الفصل الخامس والخمسون
**بعد صلاة الظهر تقريبًا، دلف سليم إلى المنزل بعد أن أدى صلاته في المسجد، وقرأ ورده، وانتظر خروج المصلين ليخرج بعدهم. توجه نحو غرفة والدته، طارقًا الباب بهدوء، فسمحت له إبتهال بالدخول. أدخل نصف جسده متفحصًا الغرفة، خشية وجود ريليان بداخلها كالمعتاد، ثم تقدم منها باسمًا عندما تأكد من خلوها، وجلس أمامها بهدوء، وكأنه طالب يجلس أمام معلمه.
أغلقت إبتهال كتاب الله الذي بين يديها، ثم رفعت أنظارها إليه متفحصةً ملامحه الهادئة التي كان يشوبها شيء من التوتر، لتسأله باستفسار:
- ماذا هناك يا سليم؟ هل أنت بخير يا بني؟
زفر، واضعًا يديه على ركبتيه، ثم تحدث بتوتر:
- أجل... أجل، إنني بخير، لكن أريد أن أخبرك بشيء توصلت إليه بعد تفكيرٍ كبير وعميق يا أمي.
ركزت جميع حواسها وهي تستمع إليه باهتمام، ثم حثته على المتابعة:
- تفضل يا بني، قل ما لديك.
عبث بشعره بتوترٍ واضح، لتبتسم إبتهال قائلة:
- ما لي أراك مترددًا يا سليم؟ إنها المرة الأولى التي أراك فيها هكذا، قل ما لديك دون مقدمات.
ضم يده على هيئة قبضة، وأخذ يفركها بالأخرى، ثم قال وهو ينظر إليها بتردد:
- كما تعلمين، لقد أوشكت السنة الهجرية على الانتهاء، وحتى الآن لم تجدي لي فتاةً صالحة، بل إنك لم تذكري أي فتاة أمامي.
ضحكت بخفة، تداعبه مازحة وهي تتأمل ملامحه:
- وما بها سمر يا بني؟ إنها ابنة خالك، بالإضافة إلى أنها جميلة، ومهذبة، وعلى خُلق أيضًا.
رفع حاجبه الأيسر متعجبًا، وقال:
- هل ترغبين حقًا بزواج الأقارب؟ إن كنتِ راضيةً عن ذلك، فتوكلي على الله يا أمي، ولا تترددي في طلبها.
ابتسمت بوهن، وقد بدا اليأس على ملامحها التي أثقلها الكِبر، ثم قالت:
- لا أريده يا سليم، لكنني بحثت لك عن فتاة كما طلبت، إلا أن أغلبهن لسن مثلها، ولا يطابقن ما تريده.
ثم أكملت ضاحكة:
- هذا غير أنهن لا يردن متشددًا يظل يتحكم بهن، ويخبرهن: قال الله، وقال الرسول.
ضحك باستخفاف من طريقة تفكير كثيرٍ من فتيات هذا العصر، وأشفق عليهن، يظنن أن الملتزم بدينه صعب المعشر، أو عصبي، أو غير متفهم.
تنهد بثقل، ثم خطر بباله:
- لحظة... أنا لست متشددًا ولا متعصبًا، فهل أصبح من يطبق كلام الله متشددًا؟ لم يبقَ إلا أن يقولوا إنني من جماعة داعش، أو إنني إرهابي... إن لم يكونوا يقولونها فعلًا؟!
تنهد بهدوء، ثم مرر يده على لحيته مرتبًا إياها، وقال:
- حسنًا يا أمي، لا عليكِ، يبدو أنني سأكمل لكِ ما فكرت به.
خاطبته بشك:
- ماذا؟! هل وجدت فتاةً مناسبة لك؟
بدأت حبيبات العرق تتزين على جبينه خجلًا، فتقدم قليلًا في جلسته، وأبعد يديه عن ركبتيه، وهو ينظر إلى الأسفل:
- لا... لكنني أقول بما أنكِ لم تجدي فتاةً لي، وبما أنني استمعت إلى حديث ريليان واعترافها الأخرق في ذلك اليوم، و...
قاطعته ضاحكةً بدهشة:
- هل استمعت إليها حقًا يا سليم؟
أومأ برأسه، فأكملت:
- وهل استمعت إلى حديثي أنا وسارة معها؟ أعني إجابتنا وبقية الحديث؟
نفى برأسه، ثم قال:
- لا، فأنا لم أكن أريد أن أستمع من الأساس، لكن كان هناك شيء جعلني أقف وأسمع ما كانت تقوله... غفر الله لي ذلك.
ثم زفر، وقال ببعض التوتر والضيق:
- يا أمي، دعيني أكمل ما أفكر به كي لا أتراجع عن قراري.
نظرت إليه وهي تكتم ضحكتها، فقد بدا بالفعل كطالب ينتظر توبيخ معلمه، ثم أومأت برأسها، ليأخذ شهيقًا عميقًا ويقول:
- بدايةً، لقد فكرت في طريقة لمساعدتها، ولم أجد سوى حل واحد، فجميع الطرق تؤدي إليه، لكنني متردد فيه بعض الشيء.
ربتت على قدمه، وقالت تشجعه:
- لا تتردد يا سليم، أخبرني بما تفكر به، فربما يكون هو الحل الصحيح.
زفر بقوة قبل أن يقول:
- سوف أعقد عليها أو.انتظري، ليس هكذا، سوف أق...
قاطعته باستغراب، وقد سبقها ظنها إلى ما فهمته أولًا:
- انتظر لحظة... تريد أن تعقد على ريليان من أجل مساعدتها والوقوف في وجه عائلتها؟ أي إنه زواج صوري من أجل منعفة، أليس كذلك؟
هزت رأسها مستنكرةً، ثم قالت بحزم، دون أن تمنحه فرصة للاعتراض:
- سليم، لست موافقة على ذلك. صحيح أنني أريد ريليان فردًا من أفراد عائلتي، لكن ليس بهذا الشكل. الفتاة تحبك، وستوهمها بشيء ستحاسب عليه أمام الله. أنا لا أوافق على قرارك.
هز رأسه بيأس، ثم قال بهدوء يخفي ضيقه:
- يا أمي، لقد أخبرتك ألا تقاطعيني، فأنا لم أكمل حديثي بعد.
وضعت كفها على وجنتها، وقالت بضيق:
- إذًا أكمل، ماذا تريد أن تقول إن لم يكن زواجًا صوريًا؟
أرجع رأسه إلى الخلف زافرًا بقوة، ثم أعاده إليها وقال:
- يا أمي، سيكون زواجًا حقيقيًا أمام الله، أي استقرارًا، وإنجابًا، ومودةً ورحمة، وليس زواجًا صوريًا كما تظنين، فأنا لا أعبث بمشاعر الآخرين.
نظرت إليه بشك، فأكمل بالهدوء نفسه، وهو يشبك أصابع يديه:
- في البداية كنت أفكر أن يكون زواجًا صوريًا لمساعدتها في مواجهة عائلتها، لكنني عندما أعدت التفكير في الأمر، وجدت أن هناك عدة أمور كان يجب أن آخذها بعين الاعتبار، والزواج المشروط محرم كما تعلمين.
رفع سبابته، ثم أنزل خنصره في هيئة عدّ، وقال:
- بدايةً، لا يُتصور أن تكون هنا في البيت دون أي صفةٍ تربطها بنا، وأنا موجود فيه، خاصةً بعد إسلامها، فمن الطبيعي أن ترغب في أخذ حريتها بالتنقل فيه كما تشاء، وهذا أولًا.
ثم أنزل إصبعه البنصر بواسطة سبابته، وأكمل:
- وشيءٌ آخر، يمكنني تعليمها أمورًا دقيقة في ديننا، وسيسهل عليَّ ذلك كثيرًا، عوضًا عن أسئلتها الكثيرة واستفساراتها التي أخشى الإجابة عنها؛ لأنني لا أعرف أحيانًا كيف أوضح لها المعلومة التي تريدها وأوصلها إليها. صحيح أنها أصبحت مُلِمَّةً ببعض أمور الدين الإسلامي، لكنها ما زالت بحاجة إلى الكثير من التوجيه والتعلُّم.
ثم ثم مرر يده على جبينه بتعب، وكأن مجرد الحديث عنها أصبح يرهقه أكثر مما توقع. كانت كلماته تخرج ببطء، محمّلة بحيرةٍ لم يعتد أن يشعر بها، فلطالما كان سليم واثقًا من قراراته، ثابتًا أمام الجميع، لكن أمام هذا الشعور تحديدًا كان يقف عاجزًا عن فهم نفسه.
قال بصوتٍ منخفض أثقلته الحيرة:
- لا أعلم ما الذي يحدث لي كلما ذُكر اسمها... لا أعلم لماذا يتغير شيءٌ بداخلي عند الحديث عنها، خاصةً بعدما أخبرني أمبر أنها تحبني، وبعد اعترافها الواضح لكم، ثم بعدما استمعت إلى حديثها بنفسي.
توقف للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات التي تصف ما يشعر به، لكنه لم يجد سوى المزيد من الارتباك.
لم يكن الأمر مجرد فرحٍ بمعرفة أنها اختارته، ولا مجرد شعورٍ بالمسؤولية تجاهها... كان هناك شيءٌ أعمق من ذلك، شيءٌ يربكه كلما حاول الاقتراب من حقيقته.
وما إن رفعت إبتهال إليه نظرةً ماكرة، حتى أسرع في الدفاع عن نفسه، وكأنها استطاعت قراءة ما يخفيه قبل أن ينطق:
- لا تنظري إليَّ بهذه النظرات يا أمي، فهذا ليس حبًا...
ثم صمت قليلًا، وكأن الكلمة الأخيرة أصبحت ثقيلة على لسانه، ليكمل بصراحةٍ مرتبكة:
- لكنه... ربما إعجاب. وأنا لا أنكره، لا أستطيع إنكاره، لكنني لا أعلم من أين جاء، ولا كيف تسلل إليّ، ولا حتى متى بدأ.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!