الفصل المئة وثمانية وعشرون
**
جلس سليم أمام محاميه الخاص، يستمع بصمتٍ إلى تفاصيل موقفه في هذه القضية التي أصبحت تثقل صدره أكثر مما يثقل كاهله.
تحدث المحامي بهدوء، وهو ينظر إلى الأوراق أمامه ثم رفع عينيه نحو سليم:
- إن موقفك صعب يا دكتور سليم... فالشكوى الأولى مقدمة ضدك من السيد هارت، وهذا بحد ذاته يجعل القضية حساسة، وثانيًا هناك بلاغ مقدم من جهات تابعة للكنيسة الكاثوليكية، يدّعون فيه أنك تمثل خطرًا على أتباعها من خلال محاضراتك ونصائحك الدينية.
نظر إليه سليم بدهشة، وقد ارتسم الدفاع على ملامحه قبل أن يتحدث:
- وما شأني بهم استاذ نضال؟ أنا ألقي محاضراتي في أماكن معلنة ومعروفة، ولا أجبر أحدًا على حضورها، بل أرى أن من حقي أنا أيضًا أن أرفع دعوى ضد كل من يتعرض لديني أو يحاول الإساءة إليّ شخصيًا.
أخذ نضال نفسًا هادئًا، ثم أكمل بجدية:
- دكتور سليم... المشكلة ليست في المحاضرات وحدها، بل في الاتهامات التي وُجهت إليك، فقد ادعت الجهة المشتكية أنك تختلس أموال التبرعات وتقوم بعمليات مالية غير قانونية، وهذه تهم خطيرة جدًا إن وصلت إلى المحكمة المدنية وثبُتت، كما اتهموك بأنك مارست ضغطًا دينيًا على أحد الأشخاص عندما تحدثت معه في شارع أجلور، مدعين أنك قدمت له نصائح دينية رغم عدم طلبه لذلك.
صمت قليلًا قبل أن يضيف:
- وقد يؤدي تصعيد القضية إلى إجراءات قاسية بحقك قد تصل الى ترحيلك، خصوصًا أن الموضوع أصبح مرتبطًا باتهامات تتعلق بالتأثير على الآخرين في الأماكن العامة، وليس مجرد خلاف شخصي.
شبك سليم أصابع يديه أمامه، وقال بقوةٍ يحاول أن يثبت نفسه قبل أن يثبت براءته:
- بدايةً... أنا لا آخذ قرشًا واحدًا من محاضراتي أو ندواتي، فجميع التبرعات تذهب إلى الجهات الخيرية المخصصة لها، وأجل لقد تحدثت مع رجلٍ نصراني كان في أواخر العشرينيات من عمره، لكن ذلك كان بناءً على طلبه هو، لقد استوقفني عندما خرجت من المسجد، وطلب مني أن أقابله في شارع أجلور.
أغمض سليم عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا أن يسيطر على الغضب الذي بدأ يتصاعد داخله، كان يشعر وكأن كل كلمة تُلقى أمامه تزيد ثقلًا فوق صدره.
وبعد لحظات، فتح عينيه، فاستقبلته أشعة الشمس المتسللة من النافذة، وكأنها تذكره بأن عليه أن يبقى ثابتًا رغم كل ما يحدث:
- أستاذ نضال... فهمت هذا، لكن ما علاقة أمبر بكل هذا؟
فتح نضال الملف الموضوع أمامه، وأخذ يقلب صفحاته بهدوء، ثم أشار إلى فقرة معينة وهو يقول بجدية موضحًا:
- إنّ السيد أمبر، فهو يوجه إليك اتهامًا مباشرًا وخطيرًا، يدعي أنك سرقت خطيبته، السيدة ريليان جرير، وأنك اختطفتها من داخل شقته، ثم تزوجتها دون إرادتها.
في البداية ضحك سليم بإستهزاءٍ لكن تجمدت ملامحه للحظة، وكأن الكلمات اصطدمت به قبل أن تصل إلى عقله، عندما نضال بصوتٍ عملي:
- ويستند في دعواه إلى دليلٍ صوتي حيث أنها كانت تطلب المساعدة من السيد ديفيد، وأنها كانت تريد التخلص منك، وإذا اقتنعت المحكمة بهذه الأدلة، فقد تواجه عقوباتٍ قاسية وفق القوانين المدنية المعمول بها.
ساد الصمت للحظات، بينما ظل سليم ينظر إليه وكأن عقله يرفض تصديق حجم الظلم الذي يُرمى به، شبك أصابع يديه أمامه، يجيبه بقوةٍ:
- إنها زوجتي... ولم أختطفها، لقد تزوجتها على سنة نبينا محمد، بإرادتها الحرة، وبموافقة والدتها التي كانت وكيلةً عنها، الحقيقة أن من حاول السيطرة عليها وأخذها بعيدًا عن حياتها هو أمبر نفسه.
توقفت أنفاسه قليلًا، ثم قبض يده بقوة حتى برزت عروقها، وكأن مجرد ذكر الأمر أعاد إليه شعور الغضب الذي يحيط به.
- ذلك النذل... أقسم أنني لو رأيته فلن يكفيني موته بيدي.
تحدث نضال بجدية وهو يشير إلى الأوراق:
- دكتور سليم... الأمر ليس بسيطًا كما تظن، الاتهامات الموجهة إليك خطيرة جدًا إذا ثبتت تهمة الاختلاس والتلاعب بالأموال، فقد تواجه حكمًا قد يصل إلى خمسة عشر عامًا، أما قضية السيدة ريليان، وادعاء أمبر أنك اختطفتها واحتجزتها وأجبرتها على الزواج منك، فهي تهمة أخرى قد تضيف سنوات طويلة إلى الحكم.
توقف قليلًا، ثم نظر إليه بجدية:
- نحن نتحدث عن احتمال حكم قد يتجاوز خمسةً وعشرين عامًا، وربما أكثر، إذا اقتنعت المحكمة بكل هذه الادعاءات.
ضحك سليم بسخريةٍ مريرة، وكأن الرقم لم يعد يعني له شيئًا أمام بشاعة الاتهامات:
- جزاهم الله خير الجزاء حقًا... لقد كنت أظن أنهم سيجعلونها أكثر من ذلك، يبدو أنهم قصروا في حقي.
ثم نظر إلى نضال بعينين ممتلئتين بالذهول والغضب:
- خمسة وعشرون عامًا؟! عن أي اختلاسٍ واختطافٍ وسرقة يتحدثون يا أستاذ نضال؟
نظر اليه نضال بشفقة حقيقية، فسليم لا يستحق ذلك. فهو يعلمه علمًا جيدًا، فقبل ان يكون صديقه هو معلمه، حاول التحدث لكنه احترم صمته، بينما الاخر وكأن هناك شيئًا أهم من غضبه ظهر في ذهنه، فرفع عينيه نحو نضال يسأله:
- بالمناسبة... هل الدليل الصوتي معك الآن؟
أومأ نضال بتأكيد، ثم سأله بحذر:
- هل تريد سماعه؟
ثبت سليم نظره إليه، وأجاب دون تردد:
- نعم... أليس هذا صوت زوجتي؟ أريد أن أسمعه.
أخرج نضال بطاقة ذاكرة صغيرة من الملف، ثم وضعها في هاتفه، وبعد لحظات امتلأت الغرفة بصوت ريليان....صوتها وهي تستنجد بديفيد.
توقف كل شيء حول سليم، لم يعد يسمع صوت المحامي، ولا حركة الهواء، ولا حتى نبضات قلبه التي كانت تضرب صدره بعنف.
بقي ساكنًا تمامًا، وعيناه معلقتان في الفراغ، وكأن روحه تحاول الهروب من الحقيقة التي تصرخ أمامه، هل هذا صوتها حقًا؟ هل هذه ريليان... زوجته التي وقفت أمام الجميع واختارت طريقه؟
هل هي نفسها التي تحدت عائلتها من أجله؟ إذا كانت تريد الخلاص منه... فلماذا بقيت على ذمته؟ ولماذا لجأت إلى ديفيد تحديدًا؟ لقد كان ديفيد الوحيد الذي وقف معه وساعده في إنقاذها...
تراكمت الأسئلة في رأسه حتى شعر بأنه يغرق داخلها، عاجزًا عن الوصول إلى إجابة واحدة تمنحه السلام.
لم يعد سليم قادرًا على التفكير أكثر من ذلك، فقد تشابكت الأفكار داخل رأسه حتى عجز عن ترتيبها، وأصبح صوت ريليان يتردد في داخله كصدى لا يستطيع الهروب منه.
قطع تيهه وحيرته صوت المحامي وهو يخاطبه بنبرةٍ عملية، فرفع سليم عينيه نحوه ببطء، وفيهما ضياعٌ وألمٌ حاول جاهدًا إخفاءهما.
تنهد نضال بقوة، ثم قال بصوتٍ يحمل شيئًا من المواساة:
- صدقني دكتور سليم... سيكون الله معك. لا أستطيع أن أخفي عنك الحقيقة، الأدلة المقدمة ضدك قوية جدًا، لكنني سأبذل قصارى جهدي، أعدك بذلك.
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامةٌ ساخرة، لكنها لم تحمل أي فرح، بل كانت ممتزجةً بمرارةٍ عميقة وكأنها خرجت من قلبٍ أنهكه الألم:
- وفّر حديثك يا أستاذ نضال... ما دام الأمل قد انقطع.
أغمض عينيه للحظات، محاولًا استجماع ما تبقى من تماسكه، ثم فتحهما وقد عاد بعض الهدوء إلى ملامحه، رغم الانكسار الذي يسكن أعماقه.
قال بصوتٍ خافت:
- شكرًا لك على أي حال... لكن لدي طلبٌ أريد منك تنفيذه.
صمت قليلًا قبل أن يكمل:
- أخبر والدتي بتفاصيل بسيطة فقط، دون أن تتعمق في موضوع زوجتي. ولا تخبرهم أن يأتوا إلى هنا... أريدهم أن يبقوا بعيدين عن هذا الأمر.
خفض نظره للحظة، ثم تابع بصوتٍ أثقله الوجع:
- فقط عندما تضع زوجتي مولودها... حينها يستطيعون المجيء. أريد أن أفعل الصواب قبل كل شيء.
تلاحقت الأفكار داخل رأسه حتى شعر وكأنه يغرق في بحرٍ لا قاع له.
لم يكن الألم في الاتهام الموجه إليه...
بل في احتمال أن تكون المرأة التي أحبها، والتي دافع عنها أمام العالم كله، قد كانت في يومٍ ما تخشاه، ولأول مرة منذ بداية هذه المحنة، شعر سليم بالعجز.
فالقضية التي أمامه يستطيع مواجهتها، والاتهامات يستطيع الرد عليها، لكن كيف يواجه صوتًا يحمل ملامح زوجته وقلبه لا يريد تصديقه؟
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!