت قبل أن تصل إلى باب السيارة، وأخذت نفسًا عميقًا وهي تجمع شجاعتها، ثم التفتت إليه قائلةً:
- سليم... أريد أن...
««::::::::::::::-:::::::::::::»
(البهاغافاد غيتا) – (شفيتاشفاترا أوبانيشاد) – (تشاندوغيا أوبانيشاد):
وهي من أكثر النصوص الهندوسية المقدسة شهرةً في الديانة الهندوسية، وتُعد من أبرز الكتب المقدسة فيها، وهي حوارٌ جرى بين السيد أو الرب المبارك كريشنا وأرجونا.**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!