الفصل المئة وخمسة وثلاثون
**
تأملته بتفصيلٍ كبير، بدأت بلحيته التي طالت قليلًا، والتي زادته هيبةً وجمالًا رغم هزاله البسيط ونقصان وزنه الملحوظ، إلا أن ملامحه ما زالت تحمل ذلك السكون الذي أحبته. انتقلت بعينيها إلى عينيه اللتين حُرمت من رؤيتهما شهرًا ويومين وتسع ساعات، يا إلهي كم اشتاقت إليهما، إلى أهدابه الطويلة التي لطالما شبهتها بالسهام التي تصيب القلب دون استئذان.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول السيطرة على سيل المشاعر الذي اجتاحها، ثم أخرجت صوتها المرتجف من شدة الشوق:
- أريدكَ سليم.
رفع عينيه إليها بسرعة كبيرة، وكأن كلماتها اخترقت صمته وأخرجته من عالمه، لم يصدق أنها أمامه حقًا، لم يصدق أن الله استجاب لدعائه وأعاد إليه وجهها الذي كان يستحضره في كل سجدة.
تقدمت نحوه لتزيح غطاء وجهها للأعلى، وما إن ظهرت ملامحها أمامه حتى تحرك دون تفكير، اقترب منها بسرعة كبيرة ليحتضنها بقوة، دافنًا وجهه في تجويف رقبتها وكأنه يخشى أن تختفي من بين يديه.
رفعت يديها بسعادةٍ ممزوجة بالألم لتبادله عناقه، تشبثت به كما يتشبث الغريق بطوق النجاة، وبعد لحظات شعرت بدموعه تبللها، دموع رجلٍ حاول أن يكون قويًا طوال هذا الوقت لكنه انهار أمامها.
حاولت الابتعاد عنه قليلًا، لكنه بقي متمسكًا بها كطفلٍ صغير وجد والدته بعد طول غياب، فضحكت من بين دموعها هامسة:
- سليم، ابتعد قليلًا... إنك تؤلمني.
أجابها بصوتٍ مكتوم وهو يزداد تشبثًا بها:
- سأداويكِ فقط... اتركيني أنعم بأحضانكِ الدافئة، فقد اشتقتُ إليكِ خديجة قلبي.
ابتسمت بسعادةٍ غمرت قلبها، وشددت عناقها له بحنان، وكأنها تخبره دون كلمات أن فراقه كان أصعب مما تستطيع احتماله.
ابتعد عنها فجأة، وانخفضت عيناه نحو معدتها، لتضحك بخفة على تعابير وجهه التي امتزج فيها الذهول بالفرح.
وضع يده على بطنها برفق، وكأنه يخشى أن يؤذي شيئًا ثمينًا، وخرج صوته بابتسامةٍ شقت طريقها وسط أحزانه:
- لقد تحرك... أليس كذلك؟ شعرتُ به.
وضعت يدها فوق يده، تبتسم رغم الدموع العالقة في عينيها:
- لقد اشتاقوا إليك... لا بد أنهم اشتاقوا إليك يا سليم.
رمش عدة مرات غير مصدق، ثم نظر إليها بدهشة:
- اثنان؟!
أومأت له بتأكيد، وما إن استوعب الأمر حتى بدأت دموعه تنساب بصمت، عاد ينظر إلى معدتها وكأنه يحاول حفظ هذه اللحظة في قلبه إلى الأبد.
سألته بحماسٍ رغم كل الألم المحيط به:
- ماذا تتوقع جنسهما؟
فكر قليلًا وهو ينظر إليها بتردد:
- فتاتان؟
ابتسمت له وهي تؤكد توقعه بإيماءة من رأسها، فتنهد بحب، لتدفن وجهها في صدره بغصةٍ كبيرة:
- اشتقتُ إليكَ سليم... متى الخلاص من هذا؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم ضمها إليه أكثر وهو يهمس بثقةٍ رغم ألمه:
- عندما يأذن الله يا خديجة.
ثم حاول تغيير الحديث حتى لا يغرقا أكثر في حزنهما، فسألها:
- أجيبي... متى ارتديتِ الخمار؟ ولماذا؟ وكيف خرجتِ من المنزل؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم جلست على الكرسي الموجود خلف الطاولة بعدما شعرت ببعض التعب، وأجابته بابتسامةٍ هادئة:
- قبل أسبوع، اتفقت أنا وسارة على ارتدائه، وفي اليوم التـ...
قاطعها بسرعة، وقد ظهرت السعادة في عينيه:
- هل ارتدت سارة الخمار أيضًا؟
أومأت له بتأكيد، لتكمل وهي تراقب فرحته:
- لقد أحضره لنا همام في اليوم التالي، جزاه الله خير الجزاء.
نظر إليها متعجبًا، متأملًا عينيها اللتين افتقد النظر إليهما كثيرًا:
- وكيف عرفتِ جنس الجنين؟ هل ذهبتِ مع همام أيضًا؟
أجابته بهدوء:
- لقد كنت عند الطبيبة اليوم يا سليم، أنا وأمي ابتهال وأمي جوليا وسارة وهمام، وكانت أمل معنا أيضًا، لم أذهب معه بمفردي، فقط قام بإيصالنا.
تغيرت ملامحه قليلًا ليشرح لها:
- خديجة، لم أقصد ما وصل إليكِ... أنا فقط قصدت أنني أوصيت همام ألا تخرجي من المنزل، هذا كل شيء، وأعلم أن اختباراتكم بعد أسبوع من الآن.
تنهدت بهدوء، ثم سألته وهي تحبس غصتها:
- ولماذا لا تريدني أن أخرج يا سليم؟ حتى لا أذهب لأمبر؟ أقسـ...
أغمض عينيه بقوة، يحاول كبح غضبه، فهو لا يريد أن يخرج ذلك الألم الذي ينهشه كلما ذُكر اسمها، فتح عينيه وهو يضغط على أسنانه:
- خديجة، لا تتحدثي أكثر من ذلك حتى لا أجعلكِ تبكين.
أدركت خطأها، فابتلعت كلماتها وغيرت الحديث بسرعة:
- لقد استمعت إلى نبضهم يا سليم... ورأيتهم وهم يتحركان بداخلي.
ابتسم بألم، فهو لم يعش تلك اللحظة معها، لم يكن بجانبها حين سمعت أول نبضة لطفليه.
أخرجت هاتفها من حقيبتها، وفتحته على مقطعٍ مصور، ثم قدمته له بابتسامةٍ مترقبة.
أخذه منها بهدوء، وبدأ يشاهد حركة طفليه، ثم استمع إلى صوت نبضاتهما الضعيفة، لتسري قشعريرة في جسده.
وضع يده على فمه، وقد امتلأت عيناه بالدموع، إنها مشاعر لم يعرف كيف يصفها، مزيج من الفرح والخوف والشوق.
نظر إليها بصوتٍ مرتجف:
- هل هؤلاء أطفالنا حقًا؟
أومأت له، فاقتربت منه تشير إلى الشاشة بمزاح:
- انظر إلى هذه... إنها تشبهك يا سليم.
ضحك بخفة، فضحكت معه، ثم قالت بغصة:
- اشتقت لرؤيتك تضحك يا سليم... لا تعلم كيف قضيت هذا الشهر بدونك.
لم يدعها تكمل، جذبها إليه محتضنًا إياها بقوة، وكأن كلماتها تؤلمه أكثر من السجن نفسه.
ابتعد عنها بعد لحظات، ومسح دموعها، ثم خلع ساعة يده ووضعها بين يديها:
- احتفظي بها من أجلي يا خديجة... اتفقنا؟
أخذت نفسًا عميقًا وهي تمسح دموعها، لكن صوت طرقات الحارس قطع عليهما لحظتهما، معلنًا انتهاء وقت الزيارة.
أغمضت عينيها محاولة حبس دموعها، بينما ابتسم لها وقبل جبينها بحبٍ طويل، وكأنه يريد أن يترك أثره معها حتى اللقاء القادم.
لفت ذراعيها حول عنقه، تريد أن تشعر بوجوده، بأمانه، بحضنه الذي افتقدته.
لو كان بإمكانها أخذه معها لفعلت.
فتح الحارس الباب، فأنزل سليم غطاء وجهها برفق، وقبل أن ترحل همست له والغصة تخنق صوتها:
- لقد كان صوت رلين دون تخطيطٍ منها، لكنهم بعد ذلك استخدموه كسلاح ضدك.
ابتسم بثقة، والغضب مكتوم في نبرته:
- كنت أعلم... ولدي يقين أن ذلك الشخص سيحاول إيذاءكِ، لذلك طلبت منكِ ألا تخرجي من المنزل.
ثم تابع بصوتٍ أكثر شوقًا:
- أوصلي سلامي لأمي وسارة، وقبلي وجنتي أمل من أجلي.
عبست ملامحها خلف الخمار، ليبتسم بخفة هامسًا:
- ثم إن ابتسامتكِ خُلقت لتُهدي الألوان وتختم الجمال، فلا تعبسي ولا تغاري... دعيني أخرج من هنا أولًا، اتفقنا؟ ولولا وجود الحارس لقبلتكِ.
ضحكت بخفة وهي تهز رأسها بطاعة، ليبتسم لها للمرة الأخيرة قبل أن يوجه نظره نحو الحارس بضيق.
تذكرت شيئًا فجأة، فعادت إليه بسرعة وهي تحمل حقيبة متوسطة الحجم، وضعتها بين يديه وهمست:
- هذه من أجلك... حضرتها بنفسي.
أخذ نفسًا عميقًا بعد أن أغلق الحارس الباب خلفها، ثم نظر إلى الحقيبة بين يديه وكأنها تحمل شيئًا من روحها.
سار نحو زنزانته، ضاغطًا عليها بحنان، وكأنها تحمل عبق زوجته ودفء منزله الذي اشتاق إليه.
««::::::::::::-::::::::::::::»».
جلس إبراهيم بجانب سما بعد أن أنهيا تنظيف المنزل معًا، أمسك هاتفه كي يهاتف ريم، لتنظر إليه سما بضيقٍ واضح بعدما جلست بجانبه، ثم خاطبته بهدوءٍ يغلفه شيء من الغضب:
- لقد هاتفتها صباحًا، فما الداعي لاتصالك بها الآن إبراهيم؟
نظر إليها ببرودٍ للحظات قبل أن يجيبها:
- لا شأن لكِ سما، إنني حرٌّ في تصرفاتي.
ثم أكمل متنهدًا بعدما رأى العبوس يحتل ملامحها:
- كنت أريد أن أسألها عن مضرب اليد الخاص بالرياضة، لأنني لم أجده حبيبتي، فلا تعبسي.
جاء صوت ريم بغصةٍ واضحة وهي تشدد إغلاق عينيها مانعةً نفسها من البكاء، فقد استمعت إلى حديثهما كاملًا، ويبدو أن إبراهيم ضغط زر الاتصال دون انتباهٍ منه:
- ستجده في مكتبك داخل الدرج الثالث، كان بإمكانك ترك رسالة بدلًا من أن أستمع إلى حديثكما.
ابتسمت ريم بسخريةٍ مؤلمة عندما أغلق الهاتف في وجهها، فهذا أصبح معتادًا منه، مسحت دمعةً خانتها قبل أن تبتسم لعمر الذي كان ينظر إليها بهدوء، ليخاطبها متسائلًا:
- هل كان إبراهيم؟
أومأت له بتأكيد، ليضغط على يده بقوةٍ محاولًا إخفاء غضبه، متحدثًا بابتسامةٍ مصطنعة وهو يرى تلألؤ الدموع في عينيها:
- اتصلي بخطيبة أخي، كيان، وأخبريها، أعلم أنكِ تخبرينها بكل شيء.
اعتدل من أمامها، ليتحدث علي ضاحكًا دون أن يدرك ما يحدث:
- أخبري خطيبتي أنني اشتقت إليها يا أمي.
ابتسمت ريم رغمًا عنها، لترفع أنظارها نحو والدتها، فطوال الشهر المنصرم وهما في جدالٍ لا تعلم سببه الحقيقي؛ ربما لإهمالها الكبير، أو لتركها حقها يضيع، أو لأنها لم تخبرها بما حدث منذ البداية. لكنها تساءلت في داخلها... لماذا تلومها حقًا؟ أليس يكفيها ما تشعر به وحدها؟
استمعت إلى صوت إشعار هاتفها، لتجد رسالة من كيان تخبرها بأنهما تنتظرانها كما اتفقن، فاعتدلت تحت تنهيدة والدتها، ثم توجهت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
جلست على المقعد قبل أن تجيب الاتصال، لتتحدث سنابل بملل:
- أخيرًا جئتِ يا فتاة، كدت أن أنام.
ابتسمت ريم بخفة وهي تنظر إلى الخزانة أمامها:
- أعتذر جلالة الملكة سنابل، لجعل رعاياكِ ينتظرون.
قاطعتها كيان ضاحكةً بقوة:
- ملكة من يا فتاة؟ قولي النائمة. سنابل اذهبي إلى ابنتكِ ديالا، فمن المؤكد أنكِ ستتركيننا وتنامين.
ضحكت ريم وهي تجيبها مؤكدة:
- هذا صحيح، سوف تنام كالمعتاد.
زفرت سنابل بضيقٍ من هذه العادة التي تلازمها، لتجيبهما وهي تلوي شفتيها:
- حسنًا، سوف أبقى مستيقظة إن شاء الله.
ابتسمت كيان بخفة، لكنها لم تعلق، لأنها تعلم جيدًا أن سنابل ستنام في منتصف المحادثة كعادتها.
تحدثت ريم وهي تنظر إلى أظافرها ببرود:
- لقد قررت الذهاب إلى سليم غدًا، ما رأيكما؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!