الفصل المئة وواحد وثلاثون
**
تنهدت خديجة بهدوء، ثم سارت معها نحو صينية الطعام التي أحضرتها ابتهال، وبدأت تتناول عدة لُقيمات بشهيةٍ مسدودة.
بعد لحظات، أبعدت الطعام عنها بضيق، فسألتها ابتهال بتعجب:
- ما بكِ؟ لماذا لا تكملين طعامكِ؟
تنهدت خديجة بثقلٍ كبير، ونظرت إليها بحزن:
- ليست لدي شهية... لقد تناولت من أجلكِ ومن أجل الطفل.
توقفت قليلًا، ثم أكملت بشيءٍ من الحماس:
- أمي... أريد أن أذهب إلى الطبيبة وأعرف جنس الجنين، ثم بعد ذلك أذهب إلى سليم وأخبره.
فكرت ابتهال مليًا بالأمر، فبلا شك سيكون خبرًا مفرحًا له، لكنها أجابتها بهدوء:
- أتعلمين أنه رفض زيارتنا، أليس كذلك؟
أجابتها خديجة بعدم اهتمام:
- ليس من شأنه يا أمي. هل يريد أن يحرمنا منه؟ لا يستطيع. حسنًا، سأحترم رأيه، لكن عندما نذهب إلى الطبيبة سأتوجه إليه مباشرة.
أومأت ابتهال برأسها، فقد كانت تريد هي الأخرى زيارته. لقد جاءهم المحامي وأخبرهم أن سليم لا يريد منهم الحضور إليه، لأنه سيخرج في أقرب فرصة، رغم أن مدة سجنه طويلة... كانت تلك رسالة سليم لهم، أما الحقيقة فكانت أن موقفه صعبًا للغاية.
اعتدلت في جلستها، وهي تمسك بالصينية بين يديها، ثم خاطبت خديجة بحب:
- يمكنكِ الدعاء له يا صغيرتي. بالمناسبة، لقد هاتفتني والدتكِ عندما كنتِ نائمة، وأخبرتها أنكِ بخير، لكنكِ نائمة فقط.
ثم أكملت بغصةٍ خانقة:
- الأيام القادمة ستكون مثل حصاد يوسف بعد تعبه، وراحة أيوب بعد صبره... فقط علينا الثقة بالله.
أومأت خديجة بهدوء، ثم توجهت نحو المرحاض بعد أن غادرت ابتهال الغرفة، وهي تمسح دمعةً فرت من عينها دون أن تشعر.
رأت خديجة تلك الدمعة قبل أن يُغلق الباب خلفها، وشعرت حينها أن ألم ابتهال لا يقل عن ألمها، فهي أيضًا تخفي وجعًا كبيرًا خلف صبرها.
««::::::::::::::::-:::::::::::::::»»
ها هو يقلب صمته، شاردًا كجوادٍ أرهقه الجموح وكبت أنينه في أودية الحزن... كدمعةٍ حائرة بين الهدب والمقل، لا تجد طريقها للسقوط.
كيف يبحث عن يقينٍ بين أكوامٍ من الوهم؟ كيف يصرخ وقلبه لا يسمع سوى صدى الفراغ؟
منذ خروجه من عيادة الطبيب، لم يبرح مكانه. بقي في المسجد طويلًا، يناجي الله بقلبٍ مرتجف، يرجوه أن تكون النتائج وهمية، أو خطأً عابرًا، أو مجرد تشابهٍ في التحاليل.
لم يرد أن ينظر إليها مرةً أخرى.
كان يخشى الحقيقة...
يخشى أن يرى الكلمات التي ستقلب حياته رأسًا على عقب.
ماذا سيخبر سارة عن النهاية التي تقترب منه؟ كيف سيخبرها أنه قد يتركها وحدها في منتصف الطريق بلا سندٍ ولا معين؟
وتلك الصغيرة... أمل.
هل إذا رحل سيعيدونها إلى دار الرعاية؟ هل ستفقد مرةً أخرى معنى العائلة الذي وجدته بين أيديهم؟
أخذ نفسًا عميقًا يحاول تهدئة نفسه، اهدأ يا همام... الأمر مجرد وهم. النتائج سليمة، لا بد أن هناك خطأً ما.
استجمع قواه، ثم أمسك هاتفه. كانت سارة تهاتفه منذ الصباح، لكنه لم يستطع الرد عليها، وقبل أن يضغط على رقمها، ظهر اتصالٌ من رقمٍ غريب.
أجاب بهدوء واستفسار:
- السلام عليكم... تفضل، من معي؟
جاءه صوت سليم من الطرف الآخر، هادئًا على غير عادته، لكنه يحمل حزنًا أثقل من الكلمات:
- كيف حالك يا همام؟
ابتلع همام ريقه بخوفٍ كبير، هل علم بمرضه؟ هل سيتحدث معه ليطلب منه الابتعاد عن سارة؟ لا... لن يسمح له بذلك، حاول أن يبدو طبيعيًا:
- بخير يا سليم... وأنت؟ كيف حالك؟
ضحك سليم بخفة، وهو ينظر إلى الضابط الواقف أمامه:
- قضبان السجن توصل سلامها لك.
عقد همام حاجبيه باستغراب:
- عفوًا سليم... لم أفهم، عن أي قضبان تتحدث؟
تنهد سليم بهدوء، ثم أجابه بثقل:
- إنني ضيف شرف في السجن لمدة خمسةٍ وعشرون عامًا... هل رأيت هذا؟
توقف همام عن السير، وكأن الكلمات أصابته في مكانه، لم يستطع حتى أن يرمش، خمسة وعشرون عامًا؟ كيف يمكن لإنسانٍ أن ينطقها بهذه الهدوء؟
لكن صوت سليم عاد أكثر جدية:
- همام... لا تقاطعني، دعني أتحدث مرةً واحدة، فليس لدي وقتٌ كثير.
صمت لحظة، ثم تابع:
- أنت أصبحت أخي منذ دخولك إلى دوائر حياتي، ثم تغلغلك بين أفراد عائلتي. لذلك أريد أن أطلب منك طلبًا.
ارتجف قلب همام وهو يستمع إليه.
- أمي، وزوجتي، وسارة... أمانةٌ في عنقك. لا أستطيع أن أطمئن على أحدٍ غيرك.
توقف قليلًا، ثم أكمل بصوتٍ يحمل خوف الرجل الذي يحاول حماية من يحب حتى وهو بعيد:
- إياك أن تسمح لزوجتي بالخروج من منزلها. أحضر لها المعلمات إلى المنزل، وحاول أن تجعل دراستها منزلية. سأرسل لك مع المحامي غدًا تصريحًا خطيًا مني حتى يقبلوا طلبك.
أغمض همام عينيه بقوة، يحاول استيعاب ما يسمعه.
تابع سليم بثقة كبير وامل بالله لم ينقطع:
- سأخرج في أقرب وقت، وكلّي ثقةٌ بالله، لكن لا أحد يضمن غدر البشر أو الظروف المحيطة بنا.
ثم تغير صوته قليلًا:
- سأُنهي المحادثة الآن... حاول أن تخبر سارة بهدوء. إنها رقيقة وحساسة جدًا، احتوِها يا همام، ولا تقسُ عليها.
صمت لحظة قبل أن يختم:
- في أمان الله.
انقطع الاتصال،بينما ظل همام واقفًا مكانه، متجمدًا، هل حقًا تلقى صدمةً أخرى في هذا اليوم؟ يا الله... لقد أغلق سليم الهاتف، أعاد الاتصال فورًا، لكن الرقم كان للإرسال فقط ولا يستقبل المكالمات.
مسح وجهه بكفه وهو يهمس بألم، هل هذا وقته أيضًا يا سليم؟ يا الله... ساعدني.
ارتدى حذاءه، ثم توجه نحو سيارته وجلس خلف المقود، كان يفكر في طريقةٍ يخبر بها سارة...كيف يخبرها بصدمتين قد تهدمان قلبها؟ مرضه....وسجن سليم....حرك السيارة متوجهًا نحو المنزل، وقلبه معلقٌ برجاءٍ واحد:
يا رب... اجعل العواقب خيرًا.
««::::::::::::::::-:::::::::::::::»»
بعد أن أنهى سليم محادثته مع همام، بعدما طلب إجراء مكالمةٍ ضرورية وسمحوا له بها، توجه نحو سجادة الصلاة.
سجد طويلًا... وكأن الأرض وحدها كانت قادرةً على حمل وجعه.
رفع قلبه قبل يديه إلى الله، موقنًا أن هناك بابًا لا يُغلق أبدًا.
همس بدعائه:
"ربي... أنت ترى مكاني، وتسمع كلامي، وأنت أعلم بحالي من عبادك. ربي شكواي لك لا لأحدٍ من خلقك، فاقبلني في رحابك في هذه الساعة.
ربي إني طرقت بابك، فافتح لي أبواب رحمتك، وأجرني من عظيم بلائك.
اللهم يا مسخر القوي للضعيف، ومسخر النار لإبراهيم، ومسخر البحر لموسى، ومسخر الحوت ليونس... يا من لا يعجزه شيء، بحولك وقوتك وعزتك وقدرتك أنت القادر على إخراجي ونصرتي وتبرئتي.
وضعت ثقتي كلها بك."
توالت دموعه بصمت، وهو يشعر بقهر الظلم وثقل الابتلاء:
- يا الله... أعلم أنني أحبك وأنني أحاول الالتزام، لكن ينقصني الكثير. لا أصلي لك كما يليق بجلالك، ولا أصوم كما كان يفعل داوود، ولا أصبر كما صبر أيوب، ولا أسبح بحمدك كما سبح يونس في بطن الحوت، ولا آخذ ديني بقوة كيحيى، ولا أغض بصري كما غض يوسف جوارحه.
ابتسم بألم:
- ولست متسامحًا حتى أقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء... أنا فقط أحاول يا الله.
ثم أكمل بصوتٍ مرتجف:
- لكنني أحبك وأخشاك، وأخاف غضبك وعذابك... فتولني، وأخرجني من كربتي وبلوتي.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!