صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 88 من 150
وضع القراءة:

الفصل الثامن والثمانون

**
توقفت قليلًا، ثم تابعت بألم:
- هناك أشياء كثيرة يا كيان، لو أنني لم أتنازل عنها لما تغاضيت عنها بهذه السهولة. لقد تغاضيت عن أمورٍ كثيرة، وجعلتُ من نفسي عمياء وصماء، وتنازلت عن كرامتي مراتٍ عديدة، لكن فاض بي الكيل.
أردفت بحزن:
- لو أن الأمر يقف عند الأطفال فقط، فالأمر مختلف... لكنه لا يفعل لهم شيئًا. أنا المسؤولة عنهم في كل وقت. عليّ متعب، وأنا من آخذه إلى الطبيب وأقوم بتطبيبه ومداواته. ولو تم استدعاء ولي أمر عمر، فأنا من أذهب إليه. أنا من أوصلهم إلى مدارسهم وأحضرهم منها أيضًا.
ثم تنهدت بمرارة:
- ماذا يفعل هو لهم؟ هل يحضر المال فقط؟ لو كان الأمر متعلقًا بالمال لكان بسيطًا وسهلًا، لكنه بخيل في الحنان يا كيان، بخيل في كل شيء. صدقيني، أنا متنازلة عن كل شيء، لا أريد سوى أن يمنحهم بعض الحنان والأمان. لا أريدهم أن يشعروا بأنهم أيتام رغم وجوده على قيد الحياة.
أغمضت كيان عينيها بقلة حيلة، وقد أحزنها حال صديقتها وما تعانيه، ثم خاطبتها بابتسامة هادئة:
- وكلي أمركِ لله يا ريم، واستغفري الله كثيرًا، فالاستغفار سيد الأدعية. وها أنا أكررها مرة أخرى... ريم، استخيري، فما خاب من استخار. أنتِ مقصرة وكسولة جدًا، لا يجوز ذلك يا فتاة، إن لم يكن من أجلكِ فمن أجل أطفالكِ. هيا، عديني بذلك الآن.
ابتسمت ريم بحبٍ كبير، فقد تغلغلت كيان في قلبها:
- أتعلمين يا كيان؟ لو كان لدي أخت، لما أخبرتها بكل هذا.
شاكستها كيان بحزنٍ مصطنع:
- ماذا؟ ماذا تقولين؟ يا إلهي، ألا تعتبرينني أختكِ؟ أغلقي يا ريم، أغلقي... لقد أثرتِ غضبي. ناكرة للأخوة! لو كنتِ أمامي الآن لافتككتُ بكِ. قبّلي لي خطيبي حسنًا.
ضحكت ريم لمزاح كيان المعتاد، ثم تنهدت مجيبة:
- إن خطيبكِ لم يقم بأداء واجبه بعد، وإن لم يفعل ذلك فسوف نستمع إلى أغانٍ مزعجة وضارة للآذان في الصباح، وملحنها المطرب إبراهيم. ادعي له بالهداية، لأنه لا يريد أن يقوم بحل الأمر.
أجابتها كيان ببساطة:
- لا تجعليه ينام عندكِ، أليس متعلقًا بكِ كثيرًا؟ قولي له إنكِ ستخاصمينه، وسينام في المطبخ مثل سندريلا، لكن عليه أن يعتبر نفسه شارل.
انفجرت ريم ضاحكة ولم تعد قادرة على السيطرة على نفسها، مما جعل كيان تخاطبها بتوجس:
- يا فتاة، اخفضي صوتكِ. لا أريد أن يأتي البرهم إليكِ الآن. اتركيه مشغولًا مع سُمّه، أقصد سما.
عادت ريم للضحك مرةً أخرى، ثم حاولت كتم ضحكاتها، مما جعل كيان تتحدث بخوفٍ حقيقي:
- ريم، سوف أذهب الآن، فلدي دوام غدًا. اعتني بنفسكِ وبأطفالكِ، وحاولي ثم حاولي، ثم حاولي أن تتقربي من البرهم، حسنًا؟
تنهدت ريم بثقل:
- حسنًا... سأحاول.
ضربت كيان يدًا بيد:
- تقولين سأحاول؟ صبر أيوب! ستصيبينني بالجنون. الرحمة يا ريم، أنا فتاة في ريعان شبابي وما زالت الحياة أمامي، لا أريد أن أموت ناقصة عمر.
كتمت ريم ضحكتها، ثم أجابتها بلطف:
- أطال الله بعمركِ يا كيان، وحفظكِ لي ولأهلكِ وأحبابكِ. حسنًا، سوف أذهب الآن لأستخير حتى ترتاحي، هل هذا جيد؟
تنهدت كيان براحة ثم أجابتها:
- أجل، سترتاحين أنتِ ولستُ أنا. تصبحين من أهل الجنة.
اعتدلت ريم في جلستها وهي تجيبها:
- وأنتِ من أهلها إن شاء الله.
وضعت ريم هاتفها جانبًا، ثم خاطبت عليّ:
- عليّ، ابدأ بحل واجبك ريثما أعود.
أومأ لها باسمًا ليكمل مشاهدة التلفاز، بعد أن أدت ريم صلاة الاستخارة، استمعت إلى طرقاتٍ على الباب تعود لسما. مسحت دموعها بسرعة، ثم توجهت نحو المرحاض لتغسل وجهها حتى لا تلاحظ الأخرى شيئًا، وبعدها فتحت لها الباب بابتسامة:
- ما الأمر؟
عانقتها سما بقوة كبيرة:
- سوف أذهب إلى والدتي غدًا يا ريم، وأخيرًا سوف أخرج من هذا السجن.
رمشت ريم بعدم تصديق، فمنذ مدةٍ طويلة لم تذهب سما إلى والدتها، فبادلتها العناق بسعادة:
- حقًا يا سما؟ هل وافق أن تذهبي بمفردكِ؟
زمت الأخرى شفتيها بضيق:
- لا، سيرافقني إلى هناك، ولن أبيت عندها. سنعود بعد عدة ساعات فقط.
ربتت ريم على كتفها بابتسامة:
- أفضل من ألا تزوريها، أليس كذلك؟
أومأت سما متنهدة بثقل:
- أجل، صحيح، هداه الله.
نظرت إليها ريم متسائلة:
- ماذا كنتِ تفعلين؟ هل ستنامين الآن؟
نفت ريم برأسها:
- كالمعتاد، سأنتظر إبراهيم حتى يأتي، لقد خرج، أليس كذلك؟
أومأت سما لها بخفة:
- أجل، لقد خرج قبل قليل وسيعود بعد أربع ساعات.
تنهدت ريم بثقل:
- اذهبي للنوم يا سما، فغدًا يوم طويل.
أجابتها سما بغموض:
- أجل... يبدو أنه سيكون طويلًا، سوف أذهب، تصبحين على خير.
دلفت ريم مرةً أخرى، لتجد عليّ قد غط في نومٍ عميق. تنهدت بهدوء، فيبدو أنه نام لتوه عندما كانت تتحدث مع سما، أخذت القلم والكراسة من بين يديه، ثم حملته ووضعته على السرير ومدثرته جيدًا.
توجهت بعدها بجانب عمر الذي كان يغط في النوم هو الآخر، ثم أمسكت كتاب الله تقرأ فيه ريثما يعود إبراهيم من عمله.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
زفرت رلين بتوترٍ كبير وهي تجوب أرجاء المنزل ذهابًا وإيابًا، فقد تأخرت ريليان نصف ساعة عن الموعد المتفق عليه.
كادت أن تتصل بهاتف سارة، فهما تتواصلان من خلاله ظنًا منها أن ريليان لا تمتلك هاتفًا، لكنها استمعت إلى صوت رنين المنزل، فتوجهت نحوه بسرعة كبيرة.
عقدت حاجبيها باستغراب وهي ترى أمامها فتاةً ترتدي شيئًا يغطي جسدها، وتضع شيئًا على رأسها يخفي شعرها، بينما تخفض رأسها إلى الأسفل.
التفتت نحو ماريّا الخادمة تخاطبها:
- ماريّا، افتحي الباب وانظري ماذا تريد تلك الفتاة، وأخبريها أن هذا المنزل ليس مأوى لأمثالها.
أسرعت ماريّا نحو الباب، وما إن فتحته حتى قابلتها ريليان بابتسامة هادئة:
- كيف حالكِ يا ماريّا؟
انعقد حاجبا رلين وماريّا في الوقت ذاته، لتضحك ريليان بخفة وهي تخاطبها:
- إنها أنا يا ماريّا... ريليان.
اتسعت ابتسامة ماريّا شيئًا فشيئًا، ثم أسرعت تحتضنها بشوقٍ كبير، فقد اشتاقت إليها كثيرًا.
قاطع ذلك صوت رلين المصدوم:
- ريليان؟!
التفتت ريليان إليها بعدما ابتعدت عن ماريّا، ليخرج صوتها مخنوقًا من شدة الاشتياق:
- رلين...
تقدمت نحوها بخطواتٍ هادئة، لكن رلين سارعت إلى معانقتها بقوة، تشهق بصوتٍ مرتفع وهي تبكي. كانت رلين تقف للحظاتٍ عاجزة عن استيعاب ما تراه؛ صدمتها ثياب ريليان أولًا، ثم تلك المشاعر التي اجتاحت قلبها رغم كل ما حاولت إخفاءه.
بدأت تلف ذراعيها حولها ببطء، مغمضة عينيها محاولةً التماسك، فمن اختارت طريقًا كهذا، في نظرها، من المستحيل أن تعود كما كانت.
- لماذا أتيتِ؟
رفعت ريليان عينيها المليئتين بالدموع بتعجب:
- ماذا تقصدين؟ ألم تطلبي مني أن آتي؟
زفرت رلين بهدوء وهي تغمض عينيها للحظات، ثم نظرت إليها مجيبة:
- أجل، قصدت ذلك... لكن ما هذا الذي ترتدينه؟ وكيف تقبلتِ الأمر؟
ابتسمت ريليان بهدوء وهي تمسح دموعها:
- إنه الحجاب. وهذا أمر طبيعي، لم أكن معتادةً عليه في البداية، لكن مع الوقت أحببته كثيرًا، إنه جميل. لقد أمرنا اللـ...
قاطعتها رلين بغضب:
- اصمتي... اصمتي يا ريليان، لا أحتمل النظر إليكِ هكذا. اخلعيه.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.